مقالاتي في الصحف المصريه

موت النظام التعليمى التقليدى

موت النظام التعليمى التقليدى

الخميس 4-11-2010

د:خليل فاضل

الخميس 04-11-2010

إن (موت النظام التعليمى) فى مصر الآن هو محصلة حتمية لحال المجتمع، وما حدث ما هو إلاّ تأصيل وتقنين للفردية، السعى إلى إصابة الهدف بقليل من المجهود، واختزال العلم فى إجابات عن الأسئلة بعيداً عن الروح النقدية.

أعتمد هنا على دراسة (لعادل حدجامى) تخص التعليم فى فرنسا ومطالعات (لريجس دوبريه).

قبيل عامين كتبت فى (المصرى اليوم) عن القضية ذاتها وفى ظل التطورات التى يشهدها النظام التعليمى المصرى، مع كل تحفظاتنا عليه من باب أن فيه روح القسوة لا الإدارة والتنظيم، روح الخوف لا الرغبة فى التغيير، تقنية القَصّ واللّصْق، بمعنى عدم وضوح خطة محددة، لا مجرد تصورات تطبق حسبما اتفق، وحتى أعفى التعليم المصرى من حزنه أو إحساسه بالذنب، فإن التعليم بشكله التقليدى فى العالم كله تقريباً فى محنة ويحتاج إلى إعادة صياغة، إلى ثورة تحتية، تفككه لتبنى صرحاً جديداً يعتمد على الإنسان.

المدرسة الحكومية الآن فى محنة شملت دولاً عُظمى كفرنسا وأمريكا، وطالت دولاً أخرى كتشيلى، نعم هناك أزمة مُستفحلة للمدرسة، ففى 29 يوليو 2010 أعلن باراك أوباما خططه للإصلاح التعليمى مؤكداً أن النمو الاقتصادى للبلاد لن يتحقق إلا بمدارس البلد، ورصد لذلك4.35 مليار لتحقيق أفضل البرامج التعليمية محدداً المدارس الضعيفة والإدارات المريضة والمناطق الموبوءة بضعف التعليم والمُتعلم والمُعلم،

وقال أوباما إن هدفه ليس طرد المعلمين أو إذلالهم أو الحَطّ من شأنهم، لكن هدفه هو الالتزام والاهتمام، المرجعية لمنهج علمى مدروس للتطوير، بدون أهواء أو مزاجيات أو حتى انفعالات، وأنه لن يقبل بأى سياسة للأمر الواقع، مؤكداً على أن الولايات المتحدة أصبحت متأخرة عن دول أخرى كثيرة فى التعليم، وقال (إذا كنا نريد النجاح لبلدنا فلن نقبل بالفشل فى مدارسنا).

هل عرفنا قدر أنفسنا؟ إننا فى مصر فى أزمة خطيرة، ولا نملك إمكانيات الدول المتفوقة علمياً وتكنولوجياً، والأمر لدينا أصعب وأشدّ قسوة، هذا لا يعنى أنه يستعصى على الحل، لكنه يعنى أن المسألة أعمق وأشدّ، وأن القتال من أجل استعادة البناء التعليمى لجموع الناس سيكون أشدّ ضراوة.

إذن لا داعى للإنحاء باللائمة على جذور الأمر فحسب منذ نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات عندما كنا نتفوق على كوريا الجنوبية تعليمياً، الآن هى تتفوق على أمريكا فى مجالات علمية تعليمية عالية التقنية مثل مادة الرياضيات Math عصب العلم الحديث ونواة التفوق، فى تلك الفترة أهدرنا الطاقة والمال على الحروب والعنتريات وعبادة الفرد والغرق فى الشعارات الجوفاء،

كما أنه لا يجب أن نلوم هذه الأجيال، لاحقتها والقادمة عليها لأنهم أبناؤنا نحن الذين ربيّناهم وعلّمناهم، ولأن أولادنا ليسوا مجرد قطيع من العَجزة الحافظين «صَمّ»، وليسوا فاسدين قيمياً ومعرفياً وإنسانياً، فهم لهم حياتهم وعمرهم وعالمهم وكونهم، ولهم فرصهم وحياتهم ووجودهم، ولابد من الاستثمار فيهم.

أما عن المدرس الضلع الثانى للتلميذ فى مثلث (التلميذ، المدرس، وليّ الأمر)، فلا يجوز أن نجلده جلداً، أو نُعنِّفه، ولا أن نلين معه؛ فهو غير مسؤول- بالطبع- عن تخلف نظام بأكمله، لأنه مجرد ترس فى آلة ضخمة مترهلة، ومُنفِّذ لسياسات وهو ليس رسولاً، إنه إنسان له مشاكله وهمومه، وهو فى النهاية كما يقول حدجامى تلميذ سابق ومنتوج لمجتمعه.

النظام التعليمى الحكومى فى مصر تحديداً جزء من نظام الدولة ومؤسسة من مؤسساتها، وتخلُفه بل وتردّيه الشديد، مرتبط بتدنى الذوق الفنى، وحوادث الطرق البشعة، بهبوط المستوى الأخلاقى وعدم القدرة على الإتقان، الخلل الشديد الذى أصاب الأمة والناس، ونخر هيكلة الدولة فى مبانيها وكراسيها وفصولها وعلاقات الناس ببعضهم البعض، زحف برأس المال الطُفيلى، وظهور الفئات الفظّة والفجّة وشراء الذمم وشراء الشهادات، تفشّى الواسطة والمحسوبية والغش والتدليس وسرقة المال العام، ووضع اليد على الأرض والعرض بطول وعرض مصر!

المدرسة، مدرسة، لها ما لَها وعليها ما عليها، تنقل وتُرسخ وتُربى وتُعلم وتستمد وجودها من تراكم خبرات الأجيال، والمُدرس هنا مُبِّلغ له وسائله، أهمها اللغة وعناصره الكتاب والكراسة والسبورة، زمن كالسلحفاة، عقيمٌ مُملّ لا يحمل ابتكاراً.

(ترى حين أفقأ عينيك.. أثبت جوهرتين مكانهما، هل ترى.. هى أشياء لا تُشترى).. تُرى حين يسجل ابنك «غياب» لأن تحية العلم فاتته فهل يعنى ذلك تنمية الانتماء للوطن؟ تُرى حين أقضى على الدروس الخصوصية والكتب الخارجية قدر الإمكان؟ تُرى سأُعطى النظام التعليمى العمومى قُبلة الحياة؟ لا أعتقد.

المدرس وولى الأمر، البيت والمدرسة هما المسؤولان عن تشكيل الطفل وتحويله إلى مواطن درجة أولى أو عاشرة، مريض أو آلة أو لص أو عبيط أو حَلنْجى أو فهلوى أو إرهابى أو بلطجى أو مُتحكم فى غرائزه مُستخدم لطاقاته، مؤهل للانخراط فى مجتمعه ومتفهم لاحتياجاته وله رؤية فى مستقبله ومستقبل البلد.

هذا هو دور المدرسة تخريج مواطنين نافعين، هذا الأمر الآن محل ريبة وشك، مُهتز، لأن السينما والتليفزيون والفضائيات والكوفى شوب والنادى سرقوا الدور المنوط، وطُردت المدرسة والمدرس والتعليم وصار الأمر كلُّه ملكاً للإعلام.

ثورات العالم فى القرن الفائت تكنولوجية وإلكترونية ورقمية، مما حوّل وعى الانسان المُعاصر وبدّل من سلوكه، ووسائله وإمكانياته، نُضج فى قيمه وتصوراته. تواصل الناس وتبادلوا المعرفة والمعلومات، الأخبار والأحداث، طرق العلاج ومكونات الأشياء، مما حدَّد المسافات والوقت وعلاقات الفرد بالآخر داخل بيته وعبر الأثير وفى كل الكون.

أتاحت ثورة الديجيتال انتشار الفضائيات واستخدمت السماوات المفتوحة كُليةً.

لقد تعودنا نحن المصريين على (الخُلاصة) (الزُبَد)، (البهاريز) بأقل مجهود أو بدون مجهود لقد تعود المصرى على الاختصار والاختزال وتسطيح الوعى، نظام (حلَّق حوش)، تعوّد عشق النهايات السعيدة (فى الكورة والامتحانات والعلاقات الانسانية)، لا تهمّه عملية صُنع النجاح، وهذا اتجاه خطير للغاية لأنه يصنف الأعمال والناس والدنيا والدين إلى ضِدّين، يا إما الناجح يرفع إيده أو الساقط فى صفيحة الزبالة، كليات القمة أو القاع، يا إما عملاق أو قزم عاطفى متفوق دراسياً يعانى من أمية ثقافية اجتماعية حادة.

لا بد من السعى لتماسك اللُحمة الاجتماعية، روح الفريق، التربية على المواطنة. إعلان تامر وشوقية عن منتج كورى يُصَنَّع فى مصر، يُطمئن الزبون بأن فريق الصيانة الكورى موجود فى مصر، جارح للغاية.. فلنستثمر فى أنفسنا وأولادنا.. قبل قراراتنا وأجهزتنا ومبانينا وأغانينا الفرحانة جداً وبرامجنا الساذجة للغاية.

kmfadel@gmail.com

 

 

 

الشخصية المصرية والانتخابات

الشخصية المصرية والانتخابات

الأربعاء 1-12-2010

د:خليل فاضل

الأربعاء 01-12-2010

من نحن؟

بناة الأهرامات وأصحاب الحضارة القديمة العظيمة والتاريخ الطويل العاصف والمتقلب.

حضرت بالصدفة احتفالاً مليئاً بألعاب النار والموسيقى الغربية وصيحات الناس بهجةً وغبطة وانتشاء لمطاعم تسع لألفى وخمسمائة أكول ومِشيِّش وشارب للقهوة ولاعق للآيس كريم، و16 مطعماً (مجمع مطاعم مصرى يدخل موسوعة جينيس بـ7 آلاف زائر و٥٧٠٠ متر «المصرى اليوم» 24 نوفمبر 2010).

«يجد المصرى نفسه محاصراً بكم من الأغنيات والأمثال والأقوال والأشعار تُمجده وتسمو به إلى أعالى الجبال، ونجد المطربات العربيات الجميلات يتسابقن إلى إرضاء غروره ودغدغة حواسه الوطنية بأغنيات ذات رنين أصيل وجميل مثل (أنا المصرى) للطيفة، والتى تمتد فيها كلمة المصرى بطول الحنجرة وعرضها، تتنامى على أوتار الآلات وفى جوفها، تتضخم وتزداد فخامة مع تقنيات الصوت الرقمية المدهشة، ولا يفوتنا أن نذكر محبوبة الشعوب الناطقة بالعربية (نانسى عجرم) وهى تغنى للمصرى (وكل مصرى الله عليه)، مما دعا أحد الماكرين للتساؤل:

وهل أيضاً(كل هندى وكل صينى وكل إنجليزى،… مثلاً .. الله عليه…؟)، أم لأننا بالفعل كما شدت نانسى (ملوك الجدعنة)؟ ربما.

إلى الأناشيد القومية التى تدعو المصرى (قوم يا مصرى مصر دايماً بتناديك) إلى آخر كل تلك الترنيمات والأهازيج التى ترددت فى الإذاعات والأبواق ومكبرات الصوت، مما دعا أحد الخبثاء إلى تحوير مقولة مصطفى كامل (لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصرياً ) إلى (لو لم أكن مصريا لحمدت الله على ذلك)، ليس انتقاصاً من قدر مصريته تلك، ولكن إحساساً بعدم جدواها، وأنه لو أصبح أفريقياً أو آسيوياً لربما انتفع بوطنيته تلك،

ولرَسَم لها ملامح تنعكس على شخصيته، وتنبثق من بعض ذلك ومن أكثر منه، علامات وإشارات وطقوس ترتمى فى وعاء الشخصية المصرية، تنصهر فى بوتقتها، مع فرعونيتها، قبطيتها، عروبتها، إسلامها، إفرنجيتها، عثمانيتها، مماليكها، صعيدها، سواحلها، لتبلور هذا السؤال الملح: لماذا نبحث الآن عن ملامح، أبعاد، مكنونات، أشكال، صور من ماض سحيق إلى ماض قريب، وحاضر مُعاش،

إلى مستقبل مرهون بحسابات شتى وقوى تتربص بالأنا المنفوخة تلك للمصرى، فى ظل تحولات إقليمية شرسة للغاية يزكم أنوفها البارود، ويعمى أعينها الدخان، ترتج أحشاؤها بفعل الانفجارات، تلتمع مع قنابل الليزر والمجازر والتعذيب والاغتيالات؟

نعم لقد أصبحت فلسطين وأصبح العراق فى حضننا، وفى ظل تحولات عالمية رهيبة لا تَخفى عنّا مؤامراتها الدقيقة، إلى تحديات اقتصادية بالغة تمتد من الأفراد إلى الموارد الأساسية، ومن الحى والشارع، إلى البحر والجو والبر، من البورصة إلى سوق المال، إلى العالم كله بأسره.

هنا تدخل الشخصية المصرية إلى الفُرن، تلين كما يلين الحديد، ثم تسقط فى بئر الثلج لتصبح أقسى من الفولاذ!!!

ولنا أن نتساءل أين هى تلك الشخصية؟ ما هى أبعادها؟ ما مدى صحتها، وأين تكمن علّتها؟ هل فى خلوها من الأعراض، أم فى إيجابيتها المختبئة، فى مناعتها ومقاومتها للسقوط؟ أم فى قدرتها على استخدام قدراتها ومُقدّراتها، لكى تنمو وتستثمر فى البشر أكثر ما عندها وأغلى ما فى قلبها؟!

سؤال العصر فى 2006 من نحن بالفعل؟ ماذا نفعل؟ ما الذى حلّ بنا؟ كيف ولماذا؟!… رغم كل محاولاتنا للرصد والكشف والتحليل والغوص وسبر الغور، تظل المُبْهمات ويظل الغموض؟! لكن لنا شرف محاولة الاقتراب من هذا الشأن العصىّ على الفهم حتى لو بدا واضحاً كالشمس….

نعيد السؤال بصيغة أخرى: هل هناك بالفعل خصوصية لنفسية الإنسان المصرى؟؟

هذا موضوع خاص جداً، خاص بكل المقاييس، لأنه يتناول أدق وأصعب مكونات الإنسـان، نفسه، المرآة التى تعكس كيـمياءه، روحه، انفعالاته، وحياته بشكل عام.

نعم هناك خصوصية لنفسية الإنسان المصرى؟ ببساطة لأن المصرى يتكون من عجين تتمازج فيه مكونات كثيرة متنافرة ومتناغمة متقاربة ومتباينة، تاريخ وحضارة، سياسة وعلاقات داخلية وعربية، طريقة خاصة فى التعبير، لغة الجسد، التلويح بالأيدى، طريقة الكلام، الصياح، الصراخ، البكاء، الضحك، إلقاء النكت، النواح، البوح، إمساك الكلام، الوجوم، الحزن الشفيف وذلك الدفين، الألم الذى يعتصر القلب، والذى يشدّ الرقبة والرأس،

الإبداع بكل صوره، العنف بكل أشكاله، الطيبة والسماحة، الغلظة والفظاظة، التوتر اليومى الذى كاد أو بالفعل أن يصبح عادة، فقدان الأمن والأمان، التشتت والضياع، الأصول والثوابت، القِيَم والمحبة، التواجد والهجرة، الجنون والمجون، الشروخ التى بانت فى ظهر البلد، والتجاعيد التى ظهرت على وجه الشباب، الفرحة والبهجة، التدنى فى الذوق ومحاولة التمسك بالرقى فى المعاملة والفن، الفلوس وما جلبته من مصائب ومن غنائم، انعكاسات التغيرات فى مظاهر الشوارع والنجوع والقرى، الأطباق الهوائية اللاقطة (الدِشَّات) وهوائيات التليفزيون، ماء الترعة وماء النهر وماء البحر.

كل هذا وأكثر -مما لا يتسع له المجال- يشكل القاعدة الرئيسية لخارطة النفس فى مصر.

بالنسبة للمرض العقلى فلا دليل على أن مصر تخرج عن الإطار العالمى الذى يحددها بــ 1 إلى 2.5 فى المائة من عدد السكان. فى الاضطراب النفسى، هناك ظواهر تشير إلى ازدياده أو على الأقل عدم الاستحياء فى طلب المعونة والإرشاد والعلاج، مما قد يفسر ظاهرة الازدياد، لكن يكاد الكل يجمع على أن ثمة تغيراً ما، تغيراً ملموساً محسوساً ظاهراً وبايناً للعيان، فى العيون.. فى الخلجـات، حول العينين وعلى الجبهة، تغير فى السلوك الحياتى المعاش يدركه الذى يأتى ويمضى، الذى يقترب ويبتعد.

إن النفس المصرية قد تغيرت، ربما ليست الصورة قاتمة وربما إنها أحد إفرازات عصر العولمة فى العالم ككل، لكن ولأن مصر والمصريين لهم سمات تسّهل قراءتهم فمن ثم تكون عملية التعرف على خطوطهم المتعرجة وعلاماتهم الإيجابية والسلبية سهلة.

هل بلدنا على الترعة تغسل شعرها؟ هل جاءها اكتئاب يستلزم حبة مبهجة أو صدمة مؤثرة؟ أم أنها (مش ناقصة)؟ أم جاءها نهار لم يستطع دفع مهرها؟ هل الحلم أمرٌ مشروع البوح به؟ هل الرومانسية عيب خطير؟ أم أن النفس المصرية قد أصبحت عجينة ياسمين مخلوطة بزيت كيماوى، سببته مخصبات التربة وحَرّ الصيف الذى فاق الحدود؟.

ليس هناك مجال للشك أن لعجينة الياسمين تلك عبقها، لكنه ليس نفس العبق الأول الأخضر الفوّاح، فما الأسباب يا ترى؟ هذه هى محاولتنا هنا لرصد توتر الزهر وحزن الورد ونقاء التربة، ربما بشىء من التفاؤل الحذر والضرورى.

www.drfadel.net

 

 

الأنا المتوحشة (الشعب والمجلس )إن مشكلة العالم هي أن الأغبياء يملؤهم اليقين الكامل ، بينما الأذكياء هم الذين يملؤهم الشك دائماً

الأنا المتوحشة (الشعب والمجلس )إن مشكلة العالم هي أن الأغبياء يملؤهم اليقين الكامل ، بينما الأذكياء هم الذين يملؤهم الشك دائماً

السبت 11-12-2010

الأنا المتوحشة .. الشعب والمجلس

للدكتور خليل فاضل

الدكتور خليل فاضل 11/12/2010
إن مشكلة العالم هي أن الأغبياء يملؤهم اليقين الكامل ، بينما الأذكياء هم الذين يملؤهم الشك دائماً
“ برتراند راسيل”  ( 1872 – 1970)
ما حدث هو إفراط‏ ‏ ‏فى ‏التحايل‏ ‏إلى درجة‏ ‏تشويه‏ ‏الحزب والمجلس الشعب والوطن، ‏نراه نوعاُ من الاعتياد إلى درجة التصديق و‏التثبيت‏ لممارسات منذ 1952 فيها هوس شديد بالاستئثار بالسلطة والهيمنة عليها مع الأنانية المُفرطة التي لا تسمح لأحد أي أحد باقتسام الكعكة مما‏ ‏يعوق‏ ‏الديموقراطية الحقيقية، ويدفع إما إلى الإنكفاء على الذات أو العنف والدخول قسراُ إلى منطقة خطرة تحت الأرض.

إن انتفاخ الأوداج، وبروز الكروش، ازدياد سماكة القفا، تورم الأنا وتضخمها ـ مرضياً ـ إلى حدّ التطاوس والتعالى والتكبر والإنتشاء والكذب علناً جهاراً نهراً وليلاً حتى مطلع الفجر، أمام الكاميرات والميكروفونات، فى العاصمة والمدن الكبرى والكفور والحواري دون التفات لأصوات المعارضة الضعيفة.
وكلما زاد الفوز الساحق والانتصار العظيم، زاد الطين بلّة، تزيد الأسطوانة المكررة شروخاً، وبصرف النظر عن السياسة ولعبتها، لعبة الانتخابات والانتهاكات، شراء الأصوات، تدخل الأمن، قهر القضاة، تسويد البطاقات، إن مناقشة كل هذا (الأمر الواقع) ماهو إلا هدر للوقت والطاقة والإنسانية، كما أننا معشر “الشعب” لا نملك سوى إدعاءات السفهاء والمارقين والعابثين بقدر هذه الأمة .
جُلّ الأمر ليس له أدنى علاقة لا بالديمقراطية ولا بتمثيل الشعب الغلبان الهفتان، لا بالمجلس الموقّر الذى لا علاقة له بالشعب، ولا بفوز الوزراء الساحق دليلاً على شعبية هذه الحكومة العظيمة، لكن الأمر يتعلق بتلك  النرجسية المرضية، عشق الذات لدرجة الهوس، تفتت الأنا وتشظيها لأفرادٍ بعينهم، ذوبانها ليصبحوا شَبَه بعض، صوتهم صوت بعض، يتصورون أنفسهم الوطن والمصير، الماضى، الحاضر والمستقبل، الوجود، لقمة العيش، الجنيه الجِبس، والجنيه الجِلد والمعدن والورق، هم التعليم والنهضة والملف النووى، صوت الساحِر وجَلا جَلا، النار الخارجة من جوف الحاوى، فتصفق الجموع حسرةً وإعجاباً، وتتكون منظومة بارانوية (اضطهادية) ظاهرها الهوس وباطنها الرخاوة والاحساس الشديد بعدم الأمان، يصرح فها المُنظِّم “لاوجود‏ ‏فى ‏هذا‏ ‏العالم‏ ‏إلا أنا” ‏أو‏ “كل‏ ‏الاتجاهات الأخرى‏ ‏كاذبة‏”.
ونعتقد أن كل سلوكياته العصبية تلك أوضحها إسقاط رموز لا يمكن إسقاطها هكذا مثل منى مكرم عبيد

ما هي إلا رد‏ فعل ‏ نراه‏ ‏فى ‏‏السيكوباتي المُصَّرِّح‏ ‏المبنية‏ ‏ ‏ “أنا‏ … ‏فقط، ‏حتى ‏ولو‏ دمرت الآخر”.
يذكرنا هذا بسيندروم “الفصام‏ ‏البسيط‏” ‏والتى ‏لا‏ ‏يشكو‏ فيها المريض ‏من‏ ‏ضلالات‏ ‏أو‏ ‏هلاوس مباشرة، ‏الواضح هو أن هذا الفصامي لديه‏ ‏‏تماسك‏ ‏في نسيج‏ ‏ضلالاته‏ التي ‏تظهر‏ ‏واضحة ‏عند مواقف الحسم لكيانه الهش.
إذن فكل هذه الهيصة والزيطة نراها دفاعاً مستميتاً ‏ضد‏ اللاشعبية والفناء والاختفاء كأشخاص وكحزب.

تخيلوا  معى الناجين من النار، من قهر الذل وانكسار الغلبة والسنج وعنف رأس المال الشارى للضمائر.
نحن الناجون من جحيم النرجسية (عشق ذواتهم إلى درجة العفن) نحن المبتئسون نعانى من كرب وصدمة التعرض لكل ذلك، ولو فى مانشيت وصوت راديو وإعلان تلفزيون، يافطات تحجب ضوء الشمس، نحن نجونا وما زلنا نعيش كأشباه المواطنين وظلال الرعايا، سلّمنا أنفسنا للسيكوباتى الشاطر والماكر واللاعب بالبيضة والحجر، نحن الضحايا، ما زلنا أحياء … الله أكبر،  نأكل ونشرب وننام، وهو صامد واثق الخطى من سلطته وسطوته.
المصيبه أن حلّ المشكلة وعلاجها يكمن في أن المُسيئ ينصح المُساء إليه، الجلاد يعتنى بضحيته،هذا فى صفحات الطب النفسى يُسَّمى”اضطراب الشخصية السيكوباتيه النرجسية”.
السيكوباتى المريض بجنون العظمة، يلوى عنق الحقائق،  والمصيبة، مرضه مُعدى يختفى فيه الضمير، سرطانى، له مضاعفاته، والفظاعة أن ذلك السيكوباتى  الذى لا يُحس ولا يسمع، ينصح ويمتلئ بالصدق، والوعي واهتمامه بضحاياه، بمعنى إنك ستظّل مريضاً وفقيراً ومحتاجاً وأنا النرجسى السيكوباتى صاحب الفضل عليك، لا تتمكن من الشفاء لأن اللعبة هكذا ستنتهى، وإذا التهم القط كل الفئران فلن يتسلى بالمطاردة ومصّ الدماء.
لنا بعد كل ذلك بعض الأسئلة المُهمة الخطيرة والحرِجة أيضاَ:
هل يتحول الضحايا إلى جلادين نرجسيين منتفخى الأوداج سميكى الجلد عريضى القفا بعد فترة .. نعم للأسف، لأن النرجسية والسيكوباتية مُعدية تنتشر كفيروس الأنفلونزا مع الرذاذ والهواء الملوث وداخل الغرف المغلقة، لكن الموضوع  بعيد عن الواقع عن الحقيقة؛ فالسحر ينقلب على الساحر، والعمليات النفسية الداخلية من إسقاط وتماهى تُجبر الضحية من المفسَدِين على التشبه بالمُفسِدين.
انهم النرجسيون الجدد مثل (المحافظون الجدد) يسألون الأسئلة ويغيرون النتائج، يتخيلون أن الضحايا تُفرقهم العصا (سنج وسلاح نارى وأبيض) ويجمعهم البنكنوت.
نرد ونقول أن مرض هؤلاء من تضخم الأنا وتورمها، مرض ليس معدياً لأن جهاز مناعة الناس والشعب والبسطاء والأمناء، الشرفاء والحكماء لازم يغلب (إذا الشعب يوماً أراد الحياة).

دع النرجسى يعطى كما يريد، ويتفسح كما يريد؛ فدورة حياته محدودة، والله العظيم هكذا  يؤكد التاريخ .
بعض السيكوباتيين اللذين امتهنوا السياسة وركبوا حصانها دون أن يكونوا بحق فرسان، يخلقون حولهم قصصاً وينسجون روايات، نوع من السحر يحاولون به تحويل الواقع، يدفعون الناس لاتخاذ مواقف هم يتمنونها لهم، يحددونها لهم، الإنسحاب، انتخاب الفاسد والضعيف والذى لا صوت له، ولهم فى كل دائرة وناحية أشكال، مماثلة، أقزام تشبههم وتغنى غنوتهم .
هناك فى الأمراض النفسية ما يُصطلح عليه باضطراب (مشاركة الضلالة) بمعنى أنا عيّان وأنت جارى أو زوجى، فلازم ولا بدّ أن تشاركنى الضلالة، تركب ورايا حمار الكذب والنفاق، وأقول حااا . تقول ورايا حااا ومن ثم يتحول بعضنا إلى (كارتون ) شخصيات باهتة ماسخة، كالطبيخ البايت أو الحمضان، والبعض الأخر إلى صارخ فى البرية والبعض إلى مُنكفئ على ذاته، مكتئب، يحاول ـ عبثا ًـ لملمة بعثرته القبيحة.

السيكوباتى  لا يتمّكن من الحميمية ولا يفهم معناها ! ويظن أن الناس مثله.
تحوله السلطة والقوة إلى شبح ومصاص دماء، فراكنشتين، كِنج كونج والباقين خرونجات، يسمعون الكلام فى طاعة تفوق طاعة الأخوان العدو الأول المُلهم لحياة المنادين بالليبرالية حامين حِمى الوطن، مُحتكر لكل شيئ الحديد والأكل والأسمنت والأكسجين وأصوات الناس وكوب الشاي المسموم بالغِلّ والحسرة ..
إن‏ ‏العلاج‏ ‏هنا‏ ‏يبدأ‏ ‏بإرجاع‏ الضالّ وضلالاته‏ ‏إلى ‏منبعها، والمهووس يجافيه ‏النوم، ‏باعتباره‏ غائباً عن الوعي أو ميتاً خائفاً من فقدان سلطانه، وقلّة النوم تربك، وعلى الصاحي أن يشحذ همّته.

 

 

 

أجيال تُركت فى العراء

أجيال تُركت فى العراء

الثلاثاء 14-12-2010

 

المصري اليوم ـ 14 – 12 – 2010

بقلم   د. خليل فاضل
السَّحْ الدَّحْ إمبو.. شيل الواد من الأرض.. إدِّى الواد لأبوه»..

ربما لم يخطر ببال عدوية أن للأغنية معنى عن الأب الذى ذهب ولم يعد، راح لبلاد برّه أو جوّه أو داخل مبنى مؤسسته أو مصنعه أو قوالب طوبه، وترك ابنه على الأرض يبكى (يا عينى الواد بيْعيّط)، ترك ابنه «عطشان» للماء والحب والتربية والحنان.. رمز لأجيال تركت فى العَراء والخُواء بلا ظَهْر أو سَنَد أو مرجعية، فشبَّت معوزة نفسياً تفتقد (جينات الحب الأبوى)، التى يؤدى عدم وجودها إلى اضطرابات كثيرة، أخطرها الإدمان، لأن الابن المدمن ببساطة بيدوَّر على الحب والدفء والأمان فى المخدر، ويجد فى تاجر المخدرات وشلة الأنس الأب المفقود، وربما كان (لا شعورياً) يعاقب أباه بشدّة على تركه إياه.

تُرى مين اللى هيشيل الواد من الأرض.. من الفَشل، من المرض، من الضياع، ومن التهلُكة ويعطيه لأبيه، ترى من سيسقيه ويربّيه ويلمُّه ويضمُّه ويحضنه؟.. هل هو ضابط الشرطة أم الطبيب النفسى أم العم أم الخال أم الجار؟ لن يقوم أحد مقام الأب، إلا إذا توفى، فهنا سيشحذ الولد طاقته، ويستمدّ النور والخبرة من تجربته المحدودة أو الممتدة مع أبيه، يتسلّح بها ويمضى فى الحياة آمنا غير خائف.

أب عصر السوق المفتوحة، أبو (الكَاش) والتحويلات البنكية التلغرافية، أب عبْر الهاتف والموبايل والفاكس والإيميل، أب تُباع أبوته وتُشترى كأى سلعة، (فهو قد يشترى من يحلّ محلّه بالهدية والكلمة الحسنة أو بالمال، تماشياً مع مبدأ الصحة لمن يدفع أكثر.. ماتخافوش خالكم هيربيكم، هسمِّى الولاد على اسمه واسم عيلته، والبنات على اسم مراته وأخواتها عرفاناً بالجميل)، أب بالقطعة، يمكنك التعامل معه كحبة أسبرين، إذا داهمَك صداع تتناول علبتها من فوق الرّف. طبقاً لمبدأ الحداثة، فإن ذلك الأب يمارس أبوته دون رجولة، ودون قواعد يفرضها النوع. أب مثالى لنوعية من الناس يعتقدون أن الرجل فى البيت إما مالوش لازمة أو أنه جزء من مشكلة كبيرة.. ولجميع الأسباب السابقة، فإن الأب الزائر العابر يمثل موجة من موجات المستقبل، يمثل أقلية لها وزن، نمت بسرعة فى مصر يمكن تصورها بحوالى (٣٠%) ومع كل سنة تمر علينا، فإن هناك أطفالاً يولدون أكثر لهؤلاء الآباء.

الأب فى غربته التى أصبحت فيها الوحدة والاكتئاب يؤنسانه، انتزعت منه الحساسية، صار فى مكانه النائى ذلك، يشحذ التحيات والهمهمات، يتوحّد مع مباريات كرة القدم، أو الجلوس على المقاهى (ديكور)، تلك التى تختزل الوطن فى صورة تتهشم بسرعة، أما زوجته تتغضن ملامحها، وتفقد النضارة.

المشكلة إذن أن تلك الوالدية الناتجة عن (الأب الزائر العابر)، والأم الحاضنة لأولادها فى دائرتها المغلقة، تزرع فى المجتمع مفاهيم مبتورة عن الأسرة، لأن الأسرة (هى التى تأسر أعضاءها إليها ولا تدعهم ينفكون عنها لا بالهجرة ولا بالش

 

التحليل النفسى لشخصية الانتحارى فى العمليات الإرهابية

التحليل النفسى لشخصية الانتحارى فى العمليات الإرهابية

الأربعاء 5-01-2011

التحليل النفسى لشخصية الانتحارى فى العمليات الإرهابية
بقلم   د. خليل فاضل
المصري اليوم ـ 5 يناير 2011

يصطاد الولد، الشاب الصغير، مُدرِّباً، يجد فى هذا (القنبلة الموقوتة) هوية ذات شخصية مضطربة تبحث عن »عنصر« خارجى، يتكون فى العقل الباطن قبل التفجير، فتنتفخ أوداجه وتتورم الأنا لديه ويعيش العيشة (كبطل مفترض).. رايح للجنة على جثث البسطاء!

إنه غالباً ينتمى لخلية محدودة، تؤمن بتعصب، معصوب العينين بشىء ما، فى وقت ما، كصاحب صفحة الفيس بوك التى تأسست فى ٢٩ ديسمبر الماضى، وأعلن صاحبها أنه ينوى الانتحار فى رأس السنة يوم ٣١، وقال: (مش لاقى شغل كويس ولا راتب كويس ولا عارف أتجوز، ومش عارف أعمل إيه، أنا قررت خلاص أموت وأرتاح وأقدمت على هذه الفعلة، ليأسى الكامل من الحياة الكريمة). وبصرف النظر عن علاقة هذا الشخص بانفجار الإسكندرية من عدمه، فإن للأمر دلالات قوية لا يمكن تجاهلها.

يتوحد الجانى مع جماعة صغيرة وجهاً لوجه، أو على النت، فتعطيه القوة والقيمة، تدخل إليه من شروخه النفسية، حياته القصيرة، منغصاته، تركيبته السيكولوجية لا تتفق مع ما سيقوم به، بمعنى أنه قد يكون جباناً ساذجاً خالى الذهن معدوم الثقافة، فى قلبه من زمان تمنى الموت بأى شكل، لا بالانتحار بجرعة زائدة من الحبوب، يتمنى البطولة والجنة، يقتل نفسه والناس (الأعداء)، يجرح الدولة ويفجر الوطن ويبلغ الحكومة رسالة شديدة اللهجة، يعطيها على قفاها بغِلّْ وعنف وهمجية.

المصيبة ليست فيه ولا فيما حدث، ولكن فى الوسط المتعاطف معه، تلك الجماعة أو الجماعات حول العالم التى ترى فيه بطلاً حمل لواء الجماعة وحقق هدفها بشجاعة.

مع تفسخ لُحمة المجتمع وتوتره، وانخفاض تكافؤ الفرص أو انعدامه، مع المحسوبية والفساد والرشوة والوظائف المُسعرة، بدءاً من عشرين ألفا إلى خمسين ألفاً للبترول والاتصالات والخارجية مثلاً.

نعم.. الإرهاب يضرب فى كل مكان، وفى كل الدول، لكنه يدوى ويزيد إحساس النقمة فى البلاد التى ينعدم فيها العدل والعدالة والرعاية الاجتماعية.

إن قوة النقمة وإخراج الكبت ليسا فى أحوالهما العادية، بالطبع انفجار فى النفس والوطن، لكنه بدوافع سياسية لمصلحة أعدائنا التقليديين ولمصلحة كل من يريد إزهاق روح مصر.. بالطبع هؤلاء الدببة الذين يتشدقون بحب مصر ليل نهار، وهم يقتلونها بهيمنتهم وأنانيتهم واستحواذهم الفظيع على المال والسلطة وحياة الناس.

ليس بالضرورة أن تكون أى قوى خارجية أداة مباشرة للفعل، لكنها تتحد وتستغل القوى الداخلية والعناصر المجنونة، من جراء الغلاء والإقصاء والإلهاء لكى تُيسر وتُسهل وتُمهِّد وتؤدى إلى بؤرة عنف شديدة، تزعزع الجدار.

ليس صعباً على من يخطط أن يجد شاباً محبطاً يتمنى الموت، معتقداً أنه (شهادة)، فى ظل غياب الديمقراطية واستيلاء الحزب الواحد على مُقدرات الحياة فى مصر، والتمييز الدينى فى الأماكن والوظائف، وعقب سلسلة أحداث وجرائم عنف لا تنتهى، ربما بدأت باغتيال السادات ولم تنته بعد.. نواتها من يموتون على شطآن أوروبا فى إطار مغامرات الهجرة غير الشرعية، أو يتسكعون فى الطرقات بحثاً عن عمل لائق، وعما يسد الرمق فى مجتمع شديد الاستهلاك، شديد التناقض فى أموره الدينية والطبقية.

غالبا، إن مفجر نفسه والناس متعلم يائس إلى حد القنوط، لأن مفهوم الشهادة الانتحارية نادر فى العقلية المصرية بتكوينها النفسى وتاريخها مع العنف.

أنا لا أبحث عن مبررات لمنفذ العملية، لكن أحاول تقصى الأسباب ورسم ملامح شخصيته، لابد أن يكون تأثر بالفكر (الجهادى) بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق التواصل عبر الإنترنت، ولابد أن يكون قد حسب أنه مجرد بنى آدم (يعيش).. يأكل.. ينام.. يتصفح النت.. ويدخل الحمام، بلا الحد الأدنى من الكرامة والإحساس بالأمان، ومن ثم فلقد قرر بشكل قاطع أن تكون ضربته فى سويداء القلب، تنقل فى عملية (تكوين عكسى) كل هذا الإحساس الفردى القاتل بعدم الأمان إلى شعب بأكمله، فيتخلص منه بالموت بـ(اعتقاد الشهادة وحلم الجنة)، ويبثه فى قلوب الناس جميعاً، وأيضا يُحرج السلطة أيّما إحراج، ويجعلها تقف على أطراف أصابعها وتمشى على قشر بيض، تتحسس مكانها (أمنياً).. فلا نجد أى تصور لحل بعيداً عن (الأمنى).. وفى هذا خطأ جسيم، لكن على ما يبدو أن كثيراً من المسؤولين يعون أهمية المجتمع المدنى، ويعتقدون أن السلامة فى إحكام القبضة، دون الانتباه لذلك الانكسار وتلك المذلة فى عيون المحشورين فى المواصلات العامة، والواقفين فى طوابير الخبز، والمحرومين من الحق العام فى الهواء النقى والغذاء السليم، والوظيفة، والسكن، والزواج، والعلاج.

إن كل مجهودات الحكومة فى خدماتها المختلفة لا يحس بها الناس إلا لماماً، ولا يدركون سوى تلك النرجسية القبيحة وتلك الرائحة النتنة المنتشرة مع رائحة الموت والدم.

نلاحظ أن تعاطى الدولة ينحصر حتى الآن فى التعامل الأمنى المُجرد، يأخذ شكل رد فعل لكل فعل بشع، بمعنى أننا صرنا دولة يقودها الحدث، فلا تخطيط ولا تدابير ولا وقاية، وكل فعل هو عصبى وغير مدروس لأنه مجروح بشدة الأزمة.

تنتشر العربات المصفحة الضخمة، رجال الأمن المركزى، الدروع والتفتيش فى الكمائن، كل هذا، غالباً، بعد فوات الأوان، ثم تعود ريما لعادتها القديمة لتسترخى وتتأنتخ، ويبوس البابا شيخ الأزهر الذى يبوسه أيضاً، وتنطلق الأغانى فى حب مصر المُفتتة المُنهكة، وسط إشارات إعلامية بأن ما حدث لم يكن سوى أمر عارض ارتكبته (القاعدة).. إلى أن نفاجأ بعملية أدهى، وضربة أمرّ وأقسى مما سبقتها، كما حدث فى طابا وشرم الشيخ ونجع حمادى!

هذا التهوين من أهمية ما نحن فيه لا يفيد الناس فى برّ مصر.

 

 

 

من ذا الذي ينفجر في نفسه وفى الناس ؟

من ذا الذي ينفجر في نفسه وفى الناس ؟

الأربعاء 5-01-2011

الدكتور خليل فاضل

المصري اليوم ـ الأربعاء 5 يناير 2011


غالباً أنه شاب على مشارف العشرين يتمنى الموت وأراد أن يموت مجهولاً ويكون حديث الدنيا، مغسول المخ بإرادته، عاش وترعرع في ظل متناقضات الوطن، قد يكون إرهابياً عابراً مرة واحدة، خططت لها جماعة بإحكام محددة المكان، الزمان، التاريخ، الثغرات الأمنية، نقاط الضعف، عاش وسط احتقان انسانى سياسي اجتماعي طاحن فيه نمو، وتنعدم فيه تنمية البني آدم، وجوده حياته، بصرف النظر عن قدرته على شراء موبايل أو تكييف، أو عنده قمامة كثيرة كما يدعى المسئولون الأعزاء.

يصطاد الولد، الشاب الصغير، مُدرِّب يجد في هذا (القنبلة الموقوتة) هوية ذات شخصية مضطربة تبحث عن “عنصر” خارجي،  يتكون في العقل الباطن قبل التفجير، فتنتفخ أوداجه وتتورم الأنا لديه ويعيش العيشة (كبطل مفترض) رايح  للجنة على جثث البسطاء ؟!

غالباً انه ينتمي لخلية محدودة تؤمن بتعصب معصوب العينين بشيء ما، في وقت ما، كاحب صفحة الفيسبوك التي تأسست فى ٢٩ ديسمبر الماضى، وأعلن صاحبها أنه ينوى الانتحار فى رأس السنة يوم ٣١، وقال: (مش لاقى شغل كويس ولا مرتب كويس ولا عارف أتجوز، ومش عارف أعمل إيه، أنا قررت خلاص أموت وأرتاح وأقدمت على هذه الفعلة ليأسى الكامل من الحياة الكريمة). وبصرف النظر عن علاقة هذا الشخص بانفجار الاسكندرية من عدمه فإن للأمر دلالات قوية لا يمكن تجاهلها. 

يتوحد الجاني مع جماعة صغيرة وحهاً لوجه أو على النِت، فتعطيه القوة والقيمة، تدخل إليه من شروخه النفسية، حياته القصيرة، منغصاته، تركبيته السيكولوجية لا تتفق مع ما سيقوم به، بمعنى أنه قد يكون جباناً ساذجاً خالي الذهن معدوم الثقافة، فى قلبه من زمان تمنى الموت بأي شكل، لا بالانتحار بجرعة زائدة من الحبوب، يتمنى البطولة والجنة، يقتل نفسه والناس (الأعداء)، يجرح الدولة ويفجر الوطن ويبلغ الحكومة رسالة شديدة اللهجة، يعطيها على قفاها بغِلّْ وعنف وهمجية.

المصيبة ليست فيه ولا فيما حدث  ولكن في الوسط المتعاطف معه، تلك الجماعة أو الجماعات حول العالم التي ترى فيه بطلاً حمل لواء الجماعة وحقق هدفها بشجاعة.

ومع تفسخ لـُحمة المجتمع وتوتره، وانخفاض تكافؤ الفرص أو انعدامه، مع المحسوبية والفساد والرشوة والوظائف المُسّعرة بدءاً من عشرون ألفا إلى خمسين ألف للبترول والاتصالات والخارجية مثلاً.

نعم الإرهاب يضرب في كل مكان وفى كل الدول، لكنه يدوى ويزيد احساس النقمة في البلاد التي ينعدم فيها العدل والعدالة والرعاية الاجتماعية.

إن قوة النقمة وإخراج الكبت ليست في أحوالها العادية ـ بالطبع ـ انفجاراً في النفس والوطن، لكنه بدوافع سياسية لمصلحة أعدائنا التقليديين ولمصلحة كل من يريد إزهاق روح مصر، بالطبع هؤلاء الدبب الذين يتشدقون بحب مصر ليل نهار وهم يقتلونها بهيمنتهم وأنانيتهم واستحواذهم الفظيع على المال والسلطة وحياة الناس.

وليس بالضرورة أن تكون أي قوى خارجية أداة مباشرة للفعل، لكنها تتحد وتستغل القوى الداخلية والعناصر المجنونة، من جراء الغلاء والإقصاء والإلهاء لكي  تُيّسر وتُسّهل وتُمهِّد وتؤدى إلى بؤرة عنف شديدة تزعزع الجدار.

ليس على من يخطط صعباً أن يجد شاباً محبطاً يتمنى الموت معتقداً أنه (شهادة)، في ظل غياب الديمقراطية واستيلاء الحزب الواحد على مُقدرات الحياة في مصر، والتمييز الديني في أماكن ووظائف، وعقب سلسلة أحداث وجرائم عنف لا تنتهي، ربما بدأت باغتيال السادات ولم تنته بعد، نواتها من يموتون على شطلآن أوروبا في أطار مغامرات الهجرة غير الشرعية، أو يتسكعون في الطرقات بحثاً عن عمل لائق، وعما يسد الرمق في مجتمع شديد الاستهلاك، شديد التناقض في أموره الدينية والطبقية.

غالبا أن مفجر نفسه والناس متعلم يائس إلى حد القنوط، لأن مفهوم الشهادة الانتحارية نادر في العقلية المصرية بتكوينها النفسي وتاريخها مع العنف.

أنا لا ابحث عن مبررات لمنفذ العملية، لكن أحاول تقصى الأسباب ورسم ملامح شخصيته، لا بد وان يكون تأثر بالفكر (الجهادي) بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق التواصل عبر الانترنت، ولابد أن يكون قد أحس بأنه مجرد بنى آدم (يعيش) يأكل ينام يتصفح النت  ويدخل الحمام، بلا الحد الأدنى من الكرامة والإحساس بالأمان، ومن ثم فلقد قرر بشكل قاطع أن تكون ضربته في سويداء القلب، تنقل في عملية (تكوين عكسي) كل هذا الإحساس الفردي القاتل بعدم الأمان إلى شعب بأكمله؛ فيتخلص منه بالموت و(اعتقاد الشهادة وحلم الجنة)، ويبثه في قلوب الناس جميعاً، وأيضا يُحرج السلطة أيّما إحراج ويجعلها تقف على أطراف أصابعها وتمشى على قشر بيض، تتحسس مكانها (أمنياً) فلا نجد أي تصور لحل بعيداً عن (الأمنى) وفى هذا خطأ جسيم، لكن على ما يبدو أن كثير من المسئولين يعون أهمية المجتمع المدني، ويعتقدون أن السلامة في إحكام القبضة دون الانتباه لذلك الانكسار وتلك المذلة في عيون المحشورون في المواصلات العامة، والواقفون في طوابير الغذاء، والمحرومون من الحق العام في الهواء النقي والغذاء السليم، والوظيفة، والسكن والزواج والعلاج.

إن كل مجهودات الحكومة في خدماتها المختلفة لا يحس بها الناس ألا لماماً، ولا يدركون سوى تلك النرجسية القبيحة وتلك الرائحة النتنة المنتشرة مع رائحة الموت والدم .

نلاحظ أن تعاطي الدولة ينحصر حتى الآن في التعامل الأمني المُجرد، يأخذ شكل رد فعل لكل فعل بشع بمعنى أننا صرنا دولة يقودها الحدث فلا تخطيط ولا تدابير ولا وقاية، وكل فعل هو عصبي وغير مدروس لأنه مجروح بشدة الأزمة.

تنتشر العربات المصفحة الضخمة، رجال الأمن المركزي، الدروع والتفتيش الأحمق والعصبي في الكمائن، كل هذا ـ غالباً – بعد فوات الأوان، ثم تعود ريما لعادتها القديمة لتسترخي وتتأنتخ ويبوس البابا شيخ الأزهر الذي يبوسه أيضاً، وتنطلق الأغاني في حب مصر المُفتتة المُنهكة، وسط إشارات إعلامية بأن ما حدث لم يكن سوى أمر عارض ارتكبته (القاعدة).. الى أن نفاجأ بعملية أدهى وضربة أمرّ وأقسى مما سبقها كما حدث في طابا وشرم الشيخ ونجع حمادي !

هذا التهوين من أهمية ما نحن فيه لا يفيد الناس في برّ مصر، إن أي إجراءات للتعديل في قيادات الأمن في الاسكندرية ما هو إلا دليل على قوة المناهضين للحكم، وقدرتهم على كسر نِفس النظام مما يؤثر في صلب المعادلة السياسية له ولتركيبته الحزبية وخططه للإستئثار بالسلطة والثروة والناس.

 

 

 

سيكولوجية الدم فى مصر الآن

سيكولوجية الدم فى مصر الآن

الجمعة 20-04-2012

د: خليل فاضل

الجمعة 20-04-2012

علمنى طب النفس وعلاجه المحدد المركز على بؤرة المشكلة ولُبّ العقدة أن أحاول أن أفهم رغم مرارة الحلق ووجع القلب، والخلاصة كما أراها هى «أهدت الثورة فى 11 فبراير 2011 وردة إلى الحكام الجدد فبددّوها وأساءوا وشوهوا وجه الثورة، وحاولوا إضاعة دماء شبابها وغسلها بدماء جديدة ليست مختلفة إلاّ باختلاف الأطراف زماناً فقط، لكن فى الواقع هؤلاء الأقباط يمثلون الناس وهؤلاء الجنود يمثلون السلطة، فسدّد أحد الناس العادية مطواة إلى أحد الناس العادية فى زى القوات المسلحة، أى سدّد مطواة إلى تسعة أشهر – حملته فيه وهناً – من إدارة فاشلة لأمور البلاد، فلا هم حققوا ولا حاكموا ولا حتى استطاعوا إسعاف المصابين بجميع إمكانيتهم، وعلى حسب قول مذيع (هاتولنا طيارة المخلوع اللى بيروح بيها المحكمة علّها تنقذ بعض الضحايا)».

زاد المسؤولون الطين بِلَّة بإعدام حمام الكمونى فى محاولة لدفع الدية، السؤال المهم الآن هو لماذا لم يعدم الكمونى قبلاً إذا كان مذنباً والسؤال الأكبر والأزلى، لماذا عصام شرف يشبه أحمد نظيف جداً؟! إن الذين شخصوا أمراض المجتمع قبل وبعد الثورة قد شخصوها غلط، لأنهم ببساطة لا يملكون أدوات التشخيص، ولا يعرفون شيئاً عن المريض، ولا يرون إلاّ بعض أعراضه التى فسروها خطأ ومن ثمّ جاء العلاج خطأ.

ياما اعتصامات ومظاهرات ولم يحدث مثل هذا العنف قليلاً، إذن فما هو السبب الحقيقى هذه المرّة، هو ذلك الغِلّ والضيق والحنق واليأس لدى الطرفين: الناس والأمن، الناس يقولون «اللى فينا مكفينا، كفاية بقى، مش ناقصينكم، كرهنا وجودكم حولنا وأمامنا وبيننا، كمركبات صمّاء وجنود صامتون».

إن الأمن بشقيه البوليسى الذى يمتلك رصيداً لا بأس به من الغباء والحقد والكره لكل من يعترض، والعسكرى برصيده من تبادل زجاجات المياه والورود والصور التذكارية فوق الدبابات، لا يعرفون إلا مهمات محددة، ورغم أنهم من الناس فإنهم جدد ومستغربون وقوفهم هكذا فى الشوارع وأمام البنايات المهمة وغير المهمة، ومن ثم فهم يعتقدون – خطأ – ها نحن لم نطلق النار عليكم إبان الثورة ويؤكدها رئيسهم طنطاوى متناقضاً مع نفسه «لم يطلب منا أحد إطلاق النار»، نحن مصريون ونعيش فى مصر والجيش المصرى مصرى، والناس مصريون «لا ينفع ولا يجوز ولاحدّ يقدر يعادى أهله، ولا حتى يفكر ولا يقدر عليهم، ولو نوى الشر وخانه ضميره وفقد صوابه، سيجد أن فى ضرب الناس بالنار انتحاره ونهايته ونهاية الوطن».

الشعوب لا تُقهر مهما كان بطش الآلة البوليسية أو العسكرية أو تفكير ديكتاتورييها، الناس بكل نفاد الصبر من التباطؤ والتواطؤ والتمثيل والمحاكمات المسرحية والرئيس المخلوع المتمارض الذليل تعبوا وملّوا، عندئذ يكون الموت أهون على الحرّ من حياة تجرعها غصص ذل وهوان، ورد الفعل دائماً غير محسوب وقبيح.

فى المذبحة فوجئ الأمن بشقيه بالهجوم عليه – ربما – كانت هناك بعض القلة والأجانب والخونة والأشرار، كما كانوا فى كل مذبحة وكل ثورة وكل انتفاضة وكل موقعة.

هناك لفّت المدرعة – فى ماسبيرو فى مشهد تكرر أثناء الثورة – دارت مترنحة كالذى فقد وعيه وأكله الغيظ من المباغتة، وتعب من صمته ومن وقفته الدائمة فى الشارع، من تغير مكانه فى جبهات القتال إلى شوارع الناس وداخل أحياءهم، فوجد لذة فى اقتحام استوديوهات التليفزيونات، وكأنها تجربة حرب جديدة.

أما عن رد فعل المجلس الوزارى العسكرى «إعدام حمام الكمونى، قانون دور العبادة الموحد بعد أسبوعين – هل يحتاج إلى كل هذه الجثث وكل هذا الدم ليصدر، ولماذا لم يصدر بعد صول وأطفيح وإمبابة»، مصطفى باشا السيد محافظ أسوان حبيب مبارك، هو الذى أشعل فتيل الفتنة، ويجب الآن وفوراً أن يقدم إلى المحاكمة لأنه غبى ومُدان. كنيسة إدفو «حجة» فجرت العقل الجمعى للناس على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم.

لنا أن نعيد السؤال لماذا هنا «فى ماسبيرو، رمز للإعلام المتهاوى الذريع الفشل، داخل العاصمة».. على بعد خطوات من ميدان التحرير؟ ولماذا الآن؟ لأن هناك من تجاهل الناس، واستهزأ بهم احتقرهم وتركهم ينبحون على كيفهم بالضبط مثلما فعل سابقوا شرف والمجلس لا… كفاية.

أما آن الأوان للقوى الفاعلة الحاكمة والمستبدة بعقول الناس وبتفكيرهم القوى المؤثرة «لاحظوا أنا لا أتكلم عن الفلول أو البلطجية»، لكن أتحدث عن تلك الأجهزة الخطيرة التى تتحرك فى الخلفية «علناً وخفاءً»، إعلاماً حقيراً مبتذلاً بقوة وسحر الكلمة فى الشارع وفى المواصلات.

إن الجندى فى الدبابة ما هو إلا رمز للمجلس العسكرى، وحامل الصليب ما هو إلا رمز له واجهة قبطية للناس، لكنه بنى آدم مصرى يحمل هم وكبْت السنوات والسياسات، يلوك المجلس الكلمات ويجيد التسويف، لكن انقلب السحر على الساحر، فلا المسلمون «المتعصبون» تركوا أماكنهم ليهاجموا إخوانهم الأقباط، وإلا أكلت المحرقة الإثنين، لتبقى ظلال مبارك المشوهة، ولا نجح أحد فى إيجاد المبرر الكافى ليحكم القبضة على البلد والناس، بل تعرّى من آخر ورقة توت فانكشفت حيلة الساحر وعجزه.

إنها أزمة ثقة اجتماعية وأمنية كبرى، وأصبح الأمن والأمان من أولويات المصرى، قبل تحصنه من أعدائه التقليديين.

لكن من هو المسؤول الحقيقى عن حرق عصب الاطمئنان، لقد حدث شرخ هائل وصدع خطير من شلال الدم الذى أغرقنا فى لجته حتى صرنا نجاهد لكى نتنفس. الخوف كل الخوف أن نعمم. أن يخاف كلنا من كلنا، أو أن يقتل بعضنا البعض، ونموت حسرة من الحالة نفسها، فثورتنا ليست بين قوسين، والنظام الذى أسقطه الشعب لأنه يريد، لا بدّ أن يُعدَم وفوراً.

kmfadel@gmail.com

 

 

 

مصر فى حالة عدم يقين

مصر فى حالة عدم يقين

الجمعة 15-06-2012

 

د:خليل فاضل

الجمعة 15-06-2012

أكثر الأمور مدعاة للحيرة هى تلك التى تحمل معنيين أو تدفعك للإحساس بمشاعر متناقضة تجاه الشىء أو الشخص نفسهما، أهمها «الحب والكره»، «الرفض والقبول».. خاصة لعزيز كأحد الوالدين، وهذا ما حدث بالضبط لثورة 25 يناير 2011، صار بعض الناس، حتى من هؤلاء الذين شاركوا فيها وساهموا فى إشعالها، لديهم نوع من الإحساس الدفين بالالتباس، الذى نرى أنهم شاركوا فى صنعه منذ اللحظة الأولى بالتخلى عن طهارة الثوار ونبل أهدافهم والدخول إلى الغرف المغلقة، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فإن جموع الناس «الجالسين على الكنبة» يثرثرون أو يتسلون فى ملل بتغيير المحطات التليفزيونية، فيما يسمى «إدمان الريموت»، الذى يقابله إدمان الظهور على الشاشة الصغيرة، والتفنن بالحديث وعلو الصوت والمغالاة، بل وإدمان الكتابة فى أكثر من مطبوعة، والسعى إلى كاميرات الصحفيين، عشقاً ومرضاً.

لكن ونحن على أعتاب الاختيار الأصعب فى تاريخنا، نبدو كالضفدع فى الأرض الخراب، يلهث ساعياً إلى الوحل، أو كالهارب من المقلاة إلى النار، تذكرت كتاب «الأقدام العارية» للراحل طاهر عبدالحكيم، الذى يتحدث فيه عن تجربته فى سجن الواحات إبان الحكم الناصرى، والأقدام العارية هى للمساجين السياسيين، والتى كان يحلو لزبانية عبدالناصر ضربها بالفلكة، وسلخها بإجبارها على السير على الرمضاء، وكان هؤلاء الجلادون أنفسهم، الذين نحن أمام سلالتهم، يضربون المناضلين السياسيين بالعصى على رؤوسهم، إمعاناً فى ضرب مركز الفكر والتفكير، عقدة النقص لدى ذوى الأحذية الغليظة والأجساد الضخمة، الكارهين للإبداع وللحرية وللديمقراطية والمرسخين لحكم الضبط والربط والهيمنة والاستحواذ والاحتفاظ بالوطن كوديعة قد تتبخر فى حرب أو فى صراع.

الآن نحن أمام «الأقدام الباردة».. بمعنى أننا شديدو الإحساس بالحرارة فى جميع أنحاء الجسد المصرى، وأقدامنا باردة كالرصاص، كالثلج، قلوبنا تنتفض وأرجلنا ترتعش، إنها حالة عدم اليقين المصرى، نحن نجلس على حافة السور، ريح تدفعنا هنا، وعاصفة تسقطنا هناك، مشاعر متناقضة، هذا أم ذاك، كلام هذا معسول، وكلام ذاك متناقض.. والاختيار الثالث ليس حلاً، لكنه موقف «المقاطعة» أو «إبطال الصوت»، وهل يصب هذا فى مصلحة الثورة، أم مكسب لظل البائد الأنيق أم لدولة الخلافة الغامضة؟!

عدم اليقين شعورٌ وإحساس إنسانى سقيم، سخيف، طعمه مرّ، نبلع معه الحنظل والسكر، نأكل اللحم النيئ مع العسل، نرى إيجابيات ثورتنا فى الهواء الطلق تذروها الرياح كحبوب اللقاح، لا تحط على مياسم لتنبت أزهاراً وثماراً، والسلبيات تتراكم فى رحم التجربة، والثورة بالفعل مستمرة، ومازالت حُبلى.. ومازالت تنمو وتتطور حتى ولم تؤت ثمارها الآن. قد يؤدى هذا بالفعل إلى الاستبعاد، الانسحاب، العزوف، خفوت وهج التغيير. وربما حدث هذا لدى الكثيرين بمجرد إسقاط رأس النظام، وهذا هو ما فعله المجلس العسكرى بجراحة دقيقة باستئصال مبارك وعصابته وعائلته، تمنى المجلس بعدها أن يهدأ الناس ويزول عنهم حماسهم ويفتر وينشقوا ويرتبكوا كالأم بعد الولادة، ويكتئبوا وييأسوا، كالمريض بعد الشفاء، لا شىء يشغله الآن إلا معركة البناء وضرورة اقتلاع الجذور.. ونجح المجلس العسكرى بجدارة فى ذلك، وفى المقابل فشل تماماً فى إدارة شؤون البلاد، تلك المهمة العسيرة التى أوكله إياها الرئيس السابق.

حالة عدم اليقين تلك أخطر ما فيها أنها تؤدى إلى «التسويف»: تأجيل تأسيسية الدستور 18 شهراً، تأجيل الدستور، انتخابات تبهر العالم مليئة بالعوار وبالحديث السرّى وبالصفقات المشبوهة.

يقول مارتن لوثر كنج: «أنت لست فقط مُحاسَباً على ما تقول، أنت أيضاً مُحاسبٌ على ما لم تقلْ حين كان لابد أن تقوله».

أتصور أن معظمنا قال ما لم يقله بعد فوات الأوان، وربما الأغلبية فى الأغلب لم تقل شيئاً حين كان لازم ولابد أن تقول هذا الشىء فى حينه، ليس بالضرورة فى صورة تظاهرات أو إضرابات أو صوت عالٍ، لكن قولٌ مؤثر فيه حقيقة ويقين.

المصرى لا يشعر بالراحة وسط كل هذا اللغط والتشويه ونشر الشائعة المتعمد، إذن علينا أن نحاول جاهدين فك الطلاسم وحلّ الألغاز، علينا اتخاذ قرار مصيرى بشأن الوطن، بعيداً عن مشاعر الحب والكراهية وبعيداً عن التأثيرات الإعلامية الفجّة والمذمومة، بعيداً عن التأثير بالدعاية التى تلعب على كل أوتار وأوجاع الناس دون هوادة.. هنا يبدو أمر عدم اليقين الآن كأنه فكرة زنانة، اضطراب عصابى شديد من الوسواس القهرى، يدور بين شخصين وحولهما، بعيداً تماماً عن الوطن وشؤونه الجذرية، لنا أن نتخلص من مخزون المكبوت والمقهور فى عقلنا الباطن، أن نتحرر من الماضى الكئيب، وأن نحافظ على تلك الروح المصرية غير المستقرة فى بحثها الدؤوب عن الأصالة التى حافظت عليها ضد العثمانيين والوهابيين والإنجليز والفرنسيين والتتار والمماليك والهكسوس، هذا الشعب هضم كل هؤلاء ولم يفرز بعد رؤيته المهمة جداً.

لنا بعض الصبر وبعض التأمل، لنزيح عدم اليقين بعيداً، ولنتأكد من ثباتنا ومن وقع أقدامنا، ومن تلك الريح العطِرة التى تحمل أرواح شهدائنا، نعم شهداؤنا كما قالوا لنا، وأدوا لهم تحيتهم العسكرية فى التليفزيون، وأيضاً كما قالها مبارك: «شهداؤكم».. نعم، فنحن غيرهم، ويقيننا أنهم ليسوا منا، لا يكرهوننا فحسب، لكنهم يرفضون ثوريتنا ولا يطيقونها ولا يفهمونها إطلاقاً.

المسألة إذن مسألة مصير، والبقاء للأنقى والأكثر يقيناً، والله الموفق والمستعان!

kmfadel@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سواق بروفيشنال

سواق بروفيشنال

الأحد 6-01-2013

 

المصرى اليوم ـ  العدد ٣١٢٩|الاحد   ٦   يناير   ٢٠١٣

 

شاب مصرى فرعونى الملامح أسمر البشرة، حلم عشية سفره إلى أمريكا، بأن الثوار يحاصرون بيته ويقذفونه بالحجارة وقنابل المولوتوف، وكذلك كتبوا بالجرافيتى عبارات قاسية ورسموا على جدران بيته رسوماً معادية له ولعائلته.

ولما كان الشاب ذا الثلاثة وعشرين سنة يتابع سرده من على شيزلونج التحليل النفسى قال إن جلّ ما يخشاه لدى إقامته فى أمريكا، أن يتعرض لأذى، وهو ضئيل الجسم من الأمريكان ضخام الجسد.

كان الشاب لتوه قد أنهى خدمته العسكرية دون انتظام فى الجيش؛ لأن والده اللواء قد يسّر عليه الأمور خلال سنة قضاها فى دراسة الفلسفة والتوغل فى تحليل النفس، والعلاج مما قد يكون شابه فى صباه وطفولته من أعراض أثرت إلى حد ما على بناء شخصيته.

إن لهذا الحلم دلالة عميقة فالموقف الخائف الاضطهادى (البارانوى) على مستوى الشعور لديه من ذلك «العدو الأمريكانى» الذى سيلجأ إليه مهاجراً يتهدده علناً، أما ضمناً فهو قد نقل المعتدى من ذلك الضخم الأمريكى إلى الثائر المصرى، فاستعار عقله الباطن صورة الثوار هذا من ناحية، من ناحية أخرى فلقد استعار «الضمنى» فى باطن تفكيره حصار الثوار لقصر الاتحادية ورسمهم على جدرانه والكتابة عليه بالجرافيتى، فهكذا فعل الثوار وهكذا هاجمهم المؤيدون بالمولوتوف والحجارة وهكذا ردّوا عليهم، هكذا كان رئيس الدولة، فما بالك أنا بجسمى الصغير سأكون قابلا للهجوم من أى جهة، ستحاصرنى المخاوف من هنا وهناك. هناك منظور مؤسسي، مسألة تتعلق بالنظام تحديداً الـSystem، الفرد والنظام، لكل منهما سمات وعلى كل منهما مسؤوليات يتحملها فى الخروقات التى تضعف مصر، والتى لو توازت لتسببت فى انهيار النظام، ولو تفشت لأدّت إلى ضعف البنية، وكما للعامل الشخصى وللعامل المؤسساتى أسبابهما، فى حدوث الخلل الموحى بكارثة فإن لكل منهما مقوماته وفلسفته ومسؤولياته فى التعامل مع الأزمة.

ولكى نفهم لابد أن نفهم الفارق بين الشخصى والمؤسسى، وكيف يؤثر كل منهما فى الآخر، ومانراه من الرئيس مرسى تراجعاً عن قرارات أصدرها هو اختبارات لرئيس جديد وبالونات وجس نبض لشارع لا يعرفه مهما ادعى عكس ذلك، ولعل ما يربط الرئيس مرسى كابن بار لجماعة الإخوان المسلمين هو نفسه يغذى صورة الرئيس لدى العامة سلباً وإيجاباً وصورة الجماعة كما يتصورها الناس فى عمومهم وخصوصهم على أنها مهولة فى حين أنها ليست بالفعل ذلك كما حددها هيكل بأنها مسألة (خداع بصرى) وعله يقصد (إدراك نفسى) لحجم خصمك أو حاكمك أو أنها تلك الصورة التى يريدها ويبيعها للناس.

فى كل من الحالتين: الشخصى والمؤسسى فإن (الخطأ الإنسانى) موجود، فى الحالة الشخصية تمثل عيوب الشخصية وأداؤها السياسى المسؤول حجر زاوية، لنا أن نلوم الرئيس نسأله ونحاسبه عن كل قرار وعن كل عدم قرار فى الوقت المناسب، لعدم الانتباه وعدم الاهتمام وعدم الإنصات لفكرة أومشورة، بالنسبة للوضع المؤسسى الذى نعمل كلنا فى إطاره وننخرط فى وجوده، دفاعاته، واستعداداته، وإمكانياته لدرء الخطر وتصحيح الخطأ، ولنا فى النكتة الشعبية التى تحكى عن سواق ميكروباص يذرع الطريق يمنةً ويسرة دون أى اعتبار، يسير بسرعة مخترقـاً الإشارة الحمراء، يتوقف فى الإشارة الخضراء، وعندما سأله الركاب لمَ تقف والإشارة خضراء؟ أجاب وهو مرتاح النفس والضمير: تفادياً لسواق (بروفيشنال) آخر ربما اخترق الشارع دون هوادة!!

المعنى واضح أن الفوضى تعم واتباع تجاهل الآخر وتهميشه خوفـاً منه، يجرنا إلى ارتكاب خطأ أكثر فداحة، إن الدولة الناجحة اقتصادياً والخارجة لتوها من هوة الفساد مثل البرازيل تتعرف على اختلافات البشر وعلى قدراتهم، دولة لها صرامتها وعنفها تجاه اللصوص والمفسدين، دولة تركز على الخبرات التى تصحح الخطأ بتفاديه قبل وقوعه وتلافى أسبابه. إنهم مشغولون بكل شىء عدا الخطب والتصريحات والكلام، هم مشغولون بالحاضر والمستقبل، باحتمال الفشل، هم ينجحون لأنهم تعلموا معنى السقوط، هكذا يكون الزعماء وهكذا تكون الدول حقيقية، مخلصة، جادة منتجة مخططة وليست سواق بروفيشنال.

 

سيكولوجية القاتل الإرهابى «2-2»

سيكولوجية القاتل الإرهابى «2-2»

الخميس 5-09-2013

د:خليل فاضل

الخميس 05-09-2013

فى الجزء الأول شرحنا الجانب النفسى للإرهابى ونستكمل فى هذا الجزء تلك الملامح إن تلك النزعة السادية الدموية تغادر المنطق الإنسانى وتلوكه كالمُضغة فى الفم، ولكن السفاحون الذين جابوا شوارعنا وأحرقوا محالنا ودور عبادتنا، وانتهكوا حرماتنا لم يراعوا القول الكريم (ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى).

إن للموضوع أبعادا حضارية ثقافية ودلالات، من أبرزها السطو على مكتبة الأستاذ هيكل وحرق أجزاء منها فى برقاش، إن هذا العنف الإدمانى أصبحت له أشكال جمعية، تورط فيه الكثيرون وساهمت الصورة الإخبارية – دون أن تدرى – فى مسلسل الترويع.

أصبح الأمر مرضيًا عامًا، فيه عرض واستعراض، ولهٌ وعشقٌ وسحر وغموض يختلط بالصدمة والقرف والفزع والكرب سيلتصق بثنايا الذاكرة، صدمة توصم هذا الجيل إلى الأبد. هنا يربط الإرهابى الدموى العنيف نفسه بالناس من خلال فعلته الشنعاء، ومن خلال تدويرها على دوائر التواصل الاجتماعى من (تويتر – فيس بوك واليوتيوب)، إلى ذلك الجهاز الجهنمى داخل كل بيت (التليفزيون).

لقد أصبنا بجروح عميقة فى الشخصية المصرية البعيدة جدًا فى تركيبتها، عن النموذج العراقى الإيرانى، السورى، الأفغانى، مثلاً… هل لنا أن نفتح العقل الجمعى اللاوعى ونستعرضه: قتلة ومشاهدين؟ هل لنا أن نتريث ونفحص أنفسنا ونحن «يشاهد» و«يسمع» و«نتسمر».

إن تلك الجثث الممزقة، وكل تلك الدماء التى تغرق الأرض، والحوائط ذات الجروح التى لا تندمل، الطعنات التى تنزف، والدم الذى لا يجف، والآلام التى لا تخفت فى ذاكرتنا وسلوكياتنا وشخصياتنا، كلها اختصرت فى ذلك المشهد الدرامى، حين نظر المريض وهو يمسك بروشتته إلى عينى الصيدلى القبطى (معهلش على حرائق الكنايس الـ 22)، ردّ الصيدلى فى حزن وأسى: (الأول سلامتك، يا سيدى، ياما اتحرقلنا كنايس)، ثم أجهش الدكتور فى نوبة بكاء متصلة، أخذه المريض فى حضنه، ربت على ظهره مطمئنًا سائلاً (هاتلى الدوا عشان أروّح قبل حظر التجول).. مضى يمسح دمعات سقطت من عينيه على خدّيه، فارتجف قلبه وتعثرت خطاه، ودّ لو لم يعش تلك اللحظات، ورغم ذلك عندما ناولته زوجته الدواء، قالها لها (عشنا وشُفنا).

إن ما حدث كان تعزية للإنسان المصرى، تماما كشف عورته للعالم وترقب الآخر لنا (العدو قبل الحبيب)، لمشاهدة عوراتنا النفسية وشماتته؛ فالحدث جلل أكبر مما حدث فى 1956 و1967 و1973 أو علـّه امتداد له.

قال الصديق للصديق وهو يهمس له فى هاتفه الجديد (الحروب عمرها ما انتهت فى بلدنا، كأنه سلو بلدنا الغُلب والقهر والعذاب)، إن تلك الأجساد المفتوحة فى معارض القنوات الفضائية، تذكرنا بماضينا الذى انتهكنا فيه من قبل (الجماعات الصهيونية المُسلحة)، يذكرنا مسعد أبو فجر باستخدام الإرهابيين الحاليين لذلك التكنيك الصهيونى (كان المستوطنون الإسرائيليون يستخدمون تكتيكات بسيطة، لترحيل القرى العربية المُقامة على حواف الجبال، برمى برميل من الزلط ودحرجته، مع طلقتين ثلاثة من الرصاص مع صوت سيارة، مما يخيف الآذان العربية وقلبها من احتمال هجوم إسرائيلى زلزالى، فيفرّ معظم أهلها، الآن بيننا من يطبق علينا تكتيكات مشابهة من الإرهاب والترويع، ومجرد صوت الرصاص وإشعال الحريق كفيل ببث الذعر والهلع.

ما يحدث للناس هنا هو الصدمة، الانجراح، ثم دعك الجرح بالملح، أو بماء النار أو بفتحه وتعميقه أو بتلويثه، فتصبح ثقافتنا هى ثقافة الرصاص والآلى والخرطوش والمولوتوف وقناع الغاز والقنابل المسيلة للدموع، تعيد الصدمة نفسها من خلال (فلاش باك) فتُعاش مرة ومرات، ويقع كثيرون أسرى لحالة من التبلّد أو التعود أو استمرار الخوف والأنين، فلا يستعذبون أى شىء ليست له رائحة رصاص أو دخان وليس له صوت انفجارات، هذا هو القتل المعنوى بعينه، سلب حياتك العادية وإيقاعك فى حفرة من الرُعب لنستمر جميعًا فى مشاهدة مسلسل الخوف.

kmfadel@gmail.com