المصريون محبطون

المصريون محبطون

الأحد 4-05-2014

 

النص الأصلي الكامل لحوار أحمد أبوهميلة مع الدكتور خليل فاضل

المصريون مُحبَطون

دكتور خليل فاضل استشاري الطب النفسى: المزاج العام للمصريين محبط بسبب عدم فهم ما يحدث الح

المترددة على العيادة زادت بعد الثورة بنسبة 80%  فى الثلاث سنوات الماضية انكشف عنا غطاء البالوعة الذى كان يحرسه مبارك فانطلقت الصراصير والفئران والمياه الفاسدة الاقتصاد الموازى يقترب من 400 مليار جنيه على الأرض فى العشوائيات الترامادول منتشر ووصل إلى ستات البيوت الإعلام فى مصر غث.. ويلعب دورا فى تعميق إحساس المواطنين بالاضطهاد شخصية السيسى غامضة، وأرى أنه سيعانى مفسيا لفترة بسبب تركه للمؤسسة العسكرية على الرئيس القادم أن يحقق استقرارا حقيقيا من الجذور وليس استقرار مبارك الصورى

أكد الدكتور خليل فاضل، استشارى الطب النفسى، أن المزاج العام للمصريين هو مزاج محبط، منزعج، بسبب عدم فهم ما يحدث، مؤكدا أن الحالات المترددة على العيادة زادت بعد الثورة بنسبة حوالى 80%، وأرجع ذلك إلى أنه فى الثلاث سنوات الماضية انكشف عنا غطاء البالوعة الذى كان يحرسه مبارك، مشيرا إلى أنه من تداعيات ذلك اجتماعيا أن الاقتصاد الموازى يقترب من 400 مليار جنيه على الأرض فى العشوائيات، محذرا من أن الإعلام يلعب دورا فى تعميق إحساس المواطنين بالاضطهاد، مشددا على أهمية دور صلة الرحم والتواصل الإنسانى فى تحقيق الاستقرار الأسرى، مؤكدا على أن شخصية السيسى غامضة، ويرى أنه سيعانى مفسيا لفترة بسبب تركه للمؤسسة العسكرية فالرجل يقدم نفسه فى فترة انتقالية شديدة الصعوبة وتستعصى على أكثر الناس حكمة، داعيا الرئيس القادم إلى تحقيق استقرار حقيقي من الجذور وليس استقرار مبارك الصورى

من خلال عيادتك تتعرف على مختلف شرائح المجتمع المصرى، كيف يمكن أن تصف المزاج العام للمصريين؟

بالفعل أنا أرى نماذج لكل الناس إخوان وسلفيين ويساريين وأبناء الطبقة الوسطى بكل شرائحها، وناس عاديين، ناس شاركوا فى أحداث محمد محمود وفى الثورة، وكأن مصر فى عينة مصغرة منها بكافة أطيافها تفضفض وتبوح، وأنا أفضل كلمة الناس عن كلمة الشعب، لأنها أصبحت كلمة تعبوية. نستطيع أن نقول أن الناس فى هذا الوطن مثل لوحة الفسيفساء، فيها عناصر متمازجة وأخرى متنافرة، والمزاج العام للناس فى مصر هو مزاج محبط، منزعج، متألم، غاضب، بسبب عدم فهم ما يحدث وعدم القدرة على التعامل معه، سواء بين من يؤيدون هذا أو ذاك، أو هؤلاء الذين قد حزنوا لفقدان سلطان، وينعكس هذا فى مجموعة أعراض مثل الإحساس بالجرى فى المكان، الإحساس بالغثيان، مقاطعة الإعلام، مقاطعة الموبايل أحياناً، عدم القدرة على التفاعل مع الآخرين، الزهد فى الملابس الملونة، فى المقابل توجد ناس ولا كأنها تعيش فى العالم الذى نعيش فيه، وهم المغيبون عن الواقع أو المتعاطون للمخدرات أو اللاهون فى الجنس، ولكن المزاج العام حتى لهؤلاء، هو مزاج غير آمن

هل زادت الحالات المترددة على العيادة بعد الثورة، وما أبرز ما لفت انتباهك منها؟

الحالات فى العيادة زادت بعد الثورة بنسبة حوالى 80% بعد أن انتبه الكثير لضرورة أن يذهبون لطبيب نفسى بحثاً عن علاج، ومن القصص الجيدة، أن حالات كانت تعانى من وسواس قهرى شديد، وبالمشاركة فى الثورة شفيت، وألقت بالدواء، وترقت فى العمل حتى وصلت لدرجة مدير، فمن يثور لا يكتئب، لكن هناك حالات أصيبت بإحباط شديد بعد الثورة، على سبيل المثال يوجد قاضى سرقت سيارته، وعندما ذهب للشرطة، قالوا له تفاوض أنت مع السارقين، فعز عليه أن يكون قاضيا ويتفاوض مع بلطجية، فأوكل من يتفاوض معهم، وبالفعل جاء له بالسيارة، وهذه القصة تمثل 3 نماذج، حرامى يمثل دور الشريف، ويتوسط ليأتى بالسيارة بشرط أخذ مبلغ من المال، وقاضى يرى العدل ينهار أمامه، وشرطى مهمته فرض الأمن وإذا به يتقاعص عن عمله، ولص يستمتع بالمال الحرام، وهى قصة لنماذج لحالات تشكل فسيفساء المجتمع. وأقسى هذا البوح على نفسى ما قاله شاب مهندس، أنا متألم جدا، كيف يقتل شخص شخصاً آخر لا يعرفه؟! ورسمة رسمتها طفلة لوجه بعين واحدة مفتوحة تعكس فيها الصراع الأسرى والاجتماعى الذى تعيشه.

ولماذا فى رأيك زادت هذه الحالات؟

لأن فى الثلاث سنوات الماضية انكشف عنا غطاء البالوعة الذى كان يحرسه مبارك، فانطلقت الصراصير والفئران والمياه الفاسدة، ومن مظاهر انعكاس ذلك على المجتمع أنه فى إحدى الصالونات الثقافية التى أقمتها مثلا، تم عرض دراسة أجراها البنك الدولى، قالت أن الاقتصاد الموازى أو الاقتصاد السرى أو اقتصاد الكاش، يقترب من 400 مليار جنيه على الأرض فى العشوائيات، أتاوات وتجارة فى الجنس والمخدرات والسلاح، ولا يمكن للدولة أن تحصر هذا النشاط، فى تركيا، مثلا تم تقنين هذه الأنشطة العشوائية، ودخلت ضمن الاقتصاد، ولكن عندنا لم يحدث شىء، ناهيك عن أن الطبقة الوسطى فى بلدنا تفككت، فمنها من تدهور به الحال إلى الطبقات الفقيرة، ومنها من اختار أن يصعد بالرشوة مستغلا للانفلات الحاصل.

إذاً هل يمكن القول إن الفساد وصل إلى ضمائر الناس؟

نعم، وأقول دائما أن إفساد الروح أقوى بكثير من إفساد الزمة، لأن لو فسدت روح المواطن سيفعل كل شىء بقلب ميت، وهذا ما كان يحدث أيام مبارك، وقد أصبحت كل أمورنا فاسدة وسيئة السمعة، أضرب لك مثلاً بعض المرضى عندى يتعاطى الحشيش، يا أخى حتى هذا الحشيش رديئا جدا، وغير صالح للاستخدام، وهذا فساد حتى فى المخدر، وترامادول مغشوش يصيب بالسرطان، ودعنى أصارحك أنه وصل إلى ستات البيوت، إلى الموظفات فى أماكن حكومية، وصل إلى رؤساء أقسام، يبدأ بربع حبة وينتهى بعشر حبات، أضف إلى ذلك، ما أحدثته هذه الحالة من اضطراب الشخصية بين الإنسان وذاته والآخرين، فقد أصبحت المادة بكل أشكالها عاملا قويا فى تدمير علاقة، الناس ببعضها، وتجد مديرى العمل يتحرشون بالموظفات فى العمل إما مباشرة أو مساومة على ترقية.

وما تفسيرك لهذا؟

هى حالة الهروب من الواقع إلى الخيال، وهى تشمل أيضا ثقافة أوكا وأورتيجا وهاتى بوسة يا بت، وهذه لا يسمعها سكان الأحياء العشوائية فقط بل يسمعها سكان الأحياء الراقية، فأبناء الطبقات العليا وأبناء الطبقة الدنيا يتشاركون فى صفات مشتركة بما فيها الانحلال الأخلاقى والفساد الجنسى والتعامل مع المخدرات بالاتجار فيها وتعاطيها وهذه مثال على العناصر المتشابهة فى لوحة الفسيفساء التى تعكس المجتمع.

وأين ترى دور الإعلام فى المشهد؟

الإعلام فى مصر بكافة أطيافه أنا مقاطعه، أنزعج عندما أشاهده، ويمكن وصفه بأنه إعلام غث، المذيعون يبحثون عن إحداث أكبر رد فعل، وأرى أن كل منهم لديه كبت نفسي داخله يبثه على الشاشة، ففى إحدى قصائدى أقول: طلع الصباح وطالعتنا المذيعة المتوحشة والمذيع الوحيد الردىء فصرخ الطفل الرضيع وملأ القىء المكان! ومع انتشار القنوات المكتظة، بظاهرة الخبراء الاستراتيجيين، والحديث عن نظرية المؤامرة، وتعالى صراخ المذيعات والمذيعين، خلقت حالة عامة فى المجتمع، يمكن أن نسميها الشعور القومى بالاضطهاد، وهو يصيب من يدمنون مشاهدة التليفزيون بالساعات، بنوع من البلاهة ومحدودية الرؤية وسوء الظن، ويجعلهم يعانون من مشاعر اضطهادية، تتمثل فى الارتباك والقلق والخوف والشك والريبة، وأنا أرى أن ثورة الإعلام هى بداية الثورة الحقيقية فى مصر، أننا نحتاج لثورة ثقافية تطيح بالبلاهة والترهل والعقم فى التفكير.

وما تأثير الإحباط على سلوك المواطنين؟

بالنسبة للرؤية النفسية للمحبطين فهى رؤية قاتمة، سببها حالة شديدة من الاكتئاب واللامبالاة، وقد يصاب المريض بأمراض جسدية اسمها جسدية نفسية، مثل القولون العصبى المنتشر بشدة فى مصر، وأعراض مرض القلب الكاذبة، وآلام أسفل الظهر، وسقوط الشعر، ووجع الرقبة والصداع النصفى، أو أنه يعجز عن البصر وهو مبصر بسبب الضغط الشديد ويعود ليرى عندما يتحسن مزاجه، أو أن يحدث له شلل فى إحدى رجليه، أو لا يستطيع الكتابة بيده، وهذه اضطرابات الهيستيريا التحولية، الأعراض الجسدية النفسية، هى أمراض عضوية منشأها نفسى اجتماعى.

انتشرت حالات القتل فى المجتمع، ما تفسيرك لذلك؟ وكيف يمكن علاج من يفقدون عزيزاً نفسياً؟

هنا يأتى البعد السياسى الإحباطى التناحرى الحزين بفقدان ناس موتاً، أصبح فقد الدم رخيصا مع أن الدم كله حرام، ومن أشد التداعيات ما قاله لى أحد المرضى، أنا لا أنزل مظاهرات كى لا أموت، ولكننى عندما أقرر فسأنزل لكى أقتُل، ولدى نموذج لامرأة ليست إخوانية ولكنها تعالج نفسيا بسبب ما شاهدته فى فض اعتصام رابعة، ولأول مرة فى تاريخ مصر أن يحدث فى 3 سنوات متتالية أن يفقدوا فيها العزيز والغالى بهذه الكثافة، فقد أدى هذا إلى أن يعيشوا حالة من الحزن المستمر، والحزن المفاجئ الذى يدمى القلب، يوجد فى علم النفس ما نسميه، الحزن لفقدان عزيز، وهو إذا استمر بعد 3 شهور، يكون حزن مرضى، والمصاب به يكون غير قادر على أن يتغلب على هذه المشكلة ،يحدث له نوع من تنميل الإحساس، والانزعاج الشديد، تذكر الفقيد، يحس فى الأحوال الشديدة أنه يكلمه ويناجيه، يخلط ما بين المنام وبين اليقظة، يحس بوقع خطواته فى الصالة، يكون من الصعب عليه أن يتصور الحياة بدونه، وهذه لها علاج، أن أعمل مع المفتقد، بحيث أن يكون واقعى ،أى لابد أن يعرف أنه مات ،لا يهرب، يتخلص من الملابس، أعرف ناس تحتفظ بها 11 سنة، وكل بيت فقد عزيز وغالى، لا يجب دفع مبلغ من المال فقط ولكن يجب تكوين فرق عمل من الجمعيات الأهلية، وأن يكون هناك نوع من التأهيل النفسى لهذه الأسر، بأن ندمجهم وأن نتشارك الحزن معهم، فقد هرمنا من الحزن ولم يتغير شىء، ومازلنا نهرم.

هل ارتباك سلطة الدولة يؤثر نفسيا على الناس؟

بالتأكيد، فهنا يوجد ما يسمى بالأبعاد السياسية للصحة النفسية، بما يعنى أن سلطة الدولة التى ارتبكت ارتباكاً شديداً بعد الحراك الثورى فى يناير لها حق الإماتة وحق الحياة، الإماتة أن تتركك تموت بالفشل الكلوى وأمراض القلب والتهاب الفيروس الكبدى الوبائى، والحياة أن توفر لك سبل العلاج، كما ذكرت فى كتابى [وجع المصريين] أن المصريين يحملون أشعتهم وتحاليلهم وينتظرون بالساعات فى المستشفيات، فى انتظار رحمة أن يأتى دورهم فى الكشف، والذى يزيد الأمر سوءاً الفقر والجهل، فالقادرون يستطيعون الحصول على العلاج، أما غير القادرين فيصابون بحالة تسمى باللامبالاة، ويبحثون عن ما ينسيهم الجحيم الذى يعيشونه

ما مدى تماسك الأسرة المصرية فى ظل كل هذه الأحداث؟

الأسرة المصرية من أجمل الأسر فى العالم، ولكن الحياة العصرية أثرت عليها سلباً، كل أم تريد ابنها يكون الأول فى الدراسة، والبطل فى التدريبات، فتجد الأبناء يخرجون من التدريب إلى الدروس الخصوصية إلى المذاكرة، ولا وقت للعب أو للحوار أو لممارسة الأبوية، فيصبح الأب أب [الكاش ماشين]، وتصبح التربية تربية الخمسة دقائق، الابن أصبح مدمن اللعب على كاندى كراش، والبنت على الموبايل تكلم أصحابها أو حبيبها، والأم فى المطبخ تعد الطعام، والأب جالس على كرسى فى الصالة أمام القنوات الفضائية، عنده مرض اسمه مرض الريموت سيندروم، وهذا تفكك يؤثر على الأسرة، وقد يؤدى أحياناً إلى الطلاق.

وما سبب ارتفاع نسبة الطلاق هذه الأيام فى رأيك؟

تأتى لى فى العيادة زوجة خرجت عن طورها، وفقدت أعصابها، ولم تعد هى، أصيبت بمرض اسمه الهوس، فتتكلم كلام جارح وغاضب، وعلى غير طبيعتها، وعندما أبحث فى الأسباب الاجتماعية، أجد أن زوجها هو السبب، وهى ترد له ما يفعله بها، وقالت: يا دكتور إنه يهمشنى، إنه يذلنى، إنه يحقر من شأنى ويحقر من رأيى، وهى نقطة سيئة جدا فى مجتمعنا، ويوجد مصطلح بالإنجليزية اسمه [الرجل الذكر الخنزير]، والذى يعطى لنفسه الحق فى أن يهين امرأته، ويتناسى أنها رفيقة دربه وشريكته، وإذا كانت سيئة الاختيارات فهو نفسه كان أهم اختياراتها، الرجل الشرقى عموما رجل مسيطر، وأم الزوج تربيه على أنه [سيد الرجالة]، مازالت روح [سى السيد] مسيطرة فى المجتمع. وانتشرت فى جيل الثلاثينات ظاهرة الانصراف عن البيت، أن يترك زوجته وأولاده ويذهب للمقهى، ويرجع البيت ينام، والأخطر يذهب يسافر الساحل الشمالى أو شرم الشيخ مع أصدقائه بعيداً عن بيته، وكأنه يعشق حياة العزوبية، ولكن فى المقابل أيضاً، أجد فتيات طلقن فى سن صغيرة بسبب أنها كانت مسيطرة وقوية بشكل مخيف.

وكيف يمكن أن نضمن زواجاً ناجحاً؟

الزواج مسئولية وتواصل إنسانى، وقدرة على تحمل المسئولية، وتكامل، وقدرة على التعامل وامتصاص الغضب وقت اللزوم، قدرة على التفاهم على مختلف الأمور، مثل الإنفاق وقضاء وقت الفراغ، وتحقيق السعادة الأسرية التى افتقدناها فى العصر الحديث بسبب التكنولوجيا، فهى تواصل إنسانى، باللمس بالدفء بالنظر فى العينين بعدم استخدام الألفاظ الجارحة، حتى غابت الأمور البسيطة التى كان يفعلها الأب، مثل أن يأخذ ابنه إلى المسجد فى صلاة الجمعة، أو إلى الكنيسة فى يوم الأحد، ففى أسرتى مثلا ممكن أن ألتقى مع أولادى لنشاهد برنامج معين مع بعض، أو نذهب يوم الجمعة إلى السينما، أو نشرب القهوة فى أحد الكافيهات، أن نخرج عن المألوف، فصلة الرحم لها دور مهم فى تحقيق الاستقرار الأسرى.

الكل يبحث عن السعادة، ما السبيل للوصول إليها؟

الدستور الأمريكى هو الدستور الوحيد فى العالم الذى يتضمن مادة عن حق المواطن الأمريكى فى السعادة، والمصريين من السهل جدا أن يسعدوا، فلو لاحظت فى الأعياد والأفراح كيف يضحكون ويمرحون ويغنون، تجدهم يحبون الحياة، السعادة أن تفعل الحاجة التى تحبها، عندما مثلاً يكون شاباً متخرجاً من كلية هندسة قسم بترول، ويعمل فى كول سينتر، ولكن يبحث عن السعادة فيما يفعله، حتى لو لم يكن يحبه، هو يحقق ذاته، أن يبحث عن السعادة، بالخروج من دائرة اختناق المرور، بأنه وهو سائق يشغل موسيقى، فالسعادة مفهومها أن تكون قادر على الاستمتاع بأى شىء وكل شىء، وهناك فرق بين الطموح وبين الطمع، أى أن تكون قدراتك المادية محدودة، وتقول أنا سعادتى فى أن أسافر باريس، أو أن تكون من الذين يكنزون المال ولا تستمتع به، كأن تشترى به كتب، أو تسافر به حول العالم، ولولم يكن معك مال، أن تحرم نفسك من الهواء الطلق، أو المشى، من أكلة حلوة تحبها، من صحبة حلوة، من وقفة على النيل، من علاقة إنسانية جادة، لا يدفن الإنسان نفسه وراء الشاشة، لأن السعادة أفسدها الإنترنت والفيس بوك وبمختلف وسائل التكنولوجيا الحديثة، لكن أن يقابل الشخص الناس بكافة أشكالهم، لحم ودم وأعصاب، ويحبهم ويحبونه، ويشعر بالدفء الإنسانى، فالسعادة تعنى أن تحب نفسك، أن تحضن نفسك، تدفئ نفسك، بالعربى أن [تدلع نفسك]، الأنانية الصحية، وهكذا تستطيع أن تحب الآخرين، ويظهر هذا بوضوح فى رواية قواعد العشق الأربعون ، وهذه الرواية عظيمة جداً، لأنها تتكلم عن قواعد كيف أن يكون الإنسان فى تناغم مع نفسه ومع الآخرين ومع الخالق.

 

عرضت أحداث الثورة وتداعياتها فى رواية الصفارة، كيف تناولت هذه القضية؟

رواية الصفارة مستوحاة ممن أقابلهم من مرضى وغيرهم، ومنهم الولد الذى كتبت عنه الرواية [الصفارة]، وأردت من خلالها توصيل أنه لم يعد هناك معنى ولا يوجد رمز، فميدان التحرير، بمكانته وقيمته وتوسطه القاهرة، أن تبنى فيه جراج متعدد الطوابق، وأن تعمل له مداخل إلكترونية، أنت بذلك تنهيه من الذاكرة، وهى تتحدث عن شاب مصرى يستيقظ صباح 11 فبراير على صوت صفارة، وهى رمز ينبه لشىء خطر سيحدث، ويقرر أن ينزل، وخصصت فصلاً لمذبحة بورسعيد، وتناولت فيها النموذج الإسلامى، إلى جانب اسقاطات كثيرة على الواقع المرير الذى نعيشه، وتم ترجمتها للغة الإنجليزية، ولكنها ظلمت فى مصر، ولم يكتب عنها أحد.

كيف ترى سيكولوجية المصريين فى فترة إقبال على الانتخابات الرئاسية؟

سيكولوجية الناس حالياً، زهق وانزعاج، وما رأيته من بعض الشباب أنه منصرف، لأنه فى خلال الثلاث سنوات الماضية كانت سلسلة الإحباطات شديدة، ويمكن القول أن مجمل الناس فى أرض مصر مترقبون، وقد رأيت من الإخوان من يقول ممكن ننتخب السيسى لكى يكون رئيس، ليخرج خارج البدلة العسكرية، وهذا هو دليل على روح الترقب والانزعاج التى يعيشها قطاع كبير من الناس.

ما قراءتك لخطاب السيسى، وما رؤيتك لشخصيته فى هذا الخطاب؟

من خلال ما رأيته من الخطاب وقراءتى لنصه، أنه رجل غامض، وغموضه جزء من شخصيته كرجل مخابرات عسكرية سابق، أعتقد أنه كانت لديه غصتان، غصة أنه سيترك المؤسسة العسكرية، بما لها من ثقافة منظمة منضبطة، تسيطر نفسياً على كل من فيها، عندما يخرج خارجها حتى لو سيكون رئيساً، وأرى أنه سيظل فترة يعانى نفسياً، بسبب ما نسميه فى علم النفس بالانفصال عن الأم، أى عن الزى والمؤسسة، والغصة الثانية، القلق من أنه مقبل على شىء مجهول، فرئاسة مصر لم تعد رفاهية أو ترفاً، وكان أسلوبه فى الحديث مختلفاً عن الخطابات السابقة، فقد تدرب على الإلقاء، وتمت كتابة الخطاب بشكل جيد، ولاحظت أنه يوجد شجر فى الخلفية وهى نقطة أوبامية، عندما ينزل حديقة البيت الأبيض، وهى تعطى إحساس بالطبيعة والتحرر من رسميات المكاتب، ولكن البدلة العسكرية تقتل الخضرة، وهو يعتز جدا بها، ويظهر ذلك فى قوله [أحدثكم فى آخر لقاء لى بكم بالبدلة العسكرية]، هو متحفظ كى لا يعطى إحساس أنه مسلم به، فهو يتحدث كمرشح رئاسى وليس كرئيس، ومحاور الخطاب جيدة جدا، ولكن نتمنى أن يتمكن من تحقيقها، فالرجل يقدم نفسه فى فترة انتقالية شديدة الصعوبة، وقد جاء بعد حدث جلل، وفى إطار دماء كثيرة، وجاؤ بعد صراع أصبح بسببه الوطن منشقاً انشقاقاً ًشديدا جداً، وأصبحت مصر على قدر من الصعوبة بما كان، يستعصى على أكثر الناس حكمة.

وبم توصى الرئيس القادم لكى يحقق الاستقرار واوحدة بين المصريين من جديد؟

يجب أن يسعى لتحقيق استقرار حقيقى من الجذور، وليس استقرار مبارك الصورى، والتوافق ليس مهمة رئيس، وإنما هى مؤسسة رئاسية لا تقتصر على أشخاص، ولكن تشتمل على سياسات، بأن نفصل السياسة والاقتصاد عن الشخص، ولا يكون عاطفياً، فهذا الشعب بعد كل هذه التجارب قد نضج نفسياً، ولا يريد من يرفق به، ولكن يريد من يعامله كمواطنين، وليس كرعايا، فهو لا يرعاه، هو موظف بدرجة رئيس، ويحكم ويدير مؤسسات، وتتم محاسبته ولابد أن تكون لديه إرادة قوية لاقتلاع الفاسد، حتى تدخل الفئران الجحور، وأعجبتنى كلمة قالها كاتب للسيسى [لا تدع الأوساخ يمسحون أيديهم فى أفارولك]، ولابد من تكاتف الشعب معه، فهو لن يستطيع أن يعمل طول ما الناس سيئين، كما يجب عليه أن لا يعد إلا بما سيفعل، فتجربة محمد مرسى مازالت عالقة فى الأذهان، بدءاً من الوعود الرئاسية إلى التحول، فالناس متحفزة، والمصريين لا يمكن التكهن بما سيفعلونه على مر العصور.

 

نشرت أجزاء منه في صحيفة المصري اليوم ـ السبت 26 أبريل 2014

 

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *