طرق العلاج النفسي بدون أدوية، ما هي؟

طرق العلاج النفسي بدون أدوية، ما هي؟

الإثنين 5-05-2014

 

متى وأين تستخدم، وفي أي الحالات؟

هل تأثيرها إيحائي أم أن هناك تغيرات حقيقية كيميائية تحدث في المخ؟
  بقلم د. خليل فاضل

 

المفهوم العام لدى الناس أن العلاج النفسي هو مجرد كلام، حتى أن بعض الأطباء من غير التخصص، يعتقدون بأن كل ذلك مجرد هراء، والمهذبون منهم يظنون أنه إيحاء.

أما أغلب أطباء النفس يعتقدون اعتقادًا راسخًا، أن المرض والاضطراب النفسـي عملية كيميائية بحتة لا تُعالج إلا بالعقاقير النفسية فقط، في حين أثبت البحث العلمي أن مزاوجة الدواء بالعلاج النفسي الحواري مُهمة للغاية، وتؤتي ثمارًا لا يمكن إتيانها بالدواء فقط أو بالحوار فقط. إن تقرير منظمة الصحة العالمية سنة 2002 يقول أن العلاج النفسي بالحوار وبالمواجهة وبالتحليل يصل إلى مراكز في المخ لا يصل إليها الدواء، ونحن مجازًا نقول (العلاج النفسي بالكلام) وحقيقة الأمر إنه يتخطى أبعاد ذلك بكثير، لأن العلاج النفسي عملية متكاملة يكون الكلام جزء منها، وفي أحد المؤتمرات للعلاج النفسي في أمريكا صارح د. ميللر مستمعيه إلى أنه عالج مريضًا لمدة سنة ونصف معظمها كان بالصمت حتمًا من جانبه وأحيانًا ببعض الصمت من جانب المريض. كان د. ميللر يقول (همم…. آآه…)، وكان المريض يحجز الجلسة، يأخذ مترو الأنفاق، يلتزم، يدفع الفيزيتا، ينتظر، يحيي الدكتور المُعالج، يستلقي على الشيزلونج (أريكة فرويد)، ويبوح بذات نفسه. (وهذا غير الفضفضة أو الدردشة، أو أن تحكي لأحد الوالدين أو صديق وأنت جالس على المقهى، وليس بالطبع “طق حنك” أو ” فش خلق”). نعود للدكتور ميللر الذي شفى مريضه نهائيا، وهذا لا يعني اختفاء الأعراض بل أصبح المريض منتجًا سعيدًا مستمتعًا ويعيش حياته بكل جوانحها، وليس فقط لمجرد أنه على قيد الحياة.

استشعر د. ميللر أنه كان ضنينا في القول مع مريضه (لكن هكذا التحليل النفسي والعلاج العميق)، ولكن المريض نفسه أوضح لمعالجه د. ميللر العملية Process التي مر بها في رحلة علاجه، وكيف أن البوح في حضرة خبير وأستاذ متمكن، له أصول وقواعد ونتائج لا يمكن تجاهلها. لقد أثبت البحث العلمي بدراسات معقدة منها أن الفحص بالرنين المغناطيسي للمخ مختلف وجيد ونشط، وكما تتغير كيمياء المخ في حالة مرضى الاكتئاب أو الذين يتعرضون (لكرب ما بعد الصدمة)  PTSD سلبًا، فإن نفس المخ يستجيب وينتبه ويكتسب مرونة ولدونة مع العلاج النفسي العميق ويتفكك الوعي ويُعاد بناؤه. أنا أشبهها بأن المتعالج لديه أوراق لعب (هم وغم واضطرابات ومشاكل وضعف وانحراف ) والمعالج الطبيب لديه أوراق لعب منها (خبرة حياتية وعلم وحنكة وقدرات ). كل الأوراق تكون على الطاولة أمام الاثنين، ويبدأ اللعب فاترًا فيه خوف في البداية ثم يغوص ويتأثر وقد يحدث ألم فظيع ثم انعطافة بسيطة عن الطريق العام ثم العودة الأصيلة لطريق التقدم. لقد علمني أحد مرضاي في احدى جلساته العميقة الطويلة كيف يمكن أن تكون أغنية الممثل أحمد زكي في فيلم النمر الأسود نبراس وهداية طاقة وشعلة، وكيف أن صديق عمره مر على بيته في منتصف الليل ليهديه الأغنية على كاسيت (من بتوع زمان). في وسط الحوار (الديالوج) بيني وبين مريضي الذي كان يرثي والده الذي توفى من زمان وتركه (وكان نفسه أن يكون صاحبه)، وهو يحكي عن واقعة موت أبيه دون انهيار أو بكاء خارجي، لكنه داخليا كان ينكسر كخشب المراكب في خضم عاصفة هوجاء.

هذا هو لب العلاج النفسي، إخراج ما يكتم فلا يُقال، بطريقة معينة، وإخراج الطاقة السلبية التي تشير إلى الوراء. كان المريض يغني وسط جلسته وهو مستلق على الشيزلونج : اتقدم، اتقدم، اتقدم وكفاية خلاص تتندم، للشمس للنور، مش هيعطلنا سور، طول ما الدنيا تدور أنا من الدنيا هتعلم. كان يلوح بقبضة يده وهو نصف نائم بفعل الجو العام وجسده المسترخي على أريكة فرويد والإضاءة الخافتة. كان مشهدًا دراميًا: له تأثير أكبر علاجيًا.

نعود إلى إثباتات العلم الحديث التي استمرت لأكثر من عشرين سنة من فحص نسيج المخ، تدفق الدم فيه، المسارات العصبية، التكوينات الداخلية لمرضى الاكتئاب والتوتر والقلق، واضطراب الشخصية الحدية BPD، وقورنت علاجات مثل: العلاج المعرفي السلوكي CBT والعلاج الحواري الديالكتيكي DBT والعلاج النفسي العميق Psychodynamic psychopath، ووجدت الدراسات أن هناك تفوقًا في نتائج العلاج النفسي بدون دواء مع مزج عقاقير في الحالات الصعبة في بدايتها، لكن في كل أحوال العلاج النفسي وُجدت تغيرات حيوية ملحوظة ومستمرة. كثيرًا ما يقولون ليس نوع العلاج هو الذي يهم لكن من يقوم به (المعالج – الدكتور)، لأن خصائصه الشخصية وبناءه النفسي ضروري كذلك، لا يدركه من لم يتلقى تحليل نفسي وإشراف من خبير يكبره في السن قبل أن يُقدم على علاج اليأس، مما قد يؤدي إلى نتائج مدمرة للمريض، وكما قال أحد المعالجين الذين يمتكلون الصراحة الكافية لأحد مرضاه (لن أتمكن من علاجك نفسيًا بالحوار لإني لا أريد أن أعبث بمخك، لا أريد الغوص في عقلك الباطن). كانت أمانة واعتراف وصراحة نادرة، مشي بعدها المريض وتوجه إلى معالج آخر.

من أكثر العلاجات المثيرة للجدل هي علاج اضطراب كرب ما بعد الصدمة PTSD، نتيجة مشاهدة أهوال الحروب أو الشوارع مثلما يحدث في مصر الآن، أو التعرض للاغتصاب أو الانتهاك أو حتى الإحراج والسخرية أو مشاهدة عنف متلفز وما إليه. نبهت منظمة الصحة العالمية WHO في 2013 إلى أن الأطباء النفسيين في العالم تعودوا على وصف المهدئات وإهمال العلاج النفسي بالطمأنة والتحليل، وقالت WHO أن بعض العقاقير يتعود عليها المصاب وقد يدمنها، كما أنها تعطل عملية الشفاء.

كتبت إحداهن على لوحة صفحتها على الفيس بوك (الصراع اللي بين العقل والقلب حاجة بنت كلب). جعلت هذه المقولة شعارها. القلب هنا كما يقصده معظم الناس هو النفس، وهي تقصد فيما تقصد أنها إذا تركت العنان لنفسها لقلبها، لعواطفها، لاشتهاءاتها دون أي ضابط أو راسط من العقل (الأنا العليا، الأخلاق، الضمير) في مواجهة الهوى (اللذة الحالية) يكاد الأمر صعبا جدًا في مجتمع (ابن كلب) كما هي وصفته من خلال وصف الصراع بين العقل والقلب. في مقابلة أخرى مع رجل في السادسة والسبعين من عمره يعشق ويحب ويعيش على ذكرى البرازيلية ذات الجسد النحاسي الذي يشع ضوءًا شمسيًا دافئًا قاتلًا، والتركية ذات الوجه الأبيض والشعر الأسود المجعد التي تملأ القلب نورًا وضياءًا، وزوجته التي تدقق في حركاته وتحركاته، ترصدها وتلف حول عنقه حبلًا من الالتزام الزواجي المفروض بالأمر. أحب هذا الرجل امراة التقاها صدفة. كانت تصغره بحوالي عشرين عاما، ولما كانت متزوجة أخبرته أنه من المستحيل أن يتزوجا، كما أنها لا تسمح لنفسها بإقامة علاقة خارج إطار الزواج. هنا سألها العاشق الكهل: ترى أين هي المقابر التي تضم رفات أبيك؟، فغرت سوزان الدهشة وقالت لماذا؟ فأجاب الرجل بسرعة، بما أنه لا يمكنني الاقتران بك في الحياة الدنيا، إذن فلأطلب يدك من أبيك حتى نتمكن من الزواج في الآخرة. لم تضحك سوزان، ولم ينصرف العاشق لكنه تمتم لنفسه (القلب يعشق، والعقل قواد). كان يقصد في إشارة واضحة، وكأنه يرد على صاحبة الفيس بوك، أن من حق القلب أن يعشق في جنون وأن يقول ما يشاء ويكون ما يشاء ويهذي ويلجمه العقل (يقوده)، وكأنه القواد الأكبر يقود المومس الفاضلة، ولنتصورها وردة الصحراء، في الرواية العبقرية (قواعد العشق الأربعون) لإيليف شافاق، (إن الإيمان لدى مثل بستان فيه ورود مخفية طفت فيه ذات يوم، استنشق الروائح العطرة، لكن لم يك بإمكاني دخوله أريد أن يعود الله صديقي كما كان ذات مرة، وبهذا الشوق أدور حول الحديقة، أبحث عن مدخل، لعلي أجد بوابة تمكنني من الدخول)، وهكذا يبحث العاشق العجوز عن وردة، ويصور له عقله الزواج بمن يحبها حبًا مستحيلًا في الآخرة، إنها حيل النفس الدفاعية.

نعود إلى سبل العلاج النفسي بدون دواء، هو تفاعل علاجي بين معالج ومتعالج يتفقان فيه على ذلك مُقابل ثمن يدفعه المريض، ترصد بعض الدرايات، ومن واقع عملي في المملكة المتحدة حيث إمكانية العلاج النفسي المجاني تحت غطاء التأمين الصحي العام، أن أغلب من لا يدفعون ثمنا من (عرقهم) لقاء تحررهم النفسي من أعراضهم والتميز في مجال عملهم والاستمتاع بحياتهم لا يتقدمون قيد أنملة، فالمصري يقول (أبو بلاش بلاش منه، لأنه يحس باللاقيمة في العملية كلها). العلاج يكون فرديًا، أو لاثنين (زوجين) أو أم وابنها ( منتشرة جدًا حالات الصراع الأسري في المنطقة العربية)، أو زوجين أو مشروع زوجين أو علاج أسري (لكامل أفراد الأسرة) أو لمجموعة من الناس (العلاج الجمعي، السيكودراما).

في كل الأحوال لابد أن يكون المريض أو المتعالج ذا ذهنية سيكولوجية (بمعنى أنه يتمكن من فهم عملية البوح وفهم وتفسير أمور حياته على نحو نفسي)، فمن غير المعقول أن يحاور المعالج مريضه وهو يعاني من مرض عضوي شديد أو فقر ثقافة أو قلة ذكاء مثلا، وعادةً فإن المرضى الصغار السن الجذابين الأذكياء الغير مرتبطين أسهل في علاجهم ويؤتون ثمارًا سريعةً، ومن خبرتي في هذا المجال وجدت أن مزج العلاج بالسيكودراما مع العلاج الفردي (وجها لوجه) يحرق مراحل ويكشف أعماق ويتطرق لمشكلات تعصي على العلاج الفردي فقط. تختلف المشكلات في درجة تعقدها، تشابكها، التصاقها ببنية الشخص، وارتباطها بالبيئة المحيطة (البيئة المعادية للعلاج تهدم وتدمر فرص الشفاء). إن حلول المشاكل وفرص التطور وتحقيق الذات تعتمد على أمور شتى، لذلك وجب أخذ تاريخ مفصل للحالة، للإنسان، للمشكلة، للبيئة، ماذا يسمع، ماذا يهوي، كيف يعيش، ما الذي يحلم به في يقظته.

 

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *