سواق بروفيشنال

سواق بروفيشنال

الأحد 6-01-2013

 

المصرى اليوم ـ  العدد ٣١٢٩|الاحد   ٦   يناير   ٢٠١٣

 

شاب مصرى فرعونى الملامح أسمر البشرة، حلم عشية سفره إلى أمريكا، بأن الثوار يحاصرون بيته ويقذفونه بالحجارة وقنابل المولوتوف، وكذلك كتبوا بالجرافيتى عبارات قاسية ورسموا على جدران بيته رسوماً معادية له ولعائلته.

ولما كان الشاب ذا الثلاثة وعشرين سنة يتابع سرده من على شيزلونج التحليل النفسى قال إن جلّ ما يخشاه لدى إقامته فى أمريكا، أن يتعرض لأذى، وهو ضئيل الجسم من الأمريكان ضخام الجسد.

كان الشاب لتوه قد أنهى خدمته العسكرية دون انتظام فى الجيش؛ لأن والده اللواء قد يسّر عليه الأمور خلال سنة قضاها فى دراسة الفلسفة والتوغل فى تحليل النفس، والعلاج مما قد يكون شابه فى صباه وطفولته من أعراض أثرت إلى حد ما على بناء شخصيته.

إن لهذا الحلم دلالة عميقة فالموقف الخائف الاضطهادى (البارانوى) على مستوى الشعور لديه من ذلك «العدو الأمريكانى» الذى سيلجأ إليه مهاجراً يتهدده علناً، أما ضمناً فهو قد نقل المعتدى من ذلك الضخم الأمريكى إلى الثائر المصرى، فاستعار عقله الباطن صورة الثوار هذا من ناحية، من ناحية أخرى فلقد استعار «الضمنى» فى باطن تفكيره حصار الثوار لقصر الاتحادية ورسمهم على جدرانه والكتابة عليه بالجرافيتى، فهكذا فعل الثوار وهكذا هاجمهم المؤيدون بالمولوتوف والحجارة وهكذا ردّوا عليهم، هكذا كان رئيس الدولة، فما بالك أنا بجسمى الصغير سأكون قابلا للهجوم من أى جهة، ستحاصرنى المخاوف من هنا وهناك. هناك منظور مؤسسي، مسألة تتعلق بالنظام تحديداً الـSystem، الفرد والنظام، لكل منهما سمات وعلى كل منهما مسؤوليات يتحملها فى الخروقات التى تضعف مصر، والتى لو توازت لتسببت فى انهيار النظام، ولو تفشت لأدّت إلى ضعف البنية، وكما للعامل الشخصى وللعامل المؤسساتى أسبابهما، فى حدوث الخلل الموحى بكارثة فإن لكل منهما مقوماته وفلسفته ومسؤولياته فى التعامل مع الأزمة.

ولكى نفهم لابد أن نفهم الفارق بين الشخصى والمؤسسى، وكيف يؤثر كل منهما فى الآخر، ومانراه من الرئيس مرسى تراجعاً عن قرارات أصدرها هو اختبارات لرئيس جديد وبالونات وجس نبض لشارع لا يعرفه مهما ادعى عكس ذلك، ولعل ما يربط الرئيس مرسى كابن بار لجماعة الإخوان المسلمين هو نفسه يغذى صورة الرئيس لدى العامة سلباً وإيجاباً وصورة الجماعة كما يتصورها الناس فى عمومهم وخصوصهم على أنها مهولة فى حين أنها ليست بالفعل ذلك كما حددها هيكل بأنها مسألة (خداع بصرى) وعله يقصد (إدراك نفسى) لحجم خصمك أو حاكمك أو أنها تلك الصورة التى يريدها ويبيعها للناس.

فى كل من الحالتين: الشخصى والمؤسسى فإن (الخطأ الإنسانى) موجود، فى الحالة الشخصية تمثل عيوب الشخصية وأداؤها السياسى المسؤول حجر زاوية، لنا أن نلوم الرئيس نسأله ونحاسبه عن كل قرار وعن كل عدم قرار فى الوقت المناسب، لعدم الانتباه وعدم الاهتمام وعدم الإنصات لفكرة أومشورة، بالنسبة للوضع المؤسسى الذى نعمل كلنا فى إطاره وننخرط فى وجوده، دفاعاته، واستعداداته، وإمكانياته لدرء الخطر وتصحيح الخطأ، ولنا فى النكتة الشعبية التى تحكى عن سواق ميكروباص يذرع الطريق يمنةً ويسرة دون أى اعتبار، يسير بسرعة مخترقـاً الإشارة الحمراء، يتوقف فى الإشارة الخضراء، وعندما سأله الركاب لمَ تقف والإشارة خضراء؟ أجاب وهو مرتاح النفس والضمير: تفادياً لسواق (بروفيشنال) آخر ربما اخترق الشارع دون هوادة!!

المعنى واضح أن الفوضى تعم واتباع تجاهل الآخر وتهميشه خوفـاً منه، يجرنا إلى ارتكاب خطأ أكثر فداحة، إن الدولة الناجحة اقتصادياً والخارجة لتوها من هوة الفساد مثل البرازيل تتعرف على اختلافات البشر وعلى قدراتهم، دولة لها صرامتها وعنفها تجاه اللصوص والمفسدين، دولة تركز على الخبرات التى تصحح الخطأ بتفاديه قبل وقوعه وتلافى أسبابه. إنهم مشغولون بكل شىء عدا الخطب والتصريحات والكلام، هم مشغولون بالحاضر والمستقبل، باحتمال الفشل، هم ينجحون لأنهم تعلموا معنى السقوط، هكذا يكون الزعماء وهكذا تكون الدول حقيقية، مخلصة، جادة منتجة مخططة وليست سواق بروفيشنال.

 

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *