مقالاتي في الصحف المصريه

د. خليل فاضل يكتب: الطائرة.. الحداد.. الموت والتلاشى

د. خليل فاضل يكتب: الطائرة.. الحداد.. الموت والتلاشى

الأحد 29-05-2016

 

المصري اليوم ٢٤/ ٥/ ٢٠١٦
بعد حادث الطائرة المنكوبة، الخميس الماضى، انتابت الناس نوبات هلع تباينت حدتها ما بين الصمت وفرك اليدين إلى الصراخ والصياح إلى قراءة القرآن الكريم بصوتٍ عالٍ، كانت حفيدتى فى رحلة مدرسية إلى مدينة نورماندى لدراسة تاريخ فرنسا ولغتها، عادت مع زملائها فى عمر الثانية عشرة، كان بعضهم يبكون وفجأة قامت طفلة وقالت: (لقد كتبت وصيتى للتو، لا أملك الكثير!).. كانت تلك دائرة ردود الفعل المباشرة لدى غير أطراف الحادث مباشرةً.

جلس قبالتى مريض بنوبات الهلع (نوبات خوف وذعر وهلع شديدة غير متوقعة، تستمر النوبات حوالى شهر ثم يتبعها قلق من استمرارها أو زيادتها أو أن تؤدى لسلوك غريب أو نمط حياة غير عادى).. ولأنى أؤمن بأن العلاج لا يمكن أن يكون فقط بالعقاقير، فلقد فتّشت عن السبب الرئيسى ووجدت أن أباه فُقد، تلاشى، (مات) فى حادث الطائرة المنكوبة فى ١٩٩٩ (كانت الحادثة الأسوأ فى تاريخ «مصر للطيران» وقد سقطت فى المحيط الأطلسى وقُتل ٢١٧).

كان يشبه أباه، زاد هلعه بعد أن رُزق بابن يشبهه فكانت منظومة الجدّ، الابن، الحفيد كلها مهددة بالتلاشى وفقاً لفكرة السير خلف خطى الجد وانتظار مصيره. ولم يُشفَ المريض من أعراضه إلا بالعلاج بالمسرح التمثيلى دون نص (السيكودراما)، حيث تصورنا وجود جثة الأب ومثّلنا حوارًا متخيلاً بينه وبين المريض، عندئذ أحس المريض بأن أباه فعلاً قد مات وتحولت فكرة التلاشى لديه إلى فكرة الموت.

وهكذا، فإن الفترة بين فقدان الطائرة والعثور على أشلائها كانت الأصعب فى حياة أسر الضحايا، لأنهم يدركون (الفقد) ويرفضون (التلاشى) وينتظرون تأكيد (الموت)، أما بعد العثور على حطام الطائرة فالأمر يختلف قليلاً، إذ يحدث اليقين ويختفى الأمل الواهى تماماً، ويبدأ الواقع المرّ الصعب يتحدد فتنعى الأسر نفسها لحياتها دون الفقيد.

هناك فرق بين (الرُّفات) أى (رُفات) قد (يتصبّر) به الأهل، تعطيه لهم الجهات المسؤولة، وبين (الجسد الميت) وطقوس الدفن من غُسل وكفن ودفن وقبر ومكان يرى فيه الناس مأوًى لذويهم بعد الموت.

إن الموت الفجائى الكارثى غير المتوقَّع لأشد وطأة على النفس وأكثر ألمًا ووجعًا، ويظل محفورًا فى الذاكرة.

أما عن الحادث الأخير فى حال إذا تأكد أنه عمل إرهابى، فأكثر الافتراضات قبولاً أن (إرهابيًا دسّ فى جسم الطائرة شيئًا ما يُربك التحكم تماماً فى الطائرة- لأنها اعوجت ٩٠ درجة ثم لفّت حول نفسها ٣٦٠ درجة)، ومن ثم فإن تشغيل هذا يكون من داخل الطائرة عن طريق أحد ركابها (الانتحارى فرضًا). أما لماذا باريس والقاهرة فلننظر إلى صفقات الرافال الأخيرة، ولماذا مايو ٢٠١٦ بعد مائة عام من سايكس بيكو التى بعثرت (الدولة العثمانية «الإسلامية») التى يحاول تنظيم (داعش) إحياءها بدعم من إسرائيل وقوى غربية معروفة، بتمويل من دول عربية كبيرة من أجل تفتيت قوة العرب وإلهائهم، وبتدبير من تركيا.

الحداد المَرَضِى هو الذى يستمر أكثر من ثلاثة أشهر، ويضطرب فيه المريض جداً فى تصورات أو هلاوس أو صور أو خيالات برؤية المتوفى قادماً أو أن يسمع صوته ويحس به، هذه الحالة تنتاب المريض وهو يقظ وفى كامل وعيه. وهى ظاهرة إنسانية عامة لها أكثر من وجه لفقدان عزيز (شخص، وظيفة، شىء…) الحداد، الحزن لفقدان عزيز هو رد فعل للفقد.

إنه تجربة إنسانية قاسية، الذى لا يبكى أو يحزن يتعب وتتحوصل داخل ذاكرته وعقله الباطن أمورٌ يصعب التعامل معها بعد ذلك، فهى كالدمل الكامن إذا لم يُفتح يفرز فى الجسم سماً وصديداً ويسبب تعباً واكتئاباً وأعراضاً غير مفهومة، كالألم المزمن والصداع المستمر وربما أعراض مرضية كان المرحوم يعانى منها قبل وفاته مثل السعال أو عدم القدرة على المشى.

يعنى التعبير بالبكاء والحزن مهم ويغسل النفس، كذلك الصراخ واللوعة، لكن إذا زاد على حدّه انقلب إلى ضده بمعنى الضرر الجسمانى والإنسانى.

مؤخرًا انتشر الحداد المَرَضِى والجماعى المرتبط (بكرب ما بعد الصدمة PTSD)، ولقد وجد الباحثون فى هذا المجال أن الصلابة والمرونة الطبيعية للناس فى الكوارث العظام هى فى صلب الصدمة والحداد سوياً.

ولقد قُسّمت ردود الفعل للحداد إلى أربعة: (١) المرونة: علامة صحية نفسية تدل على قدرة وصلابة وقوة للأنا. (٢) التحسن: عندما تعود حياة الإنسان لطبيعتها (يروح شغله، ينام، ويأكل عادى) يكون ذلك دلالة على تقبل الأمر الواقع والرضا بأمر الله وبقضائه وقدره، لأن الموت- كما يقولون- هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة على الأرض. (٣) الاكتئاب المستمر، عسر المزاج، وعدم القدرة على الاستمتاع، وتذكر الفقيد دائماً لسنوات طوال. (٤) الحداد المؤجّل أو الصدمة، وفيه يظهر المريض على أنه عادى، ثابت، لا يهتز، لكنه فجأة يضطرب وينزعج وتبدأ أعراض التوتر فى الظهور بعد عدة أشهر، وللأسف فإن البحث العلمى لم يجد دليلاً أو تفسيراً لهذه الظاهرة حتى الآن، لكن مفهوم (الصدمة المؤجّلة).

 

لماذا «الغش»؟ بقلم دكتور خليل فاضل

مقالاتي في الصحف المصرية

الأحد 3-07-2016

 


لماذا «الغش»؟ بقلم دكتور خليل فاضل

طالعتنا الصحف مع أول امتحانات الثانوية العامة بخبر نشر امتحان اللغة العربية على الصفحات المنشأة خصيصاً لتسريب امتحانات الشهادات العامة. وظاهرة
الصفحات الإلكترونية المخصّصة للغش، التى تحمل أسماءً مثل «بلوتو» و«غشاشون فدائيون» و«بردو (مكتوبة هكذا) هانغش»، هى تحدٍ صارخ لهيبة الدولة.

مصر كدولة تعتمد على التلقين لا الفهم، والحفظ الصَمّ لا التدريب والتجريب والابتكار والقدرة النقدية والحس البحثى، تتحول فيها المدارس إلى مبانٍ تفرخ حاصلى شهادات فقط لا غير، ينمو الغش ويتطور مع تطور التكنولوجيا ومع كافة مؤشرات الانهيار القيمى.

فى المجتمع المصرى خلال ثلاثة عقود (حتى 2010)، تم رصد انتشار أنماط من السلوك والتصرفات الفردية وشبه الجماعية فى الحياة اليومية، كتزايد العنف الفردى والجماعى، كما انتشرت الرشوة، وتنوعت أساليب الغش والفساد والتحايل على الناس فى غذائهم ودوائهم. العنف اللفظى والسلوكى والسعى نحو الإقصاء، مع التأكيد أن هذه المتناقضات لا تتجاوز اجترار ذكريات الماضى التاريخى مع الآخر، ورفع شعارات المجاملة فى المناسبات المختلفة، ويغيب الحوار المجتمعى الحقيقى حول ما يحدث فى المجتمع المصرى.

هناك أربعة مقومات أساسية لتطوير العملية التعليمية، هى: العنصر البشرى، والمناهج والمواد التعليمية، وبيئة التعلم، والمنظومة الإدارية وفقًا لرؤية د. محمد محجوب، وهذه المقومات هى نفسها أهم مكونات العملية التعليمية، كما يرى فى ضوء نتائج الأبحاث التى أُجريت فى مصر. وتساءل محجوب: هل يتم إعداد المعلمين والمعلمات (فى كليات التربية بجميع أنواعها) على أكمل وجه؟ هل تُكسبهم برامج الإعداد المعارف والمهارات والاتجاهات التى تعدهم لكى يؤدوا الأدوار التى يجب على المعلم الحديث القيام بها مثل تيسير التعلم وإدارته واستثارة الإبداع والابتكار والتفكير الناقد لدى الدارسين؟، أم أن هذه البرامج تُعد المعلمين الملقنين، الذين يُخنق على أيديهم الإبداع والابتكار والرغبة فى التغيير والتطوير؟ هل تبنى هذه البرامج مهارات البحث والاستقصاء والإبداع والابتكار لدى المعلمين والدارسين فى هذه البرامج؟ أم هى نفسها تغرس فيهم الركون إلى الحفظ والاستذكار والتلقين؟ هل يتم تدريب معلمى ومعلمات المستقبل (من خلال برامج التربية العملية) على تطبيق استراتيجيات التعلم التعاونى والتعلم النشط، بالإضافة إلى أسلوب المحاضرة؟ أم أنهم لا يرون إلا المحاضرة ولا ينخرطون فى غيرها من أشكال التدريس والتعلم؟ هل توازن هذه البرامج بين المحتوى الأكاديمى والعلمى والمحتوى التربوى والبيداجوجى «التعاقد الضمنى بين الأستاذ والتلاميذ منذ بداية السنة، وبموجب هذا الاتفاق يتم تحديد واجبات وحقوق كل من الأستاذ والتلميذ، بدءا بمسح السبورة، وانتهاء بعدم الغش أثناء المراقبة، مرورًا بتحديد الأهداف المراد تحقيقها والوسائل الديالكتيكية المعتمدة، ناهيك عن الانضباط داخل الفصل، واقتناء الأدوات المدرسية»؟.

يقول أحد شباب التسعينيات، فى حوار خاص معى، إن للتعليم علاقة بإعادة هيكلة الاقتصاد، انسحاب الدولة من مسؤولياتها الصورية كدعم المحروقات والغذاء- مقابل شبكة اجتماعية بديلة، من بدل بطالة ومواصلات محترمة- ومن ثَمَّ ضخ الأموال فى قطاعات كالتعليم والصحة، ورفع كفاءة العاملين فى هذين المجالين، من خلال تدريب وبعثات، وتحديث المناهج، الذى يتطلب معارك فكرية مع التيارين الدينى والوطنى الفاشى، مثلًا من خلال تدريس نظريات كالتطور والانشطار العظيم فى العلوم، وعلمنة مناهج اللغة العربية، وإعادة قراءة التاريخ بشكل أقل رومانسية. ويرى أبوهميلة أن التعليم هو تلك العصا السحرية، التى بإمكانها حل جميع مشاكلنا، إذا ما أوليناه الاهتمام المطلوب، فهو يرتقى بالإنسان، فكراً وسلوكاً، وما نعانيه فى مصر مشكلة مزدوجة، تتمثل فى ضعف مستوى التعليم من جهة، واعتماده على التلقين والحفظ، وعدم تنمية مهارات الطلاب وتدريبهم على الفكر الإبداعى الناقد، ومن جهة أخرى انفصاله عن مشكلات المجتمع، فنجد المتعلمين وخريجى الجامعات فى وادٍ، واحتياجات المجتمع والاقتصاد فى وادٍ آخر، لذلك فلابد لأى رئيس كى ينجح فى إحداث نقلة نوعية للبلد أن يهتم بتطوير التعليم، ووضعه فى مكانه الملائم من الاستراتيجية الشاملة للتنمية، فهو بمثابة القاطرة التى تقود المجتمع للأمام.

فى حين أن التعليم فى مصر من أضعف حلقات النظام المحلى، لأنه يعتمد على الحصول على أعلى الدرجات على حساب الجودة، أى ما يهم الطالب هو درجاته وليس ما تعلمه، وما يهم المدرسة هو عدد الطلاب المتفوقين، والأرباح التى يحققونها بتلك الأرقام، وفى حالة المدارس الحكومية يمتص المعلمون دماء الطلاب بالدروس الخصوصية، نظرًا لإصرار المدارس الحكومية على تغذية تلك الحلقة الشيطانية بإعطاء المدرسين مرتبات ضئيلة.

ويخلص البعض إلى أنه (لا تعليم فى مصر، عندنا توزيع غير عادل للجهل، ناس حظها من الجهل كبير، وناس حظها من الجهل قليل، لكن لا أحد متعلم ولا
يتعلم ولا سيتعلم). عندئذ يكون للجهل نصيب كبير فى معادلة التخلف المصرية.
الثلاثاء 28-06-2016 21:39