مقالاتي في الصحف المصريه

دكتور خليل فاضل يحذر من نظريات «جراب الحاوي»

دكتور خليل فاضل يحذر من نظريات «جراب الحاوي»

الإثنين 18-12-2006

دكتور خليل فاضل يحذر من نظريات «جراب الحاوي» علي أطفال الشوارع: حاكموا وزير التضامن قبل محاكمة التوربيني وإخوانه 

المصري اليوم ١٨/ ١٢/ ٢٠٠٦
هل نحتاج إلي صدمات متكررة عالية الشحنة من «التوربيني» و«بوؤه» أو «بوؤا» أو «بُقه» و«السويسي» و«حناطة» و«بزازة» لكي نفيق من غفوتنا، من سباتنا العميق جداً – فجأة- لا لنجد أن أطفالنا يقتلون بأيديهم، لكن لنجد أولادنا قد تحولوا إليهم، هل ننتظر هول الكارثة أم حلول القارعة، أم ننظر إلي أبعد من الندوات، الجمعيات، المؤتمرات، البرامج الفضائية والأرضية التي تظهر فيها سيدات يضعن أحمر الشفاه القاني وطلاء الأظافر الأحمر الفظ كلون الدماء التي سالت من رؤوس الضحايا، أو انتثرت وانتشرت علي قضبان السكة الحديد إيذاناً بمجتمع جديد، تنهض فيه كل وحوش الدنيا التي نامت في أجساد أطفال تركناهم بلا مأوي أو طعام أو رعاية أو حتي ربتة علي الظهر.

المسألة كبيرة وبلغت أقصي حدودها، وصارت تفضح عورة نظام فاشل لا يوفر الحد الأدني من الرعاية الاجتماعية لمواطنيه، علي الرغم من كل مؤسساته الضخمة، وشرطته المهيبة (كان المقر الرئيسي لعصابة أطفال الشوارع القتلة علي بعد ١٠٠ متر من أحد أقسامها).
القضية عميقة القرار، بعيدة المدي، مرعبة، شديدة الهول، ولا تختصر في عصابة قتلت عدداً محدوداً من الأطفال.

فجأة خرجت كل النظريات من جراب الحاوي (التسرب من التعليم، الأمية، التفكك الأسري، وفجأة أيضاً جاء الحل (هانمسك العيال دول كلهم ونضعهم في البوكسات ونوديهم لأهاليهم، أين هم الأهل وهل لديهم أي إمكانيات، وبعد إيه؟).
هناك تصور عام لدي العوام أن ثمة ما يربط الاضطرابات العقلية (الذهنية أو النفسية) بالجريمة عموماً (وهذا ليس بالأمر الصحيح علمياً، ولا ينفي أن يستطيع القاصر عقلياً أن يقتل ويغتصب ويرمي بالأحياء من الأطفال تحت عجلات القطار الهائلة السرعة، بيدين عاريتين، وبكثير من الإثارة والتسلي وكأنه يلهو بألعاب بلاستيكية، أو كأنه يمتص في ذلك الرعب الكابوسي رحيق النعمة والأمان من هؤلاء الضحايا).

بمعني أن هذا الربط لابد وأن يتخصص، أي أن الربط بين قتل الأطفال وانتهاكهم جنسياً والقاصرين عقلياً أو (المتخلفين) أو (المختلين – التعبير الأحب للصحافة والبعيد عن الدقة كثيراً)، في حالات (القصور العقلي) يكون الربط بين (الحالة) و(الجريمة) غامضاً، لكن علينا أولاً أن نفهم ماهية (القصور العقلي)، فهو انحسار وانحدار وقصور الذكاء العام وفقدان جميع المهارات الاجتماعية (الكياسة، اللباقة، القدرة علي التأقلم وحل المشكلات، التواصل الحر المتحضر مع الآخرين)، وهو ما يعني أيضاً (الذكاء الوجداني).
يقاس الذكاء العام عادة بعدة اختبارات ومقاييس معروفة ومقننة للعاملين في حقل تلك الفئة، لكن، ولعدم قدرة القاصر عقلياً علي التواصل والفهم، فإن مصداقية نتائج تلك الاختبارات مشكوك فيها وفي دقتها، لكن جري العرف الإكلينيكي علي أن هؤلاء الشديدي الإعاقة في ذكائهم العام، هم شديدو الإعاقة اجتماعياً (وغالباً ما يكونون مصابين بحالة من التقزم العاطفي، الإحساس بالدونية والرفض، مما يزيد من الطين بلة ومن الأمر سوءاً، فيدفع إلي أمور شتي مثل الانتقام، العنف، الكره، التوحد مع الآخرين لتكوين شلة أو عصابة تدمن وتغتصب وتدمر، تتحد مع الألم لمواجهة الألم، تلوذ بأسفل الكباري للاختباء من الدنيا، تغيب في الجنس العشوائي، كما تغيب الكلاب الضالة، وتهيم لتضرب في جميع أشكال المجتمع بلا أي هدف، سوي رد الفعل للحالة الاجتماعية والإكلينيكية من ناحية، وكاستمرار وتماد ومبالغة من ناحية أخري، وذلك نتيجة إهمال مؤسسات وهيئات الرعاية المنوطة بلمهم وضمهم وحمايتهم وحماية الناس منهم، يزيد علي ذلك الحرمان (المادي) والفقر في أحط صوره مما يمنع ويسد أي فرصة للإرتقاء أو التنفس خارج إطار المستنقع المليء بكل الموبقات.

هذا بجانب أن أي كم من الذكاء القليل ينحط ويتدهور بفعل (عدم التعليم، عدم التربية وانعدام الثقافة)، بل إن أطفال الشوارع الذين لا يقعون في إطار تلك الفئة القاصرة عقلياً، يوظفون ذكاءهم إجرامياً، للتحايل علي هذا العيش القاسي في العراء، فالشارع يذبح الأخلاق والأجساد المحرومة أصلاً من الدفء (الإنساني والعادي) من الأمن والطعام، التواجد بين الناس (الطبيعيين)، يقتل الروح وينزع السلسية، ويدفن الإنسانية تماماً.

علينا هنا أن نخوض ما يمكن أن نسميه (المسؤولية الأخلاقية، للمجتمع، وللدولة)، نريد كشف حساب من وزارة (التضامن) الاجتماعي (مع العلم والإقرار أن دولاً كثيرة تعاني من مشكلة أطفال الشوارع لكن حسبما تدلنا الأدبيات العالمية، فإن نوعية وكمية الجهد المبذول مختلفة عن تلك التجربة المصرية المثيرة للتقزز والرفض والإدانة بل وتدعونا إلي محاكمة عاجلة لهؤلاء وعلي رأسهم وزير ذلك التضامن الاجتماعي المفقود قبل محاكمة (التوربيني وبزازة وحناطة وبقو وغيرهم!)، أين مؤسسة الدفاع الاجتماعي، أين كشف حساب المجلس الأعلي للأمومة والطفولة، مفصلاً، أين كل تلك الجمعيات الأهلية، التي صارت عائلية وتتلقي المنح والمعونات من الاتحاد الأوروبي وغيره، أين وزارة الداخلية بجميع كوادرها، ولماذا يقتصر الربط الإلكتروني لقاعدة المعلومات علي رخص المرور وبطاقة الرقم القومي، نحتاج إلي قاعدة بيانات قوية دقيقة تدرج فيها كل الأسماء للأطفال الغائبين وغيرهم مع جميع تفاصيلهم وأن تربط الشبكة بعرض وطول مصر، ولا نريد محاضر تثبت وتنسي في أقسام الشرطة، وأين -بالفعل- وزارة الصحة بشقها للصحة النفسية، وأين وزارة التربية والتعليم من تنسيق المدارس الخاصة، وإعداد الكوادر المؤهلة من معلمين، فنيين وأخصائيين نفسيين واجتماعيين وصناعيين؟
لا نريد موقف الدفاع لدي كل جريمة وكل مصيبة وكل حادث، فلقد بلغ السيل الزبي، وتعدي الخطر أسطح القطارات إلي أبواب البيوت، ما حال مؤسسات التربية الفكرية؟ ولماذا بعض النماذج الناجحة (قرية الأمل – مثلاً) نادرة؟.
أين المسؤولية الأخلاقية لكل هؤلاء في مواقع السلطة؟، هؤلاء النائمون كأهل الكهف، كل أفعالهم، ردود فعل قاصرة عاجزة كسيحة لا تتمكن من الوقاية والتنبؤ بالخطر، حصر المشكلة ومشاركة الناس في همومهم، بل وإشراكهم في المصيبة العامة بأخذ أدوار محددة باللقاءات غير الرسمية إسكان كل حي.

إن -المسؤولية الأخلاقية- ما هي إلا مجموع «الأفعال» و«نتائجها» فيما يختفي «أمن المجتمع»، وهي أيضاً ذات علاقة وطيدة بما قد ينجم من أضرار علي الأفراد، والجماعات، أو المجتمع ككل، إنها «ميكانيزم» آلية يمكننا بها محاسبة المسؤول الحقيقي عن زعزعة أركان المجتمع.
إن الذين تسببوا -بشكل مباشر أو غير مباشر- في إيذاء الناس، وفي أبسط الأشكال كان لهم تأثير سلبي علي مجتمعهم ومواطنيهم، وندرج هنا الرشوة والفساد القيمي والمادي، التلوث البيئي، الحرائق، كوارث القطارات، عبارة الموت، سرقة المال العام، إفساد الذوق، الواسطة والمحسوبية وعدم تكافؤ الفرص، والفساد السياسي بجميع صوره وألوانه.. المسؤولية الأخلاقية لنا تنبع من ديننا وتراثنا وموروثاتنا، فلسفاتنا ومعتقداتنا، والمسؤولية الأخلاقية تصب هنا بالطبع وصميم تكويننا الثقافي والإنساني والحياتي، وفي مستوي معيشة الناس سواء كانوا أثرياء أم فقراء، فكلهم يعيش في وطن واحد ملوث الهواء والماء، وينتشر في أرجائه أطفال الشوارع مما يؤثر سلباً علي الروح المعنوية، الأداء، الإنتاج وما يسمي بالوعي الجمعي لجميع أفراد الشعب (وعي، هو الآن، مهزوم، منكسر، مصدوم، عاجز، منهك ويائس إلي حد كبير علي الرغم من كل محاولات مقاومة ذلك بجميع الصور).
نتمني أن يزور السيد الوزير المبجل (التوربيني ورفاقه) في السجن، أو أن نسمح للتوربيني بزيارة مفاجئة لمجلس الوزراء ليشارك في أحد اجتماعاته (وليكن هذا قبل تنظيفه بالبيروسول، المبيد الحشري، وتعطيره بمعطر الجو) كما حدث أثناء استجواب فريق النيابة للتوربيني.

إن ثمة خللاً واضحاً وسقطة شنيعة بين خروج (رمضان) من مدرسة التربية الفكرية وبين اكتشاف الجرائم التسع، هؤلاء الأولاد يلعبون بالنيابة وبأجهزة الأمن لعباً، يتحدثون عن معلومات مفصلة عن أماكن دفن الجثث ما بين شبرا الخيمة ومطروح، بل لقد بلغ التبجح والاستهانة والاستهتار، إلي التحدي العلني، فها هو (بزازة) يرفض اتهام (التوربيني) بأنه قاتل الضحايا (نعم، لا يجوز لأي أحد أن يأخذ منه ذلك الشرف).

تدلنا آخر أرقام الهيئة العامة لحماية الطفل، أن أطفال الشوارع في تزايد مستمر، مما يجعلهم حقلاً خصباً لتصاعد السلوك الإجرامي في المجتمع المصري (الأهرام ٦ ديسمبر ٢٠٠٠)، كما تشير الأبحاث الصادرة من جامعة القاهرة إلي أن ٩٨% من هؤلاء الأطفال بلا أحذية، ويسيرون في الشوارع حفاة الأقدام، وأن ٩٦% منهم يمارسون التسكع والعنف وإيذاء خلق الله والتسول.. وأن ٩٤% منهم ينامون الليل أسفل الكباري والحدائق العامة وعلي شاطئ النيل، وفي الأماكن المهجورة لا فرق بين ذكر وأنثي! أما خبراء المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية فلقد كشفوا في دراستهم عن أن الغالبية العظمي من هؤلاء المشردين من الذكور بنسبة ٩٢%.. بينما لا تتجاوز نسبة الإناث ٨%. «نفس المصدر السابق».

وكذلك فإن أرقام وإحصائيات الإدارة العامة للدفاع الاجتماعي التي تؤكد زيادة حجم الجنح التي يتعرض فيها أطفال الشوارع إلي انتهاك القانون.. حيث سجلت جرائمهم في السرقة نسبة ٥٦%، والتعرض للتشرد بنسبة ٥،١٦% والتسول بنسبة ٩،١٣% والعنف بنسبة ٢،٥%، والجنوح بنسبة ٩،٢%، ولقد وضعت دراسة للأمم المتحدة يدها علي الخطر الأكبر الذي يواجهه أطفال الشوارع في مصر.. حيث إنهم يواجهون في حياتهم اليومية العنف من مجموعات الأطفال الآخرين، أو العنف من المجتمع المحيط بهم الذي يرفض وجودهم أصلاً.
إذن أين استراتيجية مواجهة ظاهرة أطفال الشوارع.. نحن فعلاً في حاجة إلي استقبال وإيواء ورعاية وفصول للتعليم وعيادات متنقلة، بجانب الرعاية الاجتماعية والنفسية، أين هذه الاستراتيجيات؟ متي وضعت؟ وماذا تحقق منها؟ ولماذا لا ندعو المسؤولين لمشاركة الأمن والقوات المسلحة في الإيواء ولو مؤقتاً في أماكن تجمع لها صفة إنسانية وليحضر ونفحص ونؤهل ونعالج، دعونا نفعل شيئاً واحداً كاملاً؟.

هل لنا أن نركز علي قدراتنا، لا علي نواقصنا، أن تستغل كل تلك القدرات حتي آخر رمق فيها دون كلل أو ملل أو تعب فالأمر جلل ولا نحتاج إلي تهوين أو تكاسل.

.. نحتاج إلي تقييم يهدف إلي خلق صياغة جديدة للمشكلات التي نعانيها كأفراد، كمحافظات، كطبقات، كشرائح، كفئات وككل كمجتمع، من أجل خلق صياغة جديدة، فلا يجوز أن تختصر مصيبتنا الحالية مع التوربيني وعصابته في كلمتي «أطفال الشوارع» لأن الأمر يطال ذوي الاحتياجات الخاصة القاصرين عقلياً، المرض العقلي، الإمكانيات المتاحة، التدريب الحقيقي، الجريمة، الكوادر التي تتعامل معها بدءاً من الشرطي والمندوب حتي اللواء بدءا من وكيل النيابة وحتي القاضي.

.. بمعني آخر نريد أن «نفهم» لا أن نصرخ أو نبكي أو نندب ونتحسر ونولول ونقطع هدومنا، أن نقرر ما الذي سيفيد؟ وأين؟ وكيف؟ أن نفحص العوامل المختلفة التي تلعب دوراً في كل ما يحدث الآن، ما حدث في الماضي وما يمكن أن يحدث مستقبلاً.

.. لايمكن أن نكتفي بالقوالب الجاهزة الجامدة بل لنا أن نصيغ «مسحاً جغرافياً اجتماعياً نفسياً يضعه علماؤنا وأطباؤنا بعيداً عن الاستعجال والعشوائية، بأن تكون هناك استبيانات للناس في أماكنهم «هم عايزين إيه؟ وبيشتكوا من إيه؟ ومبسوطين من إيه؟» وأن تكون الأسئلة مباشرة ميسرة تقوم بها فرق من الشباب من بيت إلي بيت «علي نمط العداد الذي يُعْد التعداد من أجل حب مصر»، وأن تكون تلك الاستكشافات صادقة ويعتمد عليها ولها ظهرها العلمي الصلب.

.. أن نتحري الثبات والمصداقية، فهي أمور هامة جداً، لأن العلاج والحل سيتحدد علي ضوئها، وسنتمكن من خلالها من تحديد مستقبل حياتنا، وتحمينا من المفاجآت القاتلة والمحزنة والمثيرة للفزع والإحساس القاسي بعدم الأمان.

 

 

 

الحكومة المصرية مصابة بحالة «عصاب وسواسي»

الخميس 28-12-2006

الحكومة المصرية مصابة بحالة «عصاب وسواسي»

قراءة نفسية لبيان الحكومة وتصريحاتها الأخيرة: تحاول إظهار الحياة بلون «بمبي»

د. خليل فاضل ـ المصري اليوم
 سأحرص علي أن تكون مصادري حكومية، أو قومية، علي سبيل المثال- ما جاءت به مانشيتات الأهرام- ٢٩ ديسمبر ٢٠٠٦ في صدر الصفحة الأولي «مؤشرات إيجابية للاقتصاد المصري ترصدها المؤسسات الدولية- في اجتماع وزاري برئاسة أحمد نظيف: احتياطي مصر من النقد الأجنبي يغطي ٧،٦ مرة الديون قصيرة الأجل- وضع الاقتراض الداخلي مُطمئن وحصيلة النقد الأجنبي من الصادرات في تزايد داخل نفس العدد في صفحة ٩ رسم «جمعة» الساخر في «دنيا الكاريكاتير- زوجين شعبيين يجلسان علي الكنبة، تشد الزوجة طفلها قائلة لزوجها: ياخويا ما تشوف كده يمكن «الصين» عملت خرفان صغيرة للغلابة اللي زينا».
المعني قاس ومؤلم، والأمر ليس محض نكتة، لكن الاقتصاد الصيني الضخم «مع عدد السكان المهول- حجتنا البليدة دائمًا»، قهر أسطورة التخلف والذباب والأفيون، ومضي يغزو كل أنحاء العالم ماردًا حتي داخل عُقر أمريكا، لكن دولاً- مثل أمريكا- تملك اقتصادًا قويا متماسكًا لا يعتمد علي «المضاربة» وحسابات «نوتة البقال والجزار» وأسلوب «الجمعيات في أماكن العمل وبين ستات البيوت»، اقتصاد له أصوله ومفاهيمه ورؤاه.
لكننا إذا تركنا الحال علي ما هو عليه كما يحدده رشيد محمد رشيد «في الاستقطاب الصيني والروسي والامريكي والكازخستاني والتركي» واللّه أعلم، فسنصبح مجرد سوق توفر العمالة «وتصبح الحكومة في هذا الوضع كمقاول الأنفار»، ورشيد عندما يصرخ فخورًا بأن هذا سيحل مشكلة البطالة في مصر، وهو بهذا يحول شباب مصر إلي عبيد في سوق العمل الدولي،  

بعد كل ذلك لن تقوم لنا قائمة، أو علنَا بالفعل- الآن- أكثر من أي وقت مضي، في دائرة الخطر المُحدقة، بل والمؤثرة سلبًا علي كل شيء، ليس فقط «الاقتصاد» الذي بالطبع يتحكم في كل شيء لكن في كل سلوكياتنا اليومية، نمط حياتنا،

بل وحياتنا نفسها، فأنفاسنا وقلوبنا أصبحت في يد الأجنبي «مستشفياتنا مكتظة بأحدث الأجهزة التي لا تلزمنا كثرتها، وهي لا تُصان ولا تُراعي ولا يستثمر فيمن يعملون عليها»، ولأن المسألة غائمة ومشوشة تائهة، فلا أحد يبتغي الحقيقة ولا يعرفها أحد، كما لا يمكن لأحد أن يصل إليها في ظل الظروف الحالية.

عودة لجريدة الأهرام نفس العدد صفحة ٩ بجانب الكاريكاتير خبر مفاده أن رئيس مجلس الوزراء تفقد استراحة كبار الزوار بمطار القاهرة «لخدمة المسافرين!!» بعد تطويرها، وشملت صالتين: الأولي رسمية لاستقبال وسفر كبار المسؤولين المصريين والأجانب، والثانية يتم تخصيصها لخدمة الركاب «أي ركاب، وأي مسافرين!!».

إنها صالة مميزة يمكن «لأي راكب» استخدامها مقابل رسوم تتراوح ما بين ٣٠٠ و٣٠٠٠ جنيه مصري، وبين ٦٠٠ و٦٠٠٠ للأجنبي و… و… وأشاد نظيف بأعمال التطوير» هذا هو الاستثمار الحكومي أما المصانع فلتبنها لنا تركيا وروسيا والصين ولنعمل بها حتي نفك أزماتنا؟

أما في صفحة ٨ من نفس الأهرام «خطوات مصر في الإصلاح لن تتحقق إلا من خلال نظام تعليمي متوازن» وفي صفحة ٢٧ «نحن لا نتحرك إلا بعد وقوع الكارثة- اطفال في خطر! ومصانع «لتفريخ» المجرمين- دور الأحداث «سابقًا»… 

وليس من باب الاسترسال السهل، ولكن من باب التأني والرصد، كتب الفذ إبراهيم أصلان في مربعه الأسبوعي،

 

 

 

مظاهر الاكتئاب في المجتمع العربي

مظاهر الاكتئاب في المجتمع العربي

الخميس 25-09-2008

بقلم  د. خليل فاضل    المصري اليوم ـ 25/9/2008


بدلاً من أن نبحث في الظاهر (عن مظاهر) الاكتئاب عربياً فسنحاول الغوص سوياً في أعماقه (جواه)، داخل بطنه الرخوة، محاولين الفهم في إطاره العربي ونتساءل معاً هل هو حقاً (مجتمع) أم أنها (مجتمعات… عربية).

نحاول يأساً وأملاً أن نلصقها أو نوازيها كقطع البازل، لكن هذا العربي في مجتمعاته وأزماته، في غربته أوروبياً وأمريكياً كما في كل دول العالم أفريقياً وأسترالياً ونيوزيلاندياً، يعاني من تناقض وجداني خطير يتمثل في ضدين (ذاته العربية المتضخمة) أنا (كويتي)، أنا (سعودي)، أنا (غني)، (لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً)، إحساس الامتلاء لدي المغزلي العربي وإدراكه بالامتياز عن أقرانه في الشرق، وبارتباطه فرانكفونياً بالعالم الأول لغة وثقافة وهجرة!!

ذاته القوية زيفاً وإرهاباً وعمالة وسلاحاً، مقابل دونية شديدة تجاه الخواجة المتفوق وتجاه بعض أقرانه العرب حسب الحالة والموقف والتفوق العلمي وبالطبع حسب امتلاك وانتشار محطات البنزين، وتكاد المسألة برمتها تسير في طريق ذي اتجاهين: دونية تتمثل في أميته، جهله، فقره، مرضه، عجزه، قلة حيلته،

ضعفه وعدم خروجه من دائرة المستهلك لكل شيء أمريكي وصيني مروراً بتايوان وجنوب أفريقيا إلي سقفه الواطئ علمياً وعسكرياً في مقابل (اليهودي التائه) الذي أصبح راقداً في قلبه يطلع له لسانه ويغيظه كل لحظة بتفوقه وإبداعه وقدرته علي احتلال أرضه وغزو سماواته وكتم أنفاسه واحتقاره..

إذن فهل نحن أمام الاكتئاب العربي أم اكتئاب العربي أم الاكتئاب في المجتمع العربي، وفي الحقيقة أن المسألة ليست إطلاقاً لعباً بمفردات اللغة السخية، بقدر ما هي محاولة للوصول إلي المعني الدفين لعل وعسي! هل هو اكتئاب فردي أسري، حياتي، إنساني، مجتمعي، بيئي، سياسي، يغذيه القهر ويأكله الاستبداد ويفتته الظلم ويترعرع في ظل أنظمة ومترهلة وفاسدة تحكمها آلية الإنكار denial بإبداع لم يسبق له مثيل.

أعتقد أن المسألة هي كل ذلك، تقود حالاتها في أحيان كثيرة يحكمها العامل الوراثي البحت والاستعداد الجيني المتأصل، يحكمها الوعي بضررة البحث عن حلَّ ومن ثمّ يتحول هنا إلي حالات سريرية حادة تدخل المصحة، أو تعالج دون تطويع البيئة المحيطة فتظل في جوفها بذرتها الاكتئابية القبيحة والعنيدة أو تزمن وتستعصي علي الرغم من كل العلاجات والعقاقير ذات الرنين العالمي التي تتفنن في إنتاجها شركات عملاقة متعددة الجنسيات، تصوب أهدافها نحو فقراء العرب وأغنيائهم بلا تمييز ناهيك عن بعض الأطباء والمعالجين الدائرين في دورة استعمال المريض العربي كسلعة لابد من امتصاص دمها لحين الموت.

وما بين اكتئاب العربي الممتد والمتجذر من خليج أبي در إلي محيط عقبة يتقاطع ذلك مع الاكتئاب الأمريكي في تصريح نادر مدهش «غير مفاجئ» للإدارة الأمريكية «واشنطن ـ وكالات الأنباء ـ بغداد ـ محمد الأنور ـ الأهرام ـ مصر ـ ٢٢ يوليو ٢٠٠٧» باعترافها بفشلها في تسوية «الأزمة العراقية» بشكل منفرد، حيث طالبت إدارة بوش الأمم المتحدة بالقيام بدور أساسي في العراق، من ذلك إلي انتحار الجندي الأمريكي في حي الأعظمية في منتصف «تموز» شهر الثورات العربية والانتصارات العربية بعد ما ترجل من مركبته الحربية، أخرج سلاحه الناري وأطلق النار في فمه منهياً اكتئابه وحياته الخالية من أي فرحة والمغمورة بالموت والدم حتي آذانها، وفي ذلك ذكري للمواطن اليمني الذي أطلق الرصاص مردياً أمريكياً وكندياً يعملان في شركة نفطية باليمن في ساعة مختارة من ساعات المهلة النهائية التي أطلق الرئيس بوش «لا أحد غيره» ليبدأ الحرب بعدها، القاتل انتحر، ولا إمكانية لفحص قواه العقلية أو استجوابه الأمني بعد موته «فاتح عبدالسلام ـ الزمان ـ ٢٠/٣/٢٠٠٣ العدد ١٤٥٧».

وبعد القتل والانتحار اللذين ابتعدا عن الحالات الإكلينيكية البحتة نجد أنفسنا في خضم القتال، ودوران رحي الحروب التي أنهكت العربي سواء مباشرة من خلال موته وموت أبنائه فيها، أو تشردهم العبثي في أرجاء ذلك المجتمع، فها هم العراقيون حجر الزاوية في عصر الاكتئاب المعاصر دمرت حضارتهم وضاعت أقوالهم وسرقت بيوتهم ومن يعيش منهم يعيش خائفاً مرعوباً يتمني ديكتاتورية وظلم ورعب صدام فهو تائه في أزقة دول الخليج أو سوريا أو مصر أو القادرين في دول الغرب التي تستمتع وتستثمر أموالها في سلاح لمرتزقتها لمزيد من القتل والدمار والتدمير، نعتقد أن المفصل يتعلق بالهوية الأساسية للعربي المسلم وغير المسلم في العراق، لبنان، مصر، السودان، وفلسطين. شاب عراقي عمره ٢٥ سنة يهاجر مع أهله إلي القاهرة، ورغم اشتراكه الهامشي مع المقاومة وفي هذا جرأة تعارضت كلية مع أعراض الرهاب والذعر والهلع من كل شيء بما في ذلك كل آثار توتر ما بعد الصدمة ptsd ولقد جسد درامياً في المسرح النفسي العلاجي «السيكودراما» مأساته ما بين صدام وجحيم الاحتلال والحنين الشديد القاسي إلي الوطن، في آخر جلساته، ارتمي علي الشزلونج وتأمل سقف الغرفة قائلاً في أنين المتعب المثخن بالجراح (كل ما أنام علي سريري، أتأوه وأقوم منفزعاً خائفاً، أحلم ببيتنا، ونحن نخرج كأسرة بالسيارة، نحضر الأكل، يحضر أقاربنا نطالع تحركات الجيش العراقي حولنا، أبكي مكتئباً بشدة، كابوسي هو أملي وبغيتي ومقصد فرحتي، إذا نمت علي الأرض في مكان بعيد كاللاجئين نمت في هدوء وإذا عدت في فراشي عاد الكابوس الحلم الأمل الذي أعرف جيداً أنه لن يتحقق «من خلال هذا الطرح الرمزي العميق يجسد هذا الشاب العراقي مأساة وطنه وشعبه وجيله ويختصرها في حلم كابوسي هو أمل وردي، وكأنها عملية التكوين العكسي في حيلتها علي العقل القواد للقلب العاشق للوطن، فيهجر الأنباء والأخبار ويطالع قنوات فضائية غناذية لكنه لا يهرب من شريط رسائلها الـSMS وهي تنقل له وسط الطبل والزمر والرقص والأجساد العارية صور الذبح والتفجير والدماء والأشلاء وبيت العائلة الذي صار أنقاضاً مثله كمثل الوطن..

 

 

 

العلاقة بين المريض والطبيب

العلاقة بين المريض والطبيب

السبت 25-10-2008

بقلم   د.خليل فاضل
٢٥/ ١٠/ ٢٠٠٨ – المصري اليوم

منذ حوالي عشر سنوات أو أكثر، قرأت كتابا شيقا تحت عنوان الطاقة النفسية، ألفه جراح تجميل بارع اسمه «ماكسويل مالتز» تحدث فيه عن نفسية مرضاه، وضرورة تجميلها قبل الشروع في عملية تجميل البدن، ومنذ أيام قليلة قرأت مقالا رائعا لجراح شهير من جراحي اليد وهو تخصص مهم في كل أنحاء العالم تقريبا، المقال تحت عنوان: «مواصلة السعادة»، منشور في الجورنال الأمريكي لجراحة اليد، عدد يوليو ٩٢، وهنا قد يتساءل القارئ: ولماذا يا صاحبي وأنت الطبيب النفسي تفتش في مواضيع الجراحة المتخصصة؟!
وللموضوع خلفية وقصة، فأثناء بحثي في أجهزة الليزر الحديثة بأسطواناتها المليئة بالمعلومات بمكتبة «حمد» الطبية بمستشفي الولادة، أثناء بحثي عن موضوع العلاقة بين الطبيب والمريض، شد انتباهي أن المقال مصنف في قائمة المقالات والبحوث الخاصة بالأمر..
بداية هذا الجورنال هو المجلة العلمية الرسمية للجمعية الأمريكية لجراحة اليد، وكاتب المقال هو د. بول براند، وكان قد قرأه في حفل للجمعية في اجتماعها السنوي رقم ٤٦، وبدأ براند حديثه عن رؤيته لإبهام اليد ذلك العضو المهم جداً منها وكيف أنه يراه مثل صاري السفينة أو المركب.
ثم ينتقل جراحنا بالحديث إلي التعرف علي فرص السعادة الحقة في حياته مع جراحة اليد، التي استمدها من أمرين أساسيين: أولهما الاستمتاع بعجائب اليد الإنسانية الرائعة، كما خلقها الله سبحانه وتعالي وثانيهما هو قدرته علي الدخول إلي قلوب وعقول مرضاه وأن يشاركهم ويشاركوه التحدي العظيم، من أجل استعادة الشكل الطبيعي لليد الإنسانية.

ويستطرد براند قائلا إن سعادته كسعادة الطفل العزيز، حينما يدهش في كل مرة يفحص فيها يد مريض، يتوقف ويشد انتباه المريض بعيداً عن المشكلة إلي شيء آخر إيجابي وجيد، فإذا كانت المشكلة في المفصل، تحدث عن قوة العضلات، وإذا تحدد الأمر بعملية جراحية فسيكون التأكيد علي مناعة الجسم وشحذ قواه الداخلية من أجل تحقيق الشفاء، وأهم من كل شيء عزيمة المريض وشجاعته لتحريك يده وللتأهيل والشفاء.

وينتهي براند بالقول الحزين، مقارنا رحلته مع قبطان قديم قال له لا تنخدع في أي تقدم تحرزه إذا حصرت نفسك في مقارنتها بمنافسيك، ومن ثم يحس د. براند بأن الزمن الحالي ضد السعادة والإشباع الوظيفي، لأن العصر الحالي يفرق ما بين الأطباء والمرضي، فالأطباء قد صاروا أكثر علما ومعرفة، والطب قد تقدم تقدما مذهلاً، لكن في المقابل اتسعت الهوة بين المريض والطبيب وبالتحديد بين الجراح ومريضه – حسب قول براند – ويشبّه العصر الحالي وظروفه بالمد في البحر، لأنه أكثر واقعية.

يستخلص براند القول بالدعوة إلي التمهل والتأمل إلي استخلاص الفخر من دور المجهولين، وأن يكون جراحو اليد دعاة شفاء، ليس للأيدي فحسب ولكن للبشر، ولنفتح أبوابنا وقلوبنا لكل الآراء ولنطرد من حياتنا الطبية والتمريضية كل الدعاة والمنافقين والأفاقين أصحاب النظرة الضيقة المحدودة.
وهكذا، انتهي حديث جراح اليد الذي بعده انتقل إلي التقاعد سعيداً مرتاحاً، مضيفاً إلينا الكثير من الأفكار كغذاء لعقولنا قبل أن يصيبها الصدأ.

 

 

 

الاستقواء بالضعف فى اختفاء الزوجة وظهورها

 الاستقواء بالضعف فى اختفاء الزوجة وظهورها

الأربعاء 28-07-2010

بقلم   د. خليل فاضل

٢٨/ ٧/ ٢٠١٠  ـ المصري اليوم

كما أن هناك الاستقواء بالخارج، فإن هناك الاستقواء بالداخل، بمعنى إن (اللى مالوش كبير يشتريله كبير، واللى ليه ضهر ما يضربش على بطنه)، وعندما تختفى لعبة طفل أو زوجة رجل مهم، لا يبحث عنها، وإنما يصرخ ويبكى ويخبط رجليه فى الأرض ويستقوى بفقدانه وبضعفه الذى يدعيه، لكى ينبه الناس جميعا لينهضوا كلهم عن بكرة أبيهم ويبحثوا معه عما فقده، مثيرا جوا (باراناوياً) اضطهادياً محتقناً، جواً من التشكك، الحيرة، عدم التيقن، عدم الثقة، عدم الأمان، التوتر الاجتماعى، مما يؤدى إلى تراكم الفتن وامتلاء الصدور بالغيظ، فتخيم على الوطن خيمة من مزاج أسود وترقب محفوف بالخطر، مانشيتات حمراء وتوك شو ملتهب، تعميم وتضخيم للأمور، تكبير، وانشغال بأمر حياتى عادى يحدث كل يوم وكأننا فى أمريكا بعد ١١ سبتمبر نبحث عن كل من له وجه عربى واسم مسلم لنلبسه العمة والقضية ونضع على كاهله كل المشاكل بدءاً من الشرق الأوسط إلى العجز الجنسى وأزمة مياه حوض النيل.

إن تأثير كرة الثلج بالغ القسوة والخطر فى نتائجه؛ فالخبر العادى كاختفاء زوجة الأب أو الأخ أو الشيخ أو الحاخام، تضاف إليه من شهوة المستمعين تراكماتهم النفسية والاجتماعية، توابل الإثارة والانتشار، وتخطيط البعض واتصالاتهم المكثفة، وتدبيرهم الخبيث المُغرض، لتصبح كرة الثلج التى فى حجم كف اليد ضخمة بحجم الوطن.. لأنها فى طريقها من المنيا إلى القاهرة تمتلئ بالأوراق وبالاحتمالات والرغبات المعلنة والخفية فى بيع الأمر بل استغلاله لأهداف أخرى، فتتدحرج الكرة العملاقة ويصبح أمرها جللاً، فقد تدمر فى مسيرتها أموراً، توغر فى الصدر أموراً أخرى، وتنكأ جراحاً قديمة وتصبح مرضاً عُضالاً يترك ندبة على جبين الناس، وتاريخاً يتذكرونه ولا يضحكون.

لكن كل هذه الأمور وسابقاتها وما هو قادم أعتبرها نوعاً من (العدوانية السلبية).. مما يعنى أنها نوع من الإساءة إلى الناس على مختلف مذاهبهم، وإلى أمن الدولة وإلى المُتلقين لهذا السلوك، إساءة مغطاة بالضعف وقلة الحيلة والاستنجاد، إساءة لذكاء البنى آدم المصرى، تحت الجلد، مُقنّعة، إساءة تتكرر ويتقن صاحبها أداءها كلما آتت ثماراً حتى لو لم تكن ناضجة، أو كانت مُرّة كالحنظل.

الفعل أعلى صوتاً من الكلام، فإذا خرجت الزوجة من بيت الزوجية (لأى سبب كان)، واختفت بمحض إرادتها، فإنها قادرة (فى ظروفها هى) على هزّ الدنيا فى بقعة منها (أو بقعتين: مصر وأمريكا رايح جاى!!)، رد بالفعل الانفعالى بالتظاهر والاتهام واللوم والتأنيب أعلى صوتاً من شكوى لظلم وقع، ومن ثمّ فللأمر مكسبان أولهما أن إنذاراً قد حدث، ورسالة قد وجهت للزوج ولأهل عشيرته، وهو وأهل عشيرته استغلاّ ذلك فى رسالة مضادة (مُفترضة مُختلقة تعتمد على الافتراء والاتهام، لا على الحقيقة).. وتحدث الرسالتان جلبة وضوضاء، أما المكسب الثانوى فهو أن الطرف الشاكى من حدث عادى يحدث كل يوم مليون مَرّة، قد استعطف الدنيا وشَغلها، عرف مواطن ضعفها وتعلّم كيف يغازلها أو كيف يهددها ويقلق مضاجعها، إن لزم الأمر.

هنا (ينسى) المسؤول عن كل ذلك مسؤوليته، بل يتناساها وهو هنا يعاقبك لأنك (من المفروض) أن تكون مسؤولاً عن كل شىء.

ويلومك لوماً قاسياً شديد اللهجة لأنك أهملت فى حماية الأزواج من خلافاتهم (ونحن بشر)، ولأنك من المفروض أن تضع مخبراً على باب كل بيت ومعاون مباحث على رأس كل شارع (هم موجودون، لكنهم لا يحلّون مشاكل الدنيا، وهم بشرٌ مثلنا لهم مشاكلهم وهمومهم وانشغالاتهم، وهناك أمور أخرى تصب فى الحدث الأهم).. من يتعود على كظم الغيظ وكتم الغضب، إما أن ينفجر أو أن ينسحب، أو أن يختلق سبباً للانزواء.. هو مستقل، لكنه خائف من استقلاله، يخاف من الآخر خوفاً مرضياً يصل إلى حد اتهامه بأى شىء وفى كل شىء، ويعوق الحل والتواصل والحوار، بل هو يلعب دور (الضحية) بإتقان… ويتمادى فيه، ودائماً الضحية البرىء لكل التوقعات غير البريئة من هؤلاء الذين يكرهونه.

كل هذه الحالات بآلياتها ودوافعها تؤدى إلى ما يمكن الاصطلاح عليه (العقم الوجدانى) لدى الطرفين، حالة من عدم التعاطف وعدم التصديق والضيق والإحباط تعكر صفو العلاقة بين الطرفين.

إذا ما واجهنا الأمر مع (المُدّعى) وقلنا (يا جماعة، زوجة الأب لم تُخْتَطَف، ولم تغيرّ دينها، لم كانت كل تلك الضجة؟!) ستجد الصمت، والعودة إلى المربع الأول، ربما جاء الاعتذار متأخراً أو مشفوعاً بأسباب ومبررات لا تكفى لتهدئة الناس فى زمن صعب ووطن تعبان جداً.. وإذا لم تُناقش آليات الحدث فستكون عواقبه الآنية والمستقبلية غير مستحبّة على الإطلاق.

وإذا ظلّت كل الأسباب قائمة، بذور وجذور لمشكلات أخرى قادمة وصدورٌ تغلى كالمرجل، وتراكمات لكرة ثلج جديدة، لا حلّ ولا رؤية ولا تعاطى مع الأمور بجدية وعلم، ولا بأسلوب نقدى حضارى يشمل أصل الحقيقة، الخطأ والافتراض ورصد سبل الوقاية وموانع حدوث أزمة مشابهة فى بلد لم يعد له طاقة فمشاكله أكبر، وعقده أكثر تشابكاً ويحتاج إلى هدوء وروية وعدم هدر الوقت والطاقة والجهد والمال، يحتاج إلى الاقتصاد الفَذَّ فى التعامل الإنسانى، إلى البحث الدؤوب عن المحرضين وغير العقلاء، كدابى الزفة وحاملى المباخر، يحتاج إلى تدبر العقل وعدم مهاجمة الآخر (أى آخر.. هنا أو هناك) دون سبب، يحتاج إلى الروية والأناة وعدم الاستعجال.

أتصور أن الآخر عندما يفعل ذلك يكون محتاجاً بالفعل إلى (وصلة أمان)، إلى (تفاعل حقيقى) غير بوس اللحى وتقبيل الجباه والرؤوس والأكتاف فى زمن يحتاج إلى قدرات أكبر للفهم والتعاون ونبذ الشعارات والتخلى عن المزاح الذى ينقلب إلى حَدّ يؤرق ويقلق ويجعل الدنيا والدين مرجلاً يغلى كالدم فى العروق.

 

 

 

البلطجة.. الاستهزاء والاستبياع.. والأجر على الله

البلطجة.. الاستهزاء والاستبياع.. والأجر على الله

الخميس 5-08-2010

بقلم   د. خليل فاضل    ٥/ ٨/ ٢٠١٠ المصري اليوم
ممكن حدّ ربنا يدِّيله القوة والسلطة، الجاه والمال فيفترى على خلق الله، كده، مزاج… يطلع عُقدُه على الناس ويقرفهم فى عيشتهم؟ وممكن حدّ يبقى فوقيه ألف رئيس لكن العشرة الغلابة اللى تحته يطّلع (عينهم) ويمارس سطوته وساديته وعنفوانه؟ نعم وهذا يحدث كثيراً فى مصر الآن، ولأن العنيف ضعيف أصلاً، لا يتمكن من الحوار، يلجأ إلى الاستقواء بمنصبه أو بعيلته أو ببدلته الميرى، أو بأنه محام أو مستشار أو.. أو.. ويهين من أمامه، يصفعه، يُحقِّر من شأنه، وربما وضعه تحت حذائه، وأسوأ ما يمكن أن يكون هو أن يحدث هذا على الملأ.. والناس تعرف أن فلان وفلانة وعلاّن.. ملطشة الباشا أو البيه المدير أو الريس!

الفتوّة والفتونة وإبراز العضلات وبطش الأحذية الغليظة والأيدى الضخمة على صغار الناس، لا تدل إلاّ على تخلف شديد ونفس وضيعة.
يحدث هذا على كل المستويات، فى شلّة مراهقين، مجموعة شباب، البيت، الحيّ، النادى، المدرسة، الشركة، الكلية، وكذلك المؤسسات الكبرى الحكومية والخاصة.. والمؤسسات بكافة أنواعها تعتمد فى أساسها على البنى آدم، لا على المبانى والمكن، المؤسسة مضمون يشمل السياسى والبوليسى والتعليمى، الاجتماعى والسكانى والطبى، القضائى والصحافى والصناعى، وسوق البنوك والبورصة والتداول .. .. صحتها وإنتاجها ومستقبلها من صحة العاملين فيها، الصغار قبل الكبار، ورقيّها يكون من خلال قدرتها على الإنصات والبوْح وفتح كل المسارات للهواء الطليق والشكوى المحكومة والقدرة على ردْع المفترى والبلطجى والفتوّة، أياً كان.. ابن مين أو وظيفته إيه؟ لابد للمؤسسة وللناس فيها، أن يتشاركوا فى حُلمها وهمّها، وأن تكون أهدافهم واضحة ومستقبلهم إلى حدٍ كبير مضمونا.
وعلى الرغم من أن أبناء المؤسسة الواحدة يحكمهم نظام وظيفى واحد يحدد الثواب والعقاب، الترقّى والرفت، السؤال والاستغناء، إلا أن تكوين الشلل والمجموعات والمعسكرات الكبيرة والصغيرة أمرٌ لا مفرّ منه، ويجب النظر إليه بعين الاعتبار، فمن تضمّهم منطقة سكنية واحدة، أو الذين يأتون من محافظة واحدة، أو المنتمون لحزب ما، يحكمُهم وينظّمُهم الفهم العميق والقدرة على التواصل مع الآخر بسلاسة، وإدراك أن الاختلاف والتنوّع يثرى المؤسسة، وأن الخطر- كل الخطر- يحدث عندما تتحول أى «شلّة» أو «مجموعة» إلى مركز قوة أو أداة ضغط أو سبيل تحكم لممارسات سلبية.
السؤال المهم الآن هو هل البنى آدم ده؟ الذى يضع يده على قفا مرءوسيه وعلى جسد سكرتيراته ويدبها فى طبق طعامه بلا هوادة.. هل هو مطمئن! هل يحُس بضعفه أم أنه يختار ضحيته بعناية، الضحية ليس بالضرورة ضعيفاً لكنه قد يكون فى المكان الغلط فى الوقت الغلط فالمستقوى انتهازى.
الفتونة والبلطجة تطال الكُل ويمكن أن يمارسها الكُل فالجار، الزوجة المفترية، والابن المدمن، الزوج البخيل، البواب، سواق التاكسى، والموظف الصغير الذى لديه ورقة يمسك بها رقبتك.. وبالطبع المخبر والضابط وكل من له صلة بالقانون وتطبيقه.
المفترى الغِتِت اللّبَط السخيف يبحث عن من له شعبية، ويؤدى وظيفته «تمام»، ويخشى تماماً من كشف عورته الضعيفة، ونقص كفاءته.
إن نجاح أى شخص فى مكان عمله حتى لو كان مرءوساً صغيراً يسبب للمدير المفترى، حرجاً بالغاً وخشية نفسية يغذيها وقود هذا (المثالى) .. البلطجى فى أماكن العمل يستهدف القَيم الذى لا يهادن ولا يتنازل عن حق، وتظهر هنا صورة الأسد الجبان الذى يخشاه الجميع لمجرد أنه أسد، ولا يدرون بضعفه وخوفه الداخلى.
وهناك المدير (أو المديرة لأن بعض النسوة فى مواقع النفوذ يكن أكثر شراسة من الرجال)، الفتوة المندفع ببلطجته وصوته العالى وتهزيئه للعاملين تلقائياً يجد صعوبة فى ضبط نفسه ولا تهمه النتائج وقد يتعرض هو نفسه لفعل القهر لاحقاً.
أما هؤلاء الذين يستخدمون أيديهم فى (زقّة) أو (صَفعة) أو (شلّوت) أو تكسير ما هو على المكتب يعد نوعاً متطوراً لا نجده إلاّ فى أماكن العمل غير المحترمة أو أن تكون الست المديرة أو الباشا ثقيل الظل واليد ومسنود الضهر و«مفترى» ومالوش كبير. وهناك-أيضاً- الفتوة بالكلام الذى يهين ويسب ويحقر.
أما أخطر أنواع هؤلاء البلطجية فهم وهن هؤلاء الذين يسيطرون نفسياً ومعنوياً على ضحاياهم، بخلق حالة من الخوف والغضب، باستخدام السخرية والتريقة والمزاح الثقيل، التجاهل، الكذب، أو بسحب المهام الوظيفية من صاحبها وتعريته من مسؤولياته فيصبح بلا فائدةً.
لكن الآن ما العمل؟!
تجاهل ذلك الفتوة! لكن البلطجى زنان ويستمر فى دفعه للأمور، ضع فى اعتبارك فى كل الأحوال أن (العنيف ضعيف)، وأن هذه التى أمامك أو هذا الصائح الصارخ يُحس داخله بعدم الأمان وبالتوتر والقلق والاكتئاب. عموماً مهما كتبنا وقرأنا فلن يفيدك إلاّ أن تنظر لنفسك قوياً فوق الأزمة، أن ترى الفاعل الجانى كسيحاً نفسياً، معوقاً اجتماعيا، غير قادر على تأكيد ذاته إلاّ بالنيل من الآخر الأقل منه مرتبة ووظيفة.
تجَاهَل هذه الفتوة أو هذا المدير، تفَّهم أنه يفعل ذلك لأنه غير سوى وغير آمن، وأنه بأفعاله تلك إلى زوال، دقق فيما قد يبدو له من سمات حسنة فليس هناك شرّ مطلق أو خيرٌ عام، تعامل مع البصيص الإنسانى فى هذا الغول، أربت على ظهره ولا تحاول الانتقام منه لأن هذا هو ما يريده، أن يجرك إلى عالمه ويهدر طاقتك وجهدك وذهنك فى الشجار اللا مُجدى واللا منتج.
لابد وأن يقف أكثر من واحد للمفترى وأن يصدّوه، لابد وأن تكون المواجهة قوية ومحسوبة حتى لا تنتهى نهاية الرصاص بين سويلم وعبد الفتاح فى «أتوبيس المقاولون»، لابد من الفهم والإنصات، هذا باستمرار وبلا كلل ودون خوف أو توقف لابد من التوحد وإبلاغ ذوى الأمر.
الشباب أكثر عرضة للانجراح، لهم أن يتعرفوا على خريطة تلك المواجهات، أن يتدربوا على ممارسة الثقة بالنفس، أن يتحدثوا فى صوت واثق وقادر ومعبر وجريء دون خوف والتصريح جهاراً (عليك أن تتوقف عن تلك المعاملة، لا أسمح لك بالسخرية منى، احترمنى واحترم مشاعري). اخلق مسافة، وشتت انتباه البلطجى، حاول خلْق روح الدعابة لتُميت قلب المفترى، انزع عنه أسلحته دون أن تدع ما يمرّ يتكرر كثيراً.

 

 

 

طلاق الشباب فى سنة أولى زواج

طلاق الشباب فى سنة أولى زواج

الثلاثاء 17-08-2010

المصري اليوم ـ 17 أغسطس 2010

بقلم   د. خليل فاضل 

خبر مُخيف جداً، نُشر بالدليل والبرهان، وتصدر الصفحات الأولى: «التعبئة والإحصاء» ارتفاع نسبة الطلاق بين الشباب.. المُخيف أكثر هو حال الأسرة المصرية.
الأخطر هو الزواج السريع لأى سبب.

كثير من الشباب يتزوجون من أجل الجنس فقط، دون تهيئة، تأهيل، تدبير، تربية، فنجد الزوج الصغير السن نسبياً يفاجأ بفقدان عزوبيت ويجد نفسه داخل القفص، عين فى الجنة وعين فى النار، مشغول تماماً برفقة أصحاب عزاب أو متزوجين حديثاً (غير قادرين على التأقلم مع أن تكون لهم زوجة).

يتزوج البعض لتكملة نصف دينه، أو للوجاهة، لكنه يدرى أو لا يدرى بإحساسه بعدم الأمان أو عدم الثقة عدم القدرة على تحمل المسؤولية؛ فيرتبك وينزعج، قد يهرب إلى أمه والمصيبة إذا كان وحيدها أو الذكر الوحيد على بنات.. وهناك زيجات تنتهى بالطلاق بعد كتب الكتاب.

عموماً العِلم يُخبرنا أن أصعب سنوات الزواج هى الأولى والثانية أيضاً، لأنه فجأة يجد الاثنان (كل منهما من قماشة اجتماعية، نفسية، ثقافية، مادية مختلفة)، وكثيراً ما نسمع إن احنا أحسن منهم اجتماعياً لكن هم أفضل مادياً.. ويتبعون التقرير بـ«آآآه» (يعنى مافيش حَدّ أحسن من حَدّ)، أول ما الباب يتقفل على الولد والبنت، يجدان أنفسهما بطباع مختلفة وبشكل مختلف وبرائحة مختلفة، نعم للزواج وهجُه الحسِّى والعاطفى لكن له مشاكل أهمها أن التوقع غير الواقع، بمعنى أن الذى زَيَّن له خياله أن الزواج هذا قصرٌ فى الجنة، وهو بيت عادى تنقطع فيه المياه والكهرباء، ولا تنقطع النصائح والنميمة والأسئلة الخبيثة من الحَمَوات والخِلاّن.

هذه سحابة صيف قد تزول لكن كل ما هو خطر قد يدق أهم أجراس الخطر: فقدان الرومانسية والحميمية، عدم القدرة على الضحك والفرح والاستمتاع معاً وسوياً، البُخل (شحيح العاطفة والمال لا أمل فيه)، خوف من الاختلاف خشية الفشل، عدم الاحترام، الولاء الشديد للعمل أو الأهل أو الأصحاب على حساب بيت الزوجية، السَفَه، الاعتمادية المرضية المُفرطة على الوالدين، المشكلات جنسية، الإدمان على المُخدِّرات، الإساءة للآخر بالإهانة أو بالضرب أو بالإهمال. إن بعض هؤلاء الذين يتزوجون فى سن صغيرة يعوزهم النضج العاطفى والإنسانى والاجتماعى، ولا يملكون الحكمة والحنكة اللازمة لتدبير الأمور والتعامل، إن نسبة الطلاق ارتفعت إلى ٣٠.١% بين الذكور فى الفئة العمرية بين ١٨ و ٢٩ سنة و ٥٣.٦% للإناث.

الأهمية الإحصائية هى أن ثلث الذكور وأكثر من نصف الإناث المتزوجين فى مصر فى الفئة العمرية بين ١٨ ــ ٢٩ سنة قد تطلقوا! أى أن حوالى ٢٠% من الإناث قد تزوجن من رجال فى فئة عمرية أخرى (أكبر)، المهم أن الطلاق قد حدث بهذا الشكل فى هذا الُعمر فى مصر الآن.

المهم الآن كيف يمكن أن نقى أولادنا شرّ هذا الأمر.

الزواج ليس حفلة زفاف ودخلة وفستان و«D.J»، الزواج يحتاج إلى جَهد وعمل دؤوب للحفاظ عليه، أنت وهى فى شراكة ٥٠/٥٠، فلا الرجل سى السيد ولا البنت هى الست أمينة. معظم الزوجات تعمل، فلا تدع نفسك ولا تدعها تغرق فى لُجَّة إدمان العمل، لا تتجاهل التواصل بينكما؛ فيختزل تدريجياً إما إلى لقاء الفراش أو الـ SMS أو ورقة تِتلطِع على مرآة التسريحة حتى تراها بوضوح لأنك ربما تحولت إلى ذلك الذى لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم. اعرفى أنكما لن تكونا نسخة كربون من بعض، فلتبتعدان كشجر السرو لتُظِّلا طريقكما ولتلتقيا وتبتعدا وتكونا اثنين لا واحداً، لا أحد يعمل بكتالوج أحد ولا أحد سيكون الآخر، الصحة النفسية والزوجية تبدأ من الفراش، لكن لا تستخدم هذا اللقاء كوسيلة للصلح أو حلّ المشكلات التى تحتاج إلى فهم وروية، ولا تستخدميه أيتها الزوجة كوسيلة لأن يكتب الشقة أو الشاليه أو الفيلا باسمك. لا. ولا لكى يسمح بحضور أمك يومياً بداعٍ وبدون.

فى أول الزواج عليكما بتحديد أمر الإنجاب، هل ستتفقان على تأجيله قليلاً أم لا، وإذا كانت هناك ظروف صحية تعوق الإنجاب فمن يتحمل من! فكر دائماً فيما تحب زوجتك وفيما ترغب فى سماعه، ممكن تخبرها برغبتك فى الخروج فى نزهة (رجالي) بريئة تجتمعون فيها سوياً، لكن فى نفس الوقت (ما توزعهاش) عند أمها عَمَّال على بطال.

كثيرٌ منا لا يعرف كيف يعتذر (كلمة آسف) حلوة ويقولها القوى عند اللزوم، الاعتذار يُخَفِّف الغُمَّة وكظم الغيظ.

إذا حدث شجار فهو صحى، لكن لا تَجرَح، فلينصت كل منكما إلى الآخر، لا تُهَمِّش ولا تُحقِّر من شأن شريكك، كل رأى له اعتبار وكل كلمة لها وزن، لغة الجسد المتحفزة تُصَّعِب الأمور، لابد من الأنانية الصحية والصحيحة، أى أن تهتمى بنفسك لكن ليس على حساب البيت.

حقاً إن أبغض الحلال عند الله الطلاق، لكنه فعل بغيض يؤدى إلى مرارة واختلال. 

 

 

 

 

رجل ليس له ظل

رجل ليس له ظل

الأربعاء 1-09-2010

د: خليل فاضل

الأربعاء 01-09-2010

أين هو الأب المصرى الآن؟

الآن ومنذ منتصف السبعينات تقريباً أخذ السؤال منحنى خطيراً، لقد أصبح غياب الأب نفسياً وجسدياً علامة فارقة للطفولة المصرية، ولجيل المراهقين وللشباب.

الأب المصرى موجود، لكن دون أى وظيفة أسرية سوى بذر بذرة الحمل، أب تعنى أبوته، شأناً بيولوجياً محضاً، ربما فى عُطلته السنوية.

أب لفعل واحد فقط، وأب مع وقف التنفيذ، لا هو أب (جديد) ولا هو والد (قديم)، هو بصراحة (لا أب)، لا يترك وراءه أثراً يُقتفى، ليس له ظِلّ إذا انتصب واقفاً فى الشمس، أو مَشى بعرض الطريق، لا يعرف أولاده ولا يعرفونه.

■ (بابا فى قطر بيحوّل لنا فلوس كل شهر وبيتكلم فى التليفون كل أسبوع، وبييجى كل سنة شهر بقاله كده عشر سنين).

■ بابا نايم، وهو صاحى بيتكلم مع أصحابه فى الكورة والشغل والنسوان.

■ بابا فى السعودية بيملا زكايب دهب عشان يخزنها ويجوز أختى اللى ما شافتهوش من سن 5 سنين، وماما اللى شكلها عجِّز قوى وبترغى كتير مع جارنا البصباص، بابا عيان وبيقول إن إحنا ما وحشناهوش، بصراحة إحنا بنحبه عشان الفلوس وبس.

■ بابا فى النادى بيلعب سكواش، بالليل بيمسك إتنين ريموت ويلف سجاير حشيش ويضحك فى بلاهة.

■ بابا موجود لكنه بيتخانق مع ماما ليل نهار.

■ بابا عمره ما قعد معانا وقت له قيمة، يقول لنا رأيه فى تعليمنا وحياتنا، لا احنا فاهمينه ولا هو فاهمنا، عايش فى دنيا لوحده مع اللاب توب والفيس بوك وتويتر والإيميل.

■ بابا مسكين بيِتعب قوى، مرة عند الخفير فى العزبة بيشقَّر ع الأرض اللى بارِت، ومرة عند الوزير بيقدم طلب لنقله جنب البيت.

■ بابا مأنتخ وبيستظرف، وبيستخف دمه!

■ بابا فين؟! عنده أمه بتزغّطه وتطبطب عليه!

■ بابا مشغول قوى بيلعب بلاى ستيشن مع أصحابه.

الأبوة فن وغريزة وإحساس ومعرفة، وليست القدرة على الإنجاب، ولذلك لا يجب أن نتعجب إذا رأينا بعض الرجال يرفض أن ينجب خشية المسؤولية، أو لعدم القدرة أو الإحساس الحقيقى بها، أو لأنه يرى أن تحقيق ذاته العملية والعلمية أهم من تربية أولاده، وهذه هى المصيبة التى لا يدركها من تزوج وخلف واكتشف أن مستقبله السياسى، وكنز الذهب والفضة والترقى الوظيفى، هو هدفه فى الحياة وأن الزواج والخِلفة دول كمالة عدد، وأن إهماله لهم عادى.

بعض هؤلاء الرجال يسمى ابنه على اسم أخيه أو أخى المدام، ويسافر الكويت أو بلاد الواق واق ويولى أمرَه للخال أو للعم أو الجار وللدكتور النفسانى، ويطمئن أو لا يطمئن عليه بين الحين والآخر، يدفع للذى يتولى التربية، لكن هو غائب، مشغول، بيعمل قرش للواد الذى أصبح مدمناً، أو بيبنى له شقة، بعد ما فشل فى بناء ابنه نفسه.

الأبوة لا تعنى الشَخط والنَهر والضرْب والحِرمان وعَدْم العافية، ولا تعنى الإفساد والتدليل والإفراط فى تلبية كل الاحتياجات خاصة المادية.

ابنك يحتاجك.. خاصة قبل وعند وبعد البلوغ، لتكون معه وأمامه وخلفه، رجلاً يشرح وينصح.. ينقُد دون أن يجرَح ويمدَح دون أن يمرَع.

ابنك محتاج راجل ملو هدومه يشوفه قدَّامه يفهِّمُه يعنى إيه بلوغ وجنس وزواج ومسؤولية.

اعرف نفسك واعرف ابنك، عشان تربى أولادك لازم تعرفهم كويس، وعشان تعرفهم لازم ترعاهم وتبقى عارف مشاكلهم وهمومهم وحياتهم، يعنى تبقى معاهم، جزء من حياتهم مش بَرَّاها، تضمّهم وتلمّهم وتاخدهم فى حضنك، تمسك إيدهم وتاخد برأيهم وتشاركهم، لا تُشيِّئهم ولا تعتبرهم عيال، وعشان تبقى متواجد لازم توفر الوقت، ولازم تدّبره وتديره، طبعا هتسأل إزاىّ إن شاء الله وأنا بأعمل دكتوراه، وباسعى فى الأرض زى الناس، الأب أب مش C.V، ولا شهادات متعلقة على الحيطة ولا عمارة ولا شركة وعربية وشاليه وأرض وبهايم وزكايب فلوس، الأب كيان دون اعتذار أو تنحى أو اختفاء أو التخلِّى عن المسؤولية، مستقبلك العملى ووظيفتك وترقيتك وطموحك مش هتتأثر إذا أصبحت أب كويس.

هناك آباء لا يعرفون لغة الجسد، بمعنى أنهم غير قادرين على حمل أطفالهم أو احتضانهم أو تقْبيلهم.. ربما لم يتعودوا من آبائهم ذلك، لكن ليس لأبنائهم ذنب، خاصةً فى المراحل العُمرية الأولى.

www.drfadel.net

 

مذنب أم مجنون؟

مذنب أم مجنون؟

الأربعاء 15-09-2010

المصرى اليوم ـ  د. خليل فاضل    ١٥/ ٩/ ٢٠١٠

يُستخدم الطب النفسى عادة فى المحاكم من أجل تثبيت دعائم ضمير المجتمع وأخلاقه العامة.

وحينما تتفق آراء الطبيب النفسى مع حيثيات القضية، فإن الطب النفسى من خلال ابنه الشرعى (الجنون)، يقدم تبريراً معقولاً يساعد المحكمة على الرأفة والحكم العادل، وحينما يريد القضاء معاقبة الطب النفسى والمتهم على حد سواء، فإن المعنيين بأمر العدالة يرون فى الطب النفسى والمتهم أصحاب هدف واحد، ألا وهو تفادى العقوبة، وبالتالى يُنظر إلى المتهم على أنه إنسان شرير، وإلى الطب النفسى كنموذج ساذج للعلم والمعرفة.

فى الحقيقة أنه لا تناقض بين الجنون والشر، بمعنى أنك إذا كنت مجنوناً لا يعنى أنك لست شريراً، والعكس بالطبع صحيح. فالبعد الأول الشر.. أو الشخصية غير السوية.

مجرد قياس لصفات غير مرغوبة مثل أن تكون عديم الأخلاق معتدياً مزعجاً وفظيعاً، من ناحية أخرى فإن الجنون لا يعنى سوى اختلال العقل والإدراك والشعور والتفكير، أى المرض العقلى.

لكن لماذا يقرن الناس مسألة الإجرام والشر بالجنون ؟

هنا أين هى مسؤولية الإنسان عما يرتكبه من أفعال، فإذا كان مرتكب الفعل الجنائى – مثلاً – مريضاً عقلياً فإنه يكون غير مسؤول عن أفعاله، أما الشرير فإنه حتما يستحق العقاب، لذلك فإن ربط الشر بالمرض العقلى يتيح توزيع اللوم بشكل يُرضى الجميع.

إن هناك آراء واجتهادات كثيرة لكنها كلها تتفق على أمر واحد، ألا وهو أن الطب النفسى والعدل كليهما – رغم قوانينهما الثابتة – يُعدَّان من أكثر الأمور إثارة للجدل واختلاف الرأى.

ومن هنا فإن القاضى المتزمت، والمحامى المتمسك بكل حرف مكتوب، والطبيب النفسى الذى يحاول تطبيق معلوماته العلمية على البشر بحرف المسطرة، سيجدون ما يختلفون عليه بشكل مطلق وحاد.

كل هؤلاء لا يمكن أن تكون آراؤهم صحيحة بشكل مُطلق. لابد أن تكون هناك رؤية خاصة لكل إنسان على حدة، ولكل حالة فى شكلها الاجتماعى، ولكل حدث فى بعده وأثره وخلفيته الاجتماعية والإنسانية.

القصة الشهيرة لسفاح يوركشاير (بيتر ساتكليف) الذى قتل عددا لا يحصى من النساء، المعروف منهن فقط ست عشرة امرأة..

أجمع استشاريو الطب النفسى على أنه مريض بفصام العقل (السكيدزوفرينيا)، والقضاة يعرفون أكثر من أى أحد أن أطباء النفس صادقون، وأن (ساتكليف) فعلا مجنون، لكن العرف الاجتماعى، والحرص على مشاعر الرأى العام، يستدعيان أن يكون المتهم مذنباً ويعاقب، لكن الطريف فى الأمر أنه بعد سنوات من سجن (ساتكليف) نُقل بأمر قضائى إلى مصحة خاصة للأمراض العقلية.

فى النهاية فإن العدالة ومؤسساتها حينما تأخذ بين جناحيها طب النفس وعلومه، فإنما تحاول قدر إمكانها تكوين ترسانة تدافع عن المجتمع وأفراده، وهناك من يشير بأصابع الاتهام إلى الطب النفسى باعتباره أحد أسباب وصول بعض الناس إلى أن يكونوا مرضى بهذا الشكل. بمعنى عدم توفيره شكلا وقائياً عملياً للناس المعرضين للإصابة والاكتفاء بعلاجهم، وكذلك بعدم توفيره فرص التأهيل، لا بأن يكون العقاب وحده وسيلة للردع. إن البيئة المحيطة بكل سلبياتها وتوحشها تؤثر بالطبع على كيمياء المخ العصبية فتولد الحماقة والقتل لدى أفراد ليس لديهم أى استعداد إجرامى مُسبق. بمعنى انبثاق شريحة جديدة من الناس يتكوّن فيها الخطر والظلم والحرمان.

وكأن كل قتل يجىء تراكماً لما قبله..

وانتهاء بفظاظة العيش وتداخل كل موبقات المجتمع، إلى الذهن المريض المعتل فى تصورات انتقامية.

إن هذا القتل الجديد يظهر بعده القاتل نادماً ممسكاً بالمصحف الشريف ومبتهلاً لله سبحانه تعالى، لا ينفك بعيداً عن ثقافتنا الحالية مشوشة الفسيفسائية (متعددة الألوان والأشكال) فاقدة الهوية، مائعة الهدف ومعتمة الرؤية؟! ثقافة مجتمعية مشطورة متداخلة متشابكة مع التعدد والتشتت، المزج والخلط بين القنوات الإباحية، الفضائيات المفتوحة، الأغانى الهابطة، الصحف الفارغة، الإخباريات المدمنة لمشاهد العنف وعذاب القبور، فأصبحنا كمجتمع وكأننا نجرى لحظياً جراحة ترقيعية لإضافة أجزاء صناعية إلى بنية المجتمع.

وحين يفحص الطبيب النفسى قاتلاً، فإن الحالة تكون واضحة ويعتمد تقريره عمّا إذا كان المجرم مصاباً بأعراض حادة وقت ارتكابه الجريمة؟

ورغم صعوبة هذا الأمر يعتمد الفحص على اختيار الدوافع، الأفعال، والإدراك لدى القاتل، وأكثر ما يزعج فى الأمر هو أن يلبس القاتل حلة الجنون من أجل تفادى العقوبة وهى مسألة يمكن حلها بالملاحظة والمتابعة المستمرة داخل السجن على مدى زمنى معقول.

ويكون الحل صعباً أيضاً فهو يتراوح ما بين العلاج داخل مستشفى خاص (أشبه بالسجن) أو العقاب.


 

 

انتحار الأطفال

انتحار الأطفال

الأربعاء 29-09-2010

د: خليل فاضل

الأربعاء 29-09-2010

هكذا جاء الخبر صادقاً يتصدر الصفحة الأولى من («المصرى اليوم» 24/9/2010)a وذُكر أنه فعل ذلك حتى لا يذهب للمدرسة! أحمد محمد مرسى شنق نفسه بحبل يتدلى من عرق خشبى بسقف حجرة فوق السطوح، حَكَت الأم الحكاية، أنزلته ونقلته إلى المستشفى، ولم تتهم أحداً بالتسبب فى وفاته! لكننا نتهم ونعتقد أن عدم الرغبة فى عدم الذهاب إلى المدرسة (إذا كان ذلك صحيحاً) وراءه حال وأحوال (وكلها افتراضات نظرية).. جو المدرسة، تحرش أو بلطجة، مدرس مفترٍ، أو الأم نفسها، لكن أين الأب؟ هل هو منفصل، وما طبيعة جو البيت؟ هل يعانى أحمد من حالة شنْق معنوى أو جسدى سبقت شنق النفس حتى الموت، هل اعتدى عليه أحد بأى شكل فى الشارع أو الحى، مليون سؤال وسؤال.. ربما لن يصل وكيل النيابة إلى إجابة عنها؟

تُرى هل رأى أحمد جثة «عمرو» وهى مدلاة من على عامود إنارة على كوبرى قصر النيل فى التليفزيون قبل بضعة أشهر؟

هل هذه رسالة تدعونا لإعادة فتح ملف نفسية الأطفال فى مصر 2010.. هل هدَّد أحمد بالانتحار؟ كما صرح لى ولد عنده سبع سنوات ذات مرّة قائلا إنه قد ملَّ من خناقات أبويه ومن الحياة؟ هل تمنى أحمد الموت؟ هل كان مكتئباً منعزلاً، ونحن بالعافية، ندرك اكتئاب الكبار، فكيف بنا سنرصد اكتئاب الأطفال.. أم أنها حقاً رفاهية فى وطن متعب ومرهق، هل انطوى وانعزل وشال همّه فى قلبه ومات؟!

انتحار فى الطفولة له مغزى كبير، لأن المراهق الذى لم يبلغ سن الحُلم لم يعاصر الحياة بكل لوعتها وميوعتها.. عاصرها 12سنة فقط، هل كان له أصحاب؟ كيف كانت حالة أسرته المادية؟ هل تعرض لاغتصاب؟ هل شاهد الوزير أحمد زكى بدر فى التليفزيون يُصرِّح بما يصرِّح به كثيراً فخاف دون أن يفهم، أم أنه قد فهم كثيراً وكبر صغيراً؟ هل عانى من (الخُواء) رغم هيصة الانتخابات؟ هل كان يعرف باسم (خالد سعيد) وخشى أن يلقى مصيره فقال (بيدى لا بيد عمرو؟!).. هل كان هناك تواصل بين البيت والمدرسة أم أن المسألة تحصيل حاصل! مع الإنترنت والفيس بوك وملحقاته، التليفزيون الجهنمى وكل هذا الجو المشحون بالعنف والقتل والجريمة بشتى صورها حتى فى أفلام الكارتون، ذلك الذى يدخل أطفالنا الذين ولدوا فى التسعينيات إلى عالم جديد وغريب معقد ومتباين وغير متصالح لا مع نفسه ولا مع الدنيا والناس، لكن مع الموبايلات وشركاتها، مع البلوتوث وسطوته، مع الفيديو كليبات وانتقالها كالفيروس الشره.. شاهدت بأم عينى شاباً فى السابعة عشرة من عمره فى حالة جنون مرحلى استمر عدة أسابيع لمجرد أنه المُصلِّى المؤذّن المُقيم لشعائر دينه قد شاهد بالصدفة مع صديق فيلماً إباحياً، واستدعى علاجه حقناً ودواء، أعادَهُ لحالته السليمة بتعديل كيمياء مُخِّه العصبية المتوترة المتأججة والمشتعلة.

لسنا بصدد التساؤل فحسب فى حكاية أحمد، لأن التساؤلات والحكاوى فى بلدنا أصبحت أكثر عدداً من الليمون على أرصفة الشوارع.

الحكمة القديمة تقول (الوقاية خير من العلاج)، بمعنى أن ننتبه وأن نتعلم وأن نتأمل، أن نُولى أولادنا بعض الوقت، أن نُحسن الإنصات لهم، لأننا شعب تعود ألا يُنصِت، يسمَع ويُفكر فى أمور أخرى قبل إعْمال العقل والحكمة.

أن نبدأ حملة بيت بلا تليفزيون، أسبوعاً فى الشهر ويوماً فى الأسبوع، أن ندرك كُنه الأمور وعُمق الأشياء، أن نحاول قدر الإمكان الخروج من الأربعة جدارن إلى الكورنيش والحدائق العامة.. أن نسمع الموسيقى ونشاهد المسرح ونقرأ الكتب، أن نتعلم ما استطعنا مسألة (الإرشاد).. أى توجيه الأبناء لا تربيتهم برسائل المحمول ومكالمات التليفون، أن نُخرجهم من ذواتهم ونُركز على كيانهم ووجودهم، ألاّ نساعدهم على إشعال التنافس والتناحُر (قال لى تلميذ فى عمر أحمد الذى مات شنقاً أنا باحلم أكون تاجر سلاح، أنا عايز أبقى غَنى غنَى فاحش).. أن نرعاهم ونُربيهم ونوليهم أمورهم ونشركهم فى أمورنا، ألا نفسدهم بالمال الكثير والتدليل المائع، وألاّ نهملهم عاطفياً فيشبّوا بلا عاطفة وبلا حنان أو دفء يلزمهم لشحذ طاقتهم فى مواجهة الحياة الصعبة، ألاّ نتركهم للشغّالات أو الجدات أو الجيران.

تعلم معنى أن تكون أباً حقيقياً، وأن تكونى أماً رؤوماً، حتى لو كان هناك انفصال بينكما، حَدِّثا أنفسكما يومياً: هل تعامل طفلك صَح، أم أنك تُفرغ فيه شحناتك السلبية، وتريد أيها الأب أن تُعوض به نقصك وتحقق من خلاله ما فشلت فى تحقيقه سلفاً.. اسأل نفسك دائماً: ما تأثير قراراتى على طفلى؟

فلتُحب طفلك كما تريد لكن احذر أن تحوّله إلى دمية تتملكها وتُشكلها وتضعها على حِجرك حتى يصل لـ38 سنة مثلاً، فلا يعمل ولا يتزوج مثلما تلك الحالات التى تمتلئ بها العيادات النفسية.

كن جزءاً من حياة طفلك (ابنتك، ابنك) شاركهما أصدقاءهما، مدرستهما، دروسهما، ليس بمعنى أن تضحى بعملك أو بحياتك وتوهبها لهما كلية، لكى توزن الأمور بالميزان الحقيقى، الوالدية تعنى التربية، الوجود، الأخلاق، الضمير، التكوين العام للشخصية، لازم ولابدّ أن تخصص لها وقتاً ومجهوداً (مفيش حاجة اسمها أنا باشقى وباتعب وباسهر وباشتغل ليل ونهار عشان أسعدكم)، فلتكن كل قواعد البيت والأسرة واضحة ومطبقة على الجميع، لا رشوة للطفل ولا شراء لذمته ضد أحد الوالدين، لا للتلصص أو التجسس عليه، ولكن فى وضوح ترى بعينيه كل شىء وتراقب كل أمر، ولتعلم كل الأطراف أن القواعد قد تتغير طبقاً للظروف، لكن الثوابت تظل بيّنة ومُلزمة، تبنَّ استقلالية ابنك ولا تدعه يكون نسخة ماسخة منك.

أعطه الطريق وليبحث عن بوصلة الاتجاه بمساعدتك، ارمِه فى اليمّ وأنت على الشاطئ.. عيناك عليه وطوق النجاة فى يديك، فلتكن ثابتاً على موقفك لا تهتز، أو تتأرجح.. حاول ألا تكون عنيفاً بأى شكل، لأن العنف يولد العنف، فسّر له ولها قراراتك ولا تُجب (أهو كده وخلاص، كده يعنى كده، معرفش، مفيش نزول للنادى.. مثلاً).

وأخيراً عامِل طفلك باحترام، لا تصغر من شأنه ولا تحقر من وجوده ولا تشتُمه أو تسبّه أو تُجبره على عمل أشياء لا يصحّ أن يقوم بها تحت أى ظرف.

www.drfadel.net