دكتور خليل فاضل يحذر من نظريات «جراب الحاوي»

دكتور خليل فاضل يحذر من نظريات «جراب الحاوي»

الإثنين 18-12-2006

دكتور خليل فاضل يحذر من نظريات «جراب الحاوي» علي أطفال الشوارع: حاكموا وزير التضامن قبل محاكمة التوربيني وإخوانه 

المصري اليوم ١٨/ ١٢/ ٢٠٠٦
هل نحتاج إلي صدمات متكررة عالية الشحنة من «التوربيني» و«بوؤه» أو «بوؤا» أو «بُقه» و«السويسي» و«حناطة» و«بزازة» لكي نفيق من غفوتنا، من سباتنا العميق جداً – فجأة- لا لنجد أن أطفالنا يقتلون بأيديهم، لكن لنجد أولادنا قد تحولوا إليهم، هل ننتظر هول الكارثة أم حلول القارعة، أم ننظر إلي أبعد من الندوات، الجمعيات، المؤتمرات، البرامج الفضائية والأرضية التي تظهر فيها سيدات يضعن أحمر الشفاه القاني وطلاء الأظافر الأحمر الفظ كلون الدماء التي سالت من رؤوس الضحايا، أو انتثرت وانتشرت علي قضبان السكة الحديد إيذاناً بمجتمع جديد، تنهض فيه كل وحوش الدنيا التي نامت في أجساد أطفال تركناهم بلا مأوي أو طعام أو رعاية أو حتي ربتة علي الظهر.

المسألة كبيرة وبلغت أقصي حدودها، وصارت تفضح عورة نظام فاشل لا يوفر الحد الأدني من الرعاية الاجتماعية لمواطنيه، علي الرغم من كل مؤسساته الضخمة، وشرطته المهيبة (كان المقر الرئيسي لعصابة أطفال الشوارع القتلة علي بعد ١٠٠ متر من أحد أقسامها).
القضية عميقة القرار، بعيدة المدي، مرعبة، شديدة الهول، ولا تختصر في عصابة قتلت عدداً محدوداً من الأطفال.

فجأة خرجت كل النظريات من جراب الحاوي (التسرب من التعليم، الأمية، التفكك الأسري، وفجأة أيضاً جاء الحل (هانمسك العيال دول كلهم ونضعهم في البوكسات ونوديهم لأهاليهم، أين هم الأهل وهل لديهم أي إمكانيات، وبعد إيه؟).
هناك تصور عام لدي العوام أن ثمة ما يربط الاضطرابات العقلية (الذهنية أو النفسية) بالجريمة عموماً (وهذا ليس بالأمر الصحيح علمياً، ولا ينفي أن يستطيع القاصر عقلياً أن يقتل ويغتصب ويرمي بالأحياء من الأطفال تحت عجلات القطار الهائلة السرعة، بيدين عاريتين، وبكثير من الإثارة والتسلي وكأنه يلهو بألعاب بلاستيكية، أو كأنه يمتص في ذلك الرعب الكابوسي رحيق النعمة والأمان من هؤلاء الضحايا).

بمعني أن هذا الربط لابد وأن يتخصص، أي أن الربط بين قتل الأطفال وانتهاكهم جنسياً والقاصرين عقلياً أو (المتخلفين) أو (المختلين – التعبير الأحب للصحافة والبعيد عن الدقة كثيراً)، في حالات (القصور العقلي) يكون الربط بين (الحالة) و(الجريمة) غامضاً، لكن علينا أولاً أن نفهم ماهية (القصور العقلي)، فهو انحسار وانحدار وقصور الذكاء العام وفقدان جميع المهارات الاجتماعية (الكياسة، اللباقة، القدرة علي التأقلم وحل المشكلات، التواصل الحر المتحضر مع الآخرين)، وهو ما يعني أيضاً (الذكاء الوجداني).
يقاس الذكاء العام عادة بعدة اختبارات ومقاييس معروفة ومقننة للعاملين في حقل تلك الفئة، لكن، ولعدم قدرة القاصر عقلياً علي التواصل والفهم، فإن مصداقية نتائج تلك الاختبارات مشكوك فيها وفي دقتها، لكن جري العرف الإكلينيكي علي أن هؤلاء الشديدي الإعاقة في ذكائهم العام، هم شديدو الإعاقة اجتماعياً (وغالباً ما يكونون مصابين بحالة من التقزم العاطفي، الإحساس بالدونية والرفض، مما يزيد من الطين بلة ومن الأمر سوءاً، فيدفع إلي أمور شتي مثل الانتقام، العنف، الكره، التوحد مع الآخرين لتكوين شلة أو عصابة تدمن وتغتصب وتدمر، تتحد مع الألم لمواجهة الألم، تلوذ بأسفل الكباري للاختباء من الدنيا، تغيب في الجنس العشوائي، كما تغيب الكلاب الضالة، وتهيم لتضرب في جميع أشكال المجتمع بلا أي هدف، سوي رد الفعل للحالة الاجتماعية والإكلينيكية من ناحية، وكاستمرار وتماد ومبالغة من ناحية أخري، وذلك نتيجة إهمال مؤسسات وهيئات الرعاية المنوطة بلمهم وضمهم وحمايتهم وحماية الناس منهم، يزيد علي ذلك الحرمان (المادي) والفقر في أحط صوره مما يمنع ويسد أي فرصة للإرتقاء أو التنفس خارج إطار المستنقع المليء بكل الموبقات.

هذا بجانب أن أي كم من الذكاء القليل ينحط ويتدهور بفعل (عدم التعليم، عدم التربية وانعدام الثقافة)، بل إن أطفال الشوارع الذين لا يقعون في إطار تلك الفئة القاصرة عقلياً، يوظفون ذكاءهم إجرامياً، للتحايل علي هذا العيش القاسي في العراء، فالشارع يذبح الأخلاق والأجساد المحرومة أصلاً من الدفء (الإنساني والعادي) من الأمن والطعام، التواجد بين الناس (الطبيعيين)، يقتل الروح وينزع السلسية، ويدفن الإنسانية تماماً.

علينا هنا أن نخوض ما يمكن أن نسميه (المسؤولية الأخلاقية، للمجتمع، وللدولة)، نريد كشف حساب من وزارة (التضامن) الاجتماعي (مع العلم والإقرار أن دولاً كثيرة تعاني من مشكلة أطفال الشوارع لكن حسبما تدلنا الأدبيات العالمية، فإن نوعية وكمية الجهد المبذول مختلفة عن تلك التجربة المصرية المثيرة للتقزز والرفض والإدانة بل وتدعونا إلي محاكمة عاجلة لهؤلاء وعلي رأسهم وزير ذلك التضامن الاجتماعي المفقود قبل محاكمة (التوربيني وبزازة وحناطة وبقو وغيرهم!)، أين مؤسسة الدفاع الاجتماعي، أين كشف حساب المجلس الأعلي للأمومة والطفولة، مفصلاً، أين كل تلك الجمعيات الأهلية، التي صارت عائلية وتتلقي المنح والمعونات من الاتحاد الأوروبي وغيره، أين وزارة الداخلية بجميع كوادرها، ولماذا يقتصر الربط الإلكتروني لقاعدة المعلومات علي رخص المرور وبطاقة الرقم القومي، نحتاج إلي قاعدة بيانات قوية دقيقة تدرج فيها كل الأسماء للأطفال الغائبين وغيرهم مع جميع تفاصيلهم وأن تربط الشبكة بعرض وطول مصر، ولا نريد محاضر تثبت وتنسي في أقسام الشرطة، وأين -بالفعل- وزارة الصحة بشقها للصحة النفسية، وأين وزارة التربية والتعليم من تنسيق المدارس الخاصة، وإعداد الكوادر المؤهلة من معلمين، فنيين وأخصائيين نفسيين واجتماعيين وصناعيين؟
لا نريد موقف الدفاع لدي كل جريمة وكل مصيبة وكل حادث، فلقد بلغ السيل الزبي، وتعدي الخطر أسطح القطارات إلي أبواب البيوت، ما حال مؤسسات التربية الفكرية؟ ولماذا بعض النماذج الناجحة (قرية الأمل – مثلاً) نادرة؟.
أين المسؤولية الأخلاقية لكل هؤلاء في مواقع السلطة؟، هؤلاء النائمون كأهل الكهف، كل أفعالهم، ردود فعل قاصرة عاجزة كسيحة لا تتمكن من الوقاية والتنبؤ بالخطر، حصر المشكلة ومشاركة الناس في همومهم، بل وإشراكهم في المصيبة العامة بأخذ أدوار محددة باللقاءات غير الرسمية إسكان كل حي.

إن -المسؤولية الأخلاقية- ما هي إلا مجموع «الأفعال» و«نتائجها» فيما يختفي «أمن المجتمع»، وهي أيضاً ذات علاقة وطيدة بما قد ينجم من أضرار علي الأفراد، والجماعات، أو المجتمع ككل، إنها «ميكانيزم» آلية يمكننا بها محاسبة المسؤول الحقيقي عن زعزعة أركان المجتمع.
إن الذين تسببوا -بشكل مباشر أو غير مباشر- في إيذاء الناس، وفي أبسط الأشكال كان لهم تأثير سلبي علي مجتمعهم ومواطنيهم، وندرج هنا الرشوة والفساد القيمي والمادي، التلوث البيئي، الحرائق، كوارث القطارات، عبارة الموت، سرقة المال العام، إفساد الذوق، الواسطة والمحسوبية وعدم تكافؤ الفرص، والفساد السياسي بجميع صوره وألوانه.. المسؤولية الأخلاقية لنا تنبع من ديننا وتراثنا وموروثاتنا، فلسفاتنا ومعتقداتنا، والمسؤولية الأخلاقية تصب هنا بالطبع وصميم تكويننا الثقافي والإنساني والحياتي، وفي مستوي معيشة الناس سواء كانوا أثرياء أم فقراء، فكلهم يعيش في وطن واحد ملوث الهواء والماء، وينتشر في أرجائه أطفال الشوارع مما يؤثر سلباً علي الروح المعنوية، الأداء، الإنتاج وما يسمي بالوعي الجمعي لجميع أفراد الشعب (وعي، هو الآن، مهزوم، منكسر، مصدوم، عاجز، منهك ويائس إلي حد كبير علي الرغم من كل محاولات مقاومة ذلك بجميع الصور).
نتمني أن يزور السيد الوزير المبجل (التوربيني ورفاقه) في السجن، أو أن نسمح للتوربيني بزيارة مفاجئة لمجلس الوزراء ليشارك في أحد اجتماعاته (وليكن هذا قبل تنظيفه بالبيروسول، المبيد الحشري، وتعطيره بمعطر الجو) كما حدث أثناء استجواب فريق النيابة للتوربيني.

إن ثمة خللاً واضحاً وسقطة شنيعة بين خروج (رمضان) من مدرسة التربية الفكرية وبين اكتشاف الجرائم التسع، هؤلاء الأولاد يلعبون بالنيابة وبأجهزة الأمن لعباً، يتحدثون عن معلومات مفصلة عن أماكن دفن الجثث ما بين شبرا الخيمة ومطروح، بل لقد بلغ التبجح والاستهانة والاستهتار، إلي التحدي العلني، فها هو (بزازة) يرفض اتهام (التوربيني) بأنه قاتل الضحايا (نعم، لا يجوز لأي أحد أن يأخذ منه ذلك الشرف).

تدلنا آخر أرقام الهيئة العامة لحماية الطفل، أن أطفال الشوارع في تزايد مستمر، مما يجعلهم حقلاً خصباً لتصاعد السلوك الإجرامي في المجتمع المصري (الأهرام ٦ ديسمبر ٢٠٠٠)، كما تشير الأبحاث الصادرة من جامعة القاهرة إلي أن ٩٨% من هؤلاء الأطفال بلا أحذية، ويسيرون في الشوارع حفاة الأقدام، وأن ٩٦% منهم يمارسون التسكع والعنف وإيذاء خلق الله والتسول.. وأن ٩٤% منهم ينامون الليل أسفل الكباري والحدائق العامة وعلي شاطئ النيل، وفي الأماكن المهجورة لا فرق بين ذكر وأنثي! أما خبراء المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية فلقد كشفوا في دراستهم عن أن الغالبية العظمي من هؤلاء المشردين من الذكور بنسبة ٩٢%.. بينما لا تتجاوز نسبة الإناث ٨%. «نفس المصدر السابق».

وكذلك فإن أرقام وإحصائيات الإدارة العامة للدفاع الاجتماعي التي تؤكد زيادة حجم الجنح التي يتعرض فيها أطفال الشوارع إلي انتهاك القانون.. حيث سجلت جرائمهم في السرقة نسبة ٥٦%، والتعرض للتشرد بنسبة ٥،١٦% والتسول بنسبة ٩،١٣% والعنف بنسبة ٢،٥%، والجنوح بنسبة ٩،٢%، ولقد وضعت دراسة للأمم المتحدة يدها علي الخطر الأكبر الذي يواجهه أطفال الشوارع في مصر.. حيث إنهم يواجهون في حياتهم اليومية العنف من مجموعات الأطفال الآخرين، أو العنف من المجتمع المحيط بهم الذي يرفض وجودهم أصلاً.
إذن أين استراتيجية مواجهة ظاهرة أطفال الشوارع.. نحن فعلاً في حاجة إلي استقبال وإيواء ورعاية وفصول للتعليم وعيادات متنقلة، بجانب الرعاية الاجتماعية والنفسية، أين هذه الاستراتيجيات؟ متي وضعت؟ وماذا تحقق منها؟ ولماذا لا ندعو المسؤولين لمشاركة الأمن والقوات المسلحة في الإيواء ولو مؤقتاً في أماكن تجمع لها صفة إنسانية وليحضر ونفحص ونؤهل ونعالج، دعونا نفعل شيئاً واحداً كاملاً؟.

هل لنا أن نركز علي قدراتنا، لا علي نواقصنا، أن تستغل كل تلك القدرات حتي آخر رمق فيها دون كلل أو ملل أو تعب فالأمر جلل ولا نحتاج إلي تهوين أو تكاسل.

.. نحتاج إلي تقييم يهدف إلي خلق صياغة جديدة للمشكلات التي نعانيها كأفراد، كمحافظات، كطبقات، كشرائح، كفئات وككل كمجتمع، من أجل خلق صياغة جديدة، فلا يجوز أن تختصر مصيبتنا الحالية مع التوربيني وعصابته في كلمتي «أطفال الشوارع» لأن الأمر يطال ذوي الاحتياجات الخاصة القاصرين عقلياً، المرض العقلي، الإمكانيات المتاحة، التدريب الحقيقي، الجريمة، الكوادر التي تتعامل معها بدءاً من الشرطي والمندوب حتي اللواء بدءا من وكيل النيابة وحتي القاضي.

.. بمعني آخر نريد أن «نفهم» لا أن نصرخ أو نبكي أو نندب ونتحسر ونولول ونقطع هدومنا، أن نقرر ما الذي سيفيد؟ وأين؟ وكيف؟ أن نفحص العوامل المختلفة التي تلعب دوراً في كل ما يحدث الآن، ما حدث في الماضي وما يمكن أن يحدث مستقبلاً.

.. لايمكن أن نكتفي بالقوالب الجاهزة الجامدة بل لنا أن نصيغ «مسحاً جغرافياً اجتماعياً نفسياً يضعه علماؤنا وأطباؤنا بعيداً عن الاستعجال والعشوائية، بأن تكون هناك استبيانات للناس في أماكنهم «هم عايزين إيه؟ وبيشتكوا من إيه؟ ومبسوطين من إيه؟» وأن تكون الأسئلة مباشرة ميسرة تقوم بها فرق من الشباب من بيت إلي بيت «علي نمط العداد الذي يُعْد التعداد من أجل حب مصر»، وأن تكون تلك الاستكشافات صادقة ويعتمد عليها ولها ظهرها العلمي الصلب.

.. أن نتحري الثبات والمصداقية، فهي أمور هامة جداً، لأن العلاج والحل سيتحدد علي ضوئها، وسنتمكن من خلالها من تحديد مستقبل حياتنا، وتحمينا من المفاجآت القاتلة والمحزنة والمثيرة للفزع والإحساس القاسي بعدم الأمان.

 

 

 

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *