نصوص ادبيه

مايكل جاكسون

مايكل جاكسون

الجمعة 5-06-2009

دراسة للدكتور خليل فاضل

نشرت بجريدة أخبار الأدب – الأحد 5 يوليو 2009

مات مايكل جاكسون بعد أن عاش خمسين عاماً مختلفة الرؤى نفسياً وجسدياً، فنياً واجتماعياً، إنسانياً ودولياً.
عاش وتمنى أن يبدو لنفسه وللناس مختلفاً، وأن يكون شكلاً وجسداً عقلاً وقلباً .. مختلفاً، وكان .. عاد وارتد إلى طفولته، أصبح شاباً وراقصاً ومبدعاً حيوياً ومثيراً للجدل والاهتمام، وأيضاً للاستغراب

والاشمئزاز والتعجب والترقب والرصد والتحليل، ولما اتهموه بانتهاك الأطفال، تراءت كل الاحتمالات المرضية النفسية، واشرأب الناس بأعناقهم نحو شاشات التليفزيون ومانشيتات الجرائد، يحكون أنوفهم ويتأملون ذلك المزج

بين الشهرة والهشاشة، وكأنها الخراف الأليفة السمينة التائهة في الصحراء تدعو إليها الضباع والثعالب وكل من هبّ ودبّ.

كانت نفسه مكسورة وشخصيته شديدة الغرابة، شديد الهشاشة، فهل يا ترى كان يراجع طبيباً أومحللاً نفسياً؛ أم أنه أبى خشية كشف غموضه، سرّه وسرّ نجاحه وربما جاذبيته للبعض.

ظل مختبئاً طيلة تلك السنوات، وراء نزعات طفولية وأمنيات عيال، مرة تحت عباءة ساحر ومرة لرجل الوطواط، تحت الباروكات والرموش الصناعية وملابس الرعب؛ وكأنه يطل علينا كرسومات الكارتون في كتب الأطفال الملونة.

ربما تأنّي كل صباح أوكل ليلة قبل أن يختار من سيكون، بزّة العصور الفكتورية أم رجل الفضاء، وكلما حاول مايكل الخروج من سجن نفسه الكئيب، تعثر في أحجار الطريق وحاصرته أزمة أليمة عصفت بكيانه المختلط ولونه البادي كالغراب الأبيض .. ذلك الذي طلى ريشاته بالطلاء الأبيض، حتى يكون حمامة؛ فلا هو ظلّ غراباً ولا أصبح حمامة فانتمى للاشىء وللحدود وللفضاء واللا هوية واللا معرفة واللا انتماء.

كان يزحف زحفاً بطيئاً كالسلحفاة، وسريعاً كالطوربيد في آنٍ .. خارج مساحات جلده يلّونها كما كانت جيناته، ويلونها كما أصبح بدهاناته وكريماته وجراحوا الجلد والتجميل والتصحيح والتصليح والتركيب والتكميل.

هوية غير مكتملة منتقصة، غير سليمة .. كيان مشوه، وكأنه المسخ يمتلئ بالبثور في قلب غرابة الأطوار، وفي بطن التطرف السيكولوجي البحت، ما انتظر إلا وتشقق وتفسخ. تركيبة تجمع مع ما بين تدمير الذات وتحويلها إلى شىء له مغزى جنسي Fetish ، لعب ولعب معه صانعوا البني آدمين اللعب ( كل شىء ممكن !! ).

المعجبون به كثر، مايكل الصغير الذي أطل عليهم من الشاشة الصغيرة ذات يوم، هو وأخوانه الخمسة .. مايكل الذي قرر أن يضع بينه وبين جذوره كل الممكنات، كل السدود، وكل الحواجز .. وكأنه فرقع لوز يأخذ شكلاً إنسانياً ويتقافز كإفريقي مُهذب، يبتسم في انفراجة حلوة تنفتح لها القلوب، وصوت قوي النبرة، مشدود الأوتار .. مع قدرة خاصة خارقة لتحويل كل المشاعر والانفعالات الناضجة. لكن كان الشيطان مختبئاً خلف كل تلك الصور والقدرات خاصة في عرضه المميز (أبيض وأسود).. شاهدناه في بيوتنا على آرائك غرفة المعيشة ومقاعدها، في غرف نومنا ونحن بالبيجاما وقمصان النوم، نلمح شياطين المخلوق الراقصة كظلال الشمعة الذاوي، كالفراشات وهي تحترق، منفتحة متسعة منبثقة عجيبة الشكل واللون والحجم والمظهر، واسعة الصوت والصدى، كبيرة الموسيقى والصمت، عميقة الضحكة والصدفة .. تتنقل في سحر اللحظة وفلسفتها، من تحول لآخر، من حالة إلى حالة .. وخلف شاشة التلفزيون، يتخفى قرد وبني آدم، امرأة ورجل، رجل آلي وحيوان إنساني، طفل وقزم، بهلوان وشرير ..وكهل وحكيم ..

نعم مايكل جاكسون أسطورة لابد وأن تذكرنا بتلك العرائس البلاستيكية (المانيكان)، وتلك النماذج البشرية المصنوعة من مواد شبه شمعية، توضح في جلاء ما في داخلها: المخ الأمعاء والأعضاء التناسلية، القلب والكبد والطحال والكلى، وكأننا في درس للأحياء أوعلم التشريح لكن بدون انفعالات. كان مايكل جاكسون النسخة (اللحم ودم) هو كل تلك             (المانيكانات)، منها ولها .. ممثلاً لعذاباته وتعذيبه، ونفسه المغمورة المفتوحة المجروحة الموهوبة. الرق والنوع، أبيض أسود، أمريكي زنجي ولربما كان جاكسون الأقرب إلى تشخيص الحِدّية Borderline .. ليس ذلك الواقف على الحدود، لكن هذا الذي يتأرجح ما بين مساحتي العقل المتوتر والنفس المجنونة (مجازاً وفعلاً، استعارة حقيقية، كناية وأعراض).

كان حقلاً متسعاً من الاضطرابات النفسية صيرورة منها، ذهان وجداني يعود ويرتد للواقع اختياراً وقسراً. وكان أيضاً يعاني من اضطراب وتشوه صورة الجسد BDD سعياً لأن يقتله اللون وكأنه يغني أبياتاً لشاعر عربي مات

الأسود صار أمير اللون

الضوء يموت

يموت الضوء
يونس لن يخرج من بطن الحوت

الهلالي السنوسي

حمل معه كرهاً عميقاً لأنفه حتى بعد أن عدّلها لتصبح كأنف مارلين مونرو، وتذبذب نوعه وشاع جنسه، وتمكن منه الوسواس القهري ذهناً وفعلاً.

لكن هل لو كان تلقى علاجاً نفسياً؛ فهل كان سيساعده، لا، ببساطة لأنه قد خلق بيئة نرجسية لها ألف مرآة، تعكس ألف صورة، تغوص بعضها في حيل نفسية دفاعية ومقاومة ضخمة، تمنعه منعاً باتاً من كشف عالمه الداخلي، لأي أحد في أي عملية نفسية.

الثروة، الجاه، الشهرة، ضغط الخيال الداخلي الجامح، كالفرس الثائر .. الفانتازيا المتمكنة العنيفة الصاخبة الصارخة لصحراء الوجدان الملفتة في شذوذها وغرابتها كعالم وواقع.

ماذا عنه سلوكه الغريب وهويرتدي القفازات مداعباً طفل الشمبانزي، أومدلياً طفلاً من فوق حافة شرفة للمصورين المهووسين، أو تحولات وجهه من الرجل الأسود إلى الصورة الممسوخة لامرأة بيضاء، مُحيراً معبراً عن اضطرابات نفسية شتى، نامت في ثنايا ثقافة متنوعة جداً .. تربص لها وله، تقدم السن والنضج الإنساني كأعداء مقاومين شرسين.

ربما كان الحنين إلى الماضي (النوستالجيا)، شديداً في قلبه يدفعه دفعاً في عملية (تكوين عكسي) شديد، ضد أن يكون نفسه وقتما كان طفلاً، تُرى ماذا كان يفعل في حفلاته مع الأولاد ذوى الاثنى عشر ربيعاً وهم ينامون في مسكنه الخاص هل هوشذوذ طفلي أم حنين جارف للطفولة البيضاء.

قال مايكل في صوت مخنون مشنوق حاد رفيع وكأنه فقط تسع سنوات من العمر (لم لا أشاركك فراشك أيها الصبي) .. (أجمل شىء في الدنيا أن تشارك آخر فراشه) قالها الولد ذي الخمسة والأربعين لولد في الثانية عشر، ربما كان حباً تمدد وصار عشقاً ورومانسية مفرطة في طفولتها ؟! ربما.

وبعدئذٍ تأتي دراما الدمار؛ فهل كان مريضاً بعشق الأطفال جنسياً، أم أنه كان ينكص إلى طفل لم يعشه، طفل أبيض.

الإجابة غير واضحة مبهمة، لا تأتي في إطار الإعلان والاتهام، رغباته المدفونة في عقله الباطن، تتمكن فيه ومنّا تخرج مقذوفاً موسيقياً، كلمات أغاني، أغاني، حركات معقدة جداً، رقصات وملابس ودنيا وأحلام ومسارح وجمهور وأيقونات.

كان مزجاً مختلطاً من كل الألوان والأنواع وكأنه يعيد الخلق لنفسه مرة أخرى.

وكأنه يهمس لأمه ( ماما أنظري إلي ..أنا مايكل ..نجم البوب .. السوبر ستار).

مايكل مات بظل لونه وأنفه القديم.

مايكل كان وحيداً في أرض مليئة بالمطبّات والمفاجآت آخرها كان موته.

 

حُمَّى الأردية البيضاء

حُمَّى الأردية البيضاء

الإثنين 28-09-2015

حُمَّى الأردية البيضاء

طالعت بكثير من الاهتمام ملف عدد الماضي من (“الكاتبة” العدد السابع حزيران يونيو 1994 قالت شهرزاد) والذي ضمّ بين جنباته ثلاث عشرة قصة قصيرة كل منها يحمل أهمية خاصة ولوناً متفرداً غير إنني توقفت كثيراً لدى قصة (يارا المعاني) ” خيط بنفسجي”، ليس بحكم مهنتي ولكن من باب عشيقي للغة والنفس في زواجهما الرائع وتقاربهما الحميم. القصة جميلة وغربية ومتميزة إنها أشبه بالقصيدة المتمكنة الرواية الحاشدة للتجربة الإنسانية الخاصة. القصة ككل ليست مجرد تحديد في الشكل والمحتوى بقدر ما هي علامة رائعة لهذا التجدد في دم القصة وروح القص، حقا تراثنا وكتابنا العظام ما زلنا نحتفظ لهم بأصالتهم وأعمالهم، لكن الرواي لم يعد يلفت انتباها كثيراً ونحن على مشارف القرن العشرين، ونحن نعتصر ونمر بتجارب غاية في القسوة من حولنا وبيننا، هنا في قصة (يارا المعاني)، الكيّ بأسياخ الواقع، النفاذ بالصبر داخل البصيرة، النفاذ في نسيج الكلمات وتطويعها لتجسيد وليس لتصوير التجربة النفسية الخاصة بكل عذاباتها، والتجربة النفسية الخاصة والحقة لكل منا هي التجربة النفسية التي ليست كوعكة صحية أو كنزلة برد وغن كانت تتشابه معها؟! كيف؟! في اللغة تتفتت المفردات وتتكثف، بينما يتطلب بناء الجملة تجربة حية فيها توقع وترقب، انفجار وازدهار حتى يطلع النص كما طلع لنا في قصة (خيط بنفسجي)، فإذا رأيت صديقاً يسعل ويعطس وينفخ انفه، فلسوف، بعد ملاحظتك لكل ما يقوم به، تسجل ما قام به، تجمعه سوياً، كأن تلغمه في خيط مسحور وتسميها (نزلة برد)، ثم تضعها في جملة مفيدة: (ها أنت تعاني من نزلة برد!! أرجوك لا تعديني، لا تعطيني نزلة البرد)، كما لو كنت قادراً على أن تمسك بها. وهذا لا يعني إننا نرتاب في وجود السعال والرشح والعطس، فهي أمور لازمة لنزلة البرد إلا أنها (نزلة البرد) تظل وتبقى عملية مركبة جداً ومعقدة للغاية. هكذا كانت، فما بالك بالتجربة النفسية الإنسانية البالغة الثراء والتنوع إذا أرادت وصفها، لا إذا أرادت أن تعيشها لغوياً، لا ان تكتبها، بل ان تحولها الى ألفاظ ومعان ان تخطها حروفاً قاسية حامية الوطأة مشحونة قاتلة مؤججة ومتأججة مشبعة بالألم ومنفجرة بالعذابات، تضج حتى بؤبؤ عينيها بالحقيقة، منظومة وكأنها الكواكب السيارة تطال النفس والجسد وتعقدهما كما المنديل المعقود في اكثر من موضع، إذا أتتك الهمه وأردت أن تفك عقداته مرة واحدة أو على مراحل وايام، فكيف كانت أنا ملك في تعاملها مع عقدة المنديل وكيف كانت العقدة في أحكام وأي من أنا ملك استخدمت وكم من مقاومة واجهة ثم كيف كان المنديل بعد أن تحرر، متعرجاً منكمشاً أم حراً منطلقاً؟!

قصة يارا المعاني (خيط بنفسجي) هي الصوت ورجع الصدى أنها ليست قصة أنها الحياة المكلومة في شكل قصة وكأنها أوفيد الأسطورة أشلاء تتناسخ وتلتحم، تتكون وتتجمع وتكون رجلاً وتكون امرأة وتكون طبيباً نفسياً وممرضة ومريضة، ولولة وشقيق وستائر ولعاب ورحيق، انه الغزل والنسج، النحت والحب، التعب والعشق، التوتر الدائم التعذب والتأوه، انه الإيقاع البيولوجي الكوني الذي يوجه الحياة، ويعتني بالإنسان انه الورد المبرقش بكل روعته وانسجامه، لكل أشواكه ودمائه: قصة تتناسخ فيها الفانتازيا وتنام مع الواقع، تمارس معه الحب وتأكله فيأكلها.

تبدأ القصة بجملة تقريرية:

“لا زلت ارسف في قيد الحياة”

هذا التبديل في اللغة /المعنى من (لا زلت على قيد الحياة) الى (لا زلت ارسف في قيد الحياة) والحفاظ على القيد بمعنيين مختلفين ليس استعراضاً لقدرة لغوية خاصة بقدر ما هو تقرير بديع لحالة مأساوية من واقع التجربة السريرية يعاني منها الكثيرون حتى هؤلاء من لم يتقدموا للعلاج النفسي، وحتى هؤلاء الذين لم يسروا لأحد بأنهم بالفعل يرسفون في قيد الحياة، ان حدود اللغة هنا، بالفعل هي حدود العالم.؟، كله بأسره، من الدور في باطن الأرض وفي المنتهى.

ثم تتقدم يارا لتحكي حكاية مختلفة، حكايتها مع الأشياء والناس، وهي دائماً ما تقلب المفردات لتحقق معنى خاصاً بالعالم كما تراه يارا، فليست هي الأشياء في حد ذاتها التي تقلقنا، لكنها انفعالاتنا نحن معها ورؤيتنا لها، فإذا قال يارا: “قريباً/ ستزعق تلك الأمسيات/ في أبخرة الشاي/ وقرب المدفأة/ وفي كل مضغة ريش تحت صدغي”. القص المعتاد في رأي سيقول: ستزعق أبخرة الشاي في تلك الأمسيات… لكن المفاجأة هنا أيضاً في نهاية الجملة-تحت صدغي- كل هذا تحت الصدغ، وتحته يتم المضغ والتخزين كضم الغيظ،وكتمه تمهيداً لبصقه أو لابتلاعه داخل الجسد.

(سأرحل ثانية بفضل أضابير المستشفى إلى العالم…)

تقرير صعب، الرواية (يارا المعاني) تحدثنا عن بطلتنا المقهورة وعن رحيلها مرة أخرى إلى العالم ليس بفضل أي شيء سوى أضابير المستشفى، ما أقسى ذلك!! وتستطرد قائلة (كما صرح طبيبي منتصراً بأنه يسمح لي بالمغادرة…) نعم هكذا هم معظم الأطباء، إحساسهم الألوهي بالقوة، يجعلهم يحسون بالانتصار عند (السماح) لمريض بالمغادرة ويارا تعاكس هذا التصور النابع من واقع الرؤية والعلاج النفسي الحديث رغم تقدمه كثيراً عما كان في العصور السابقة فتقرر لنا في شكل فلسفي عميق: (كان الموت هو حالة ارتداد عن الطبيعة، أو التباس خطير في تطبيق قوانين الحياة داخل الحياة) إذن كما زعقت الأمسيات داخل أبخرة الشاي، الموت ليس ارتداداً عن الطبيعة؟! هل هو الطبيعة! هل هو امتداد لها؟ هنا تلغي يارا انتصار الطبيب وتقهره.

ثم تستطرد الكاتبة لتروي تفاصيل الإجراءات التي عادة ما تتخذ عند دخول المستشفى النفسي (الممرضات يمازحنني ويعرينني دوماً من الشوكة والسكين ودبوس وقرطي الذهبي، بحجة الحفاظ على هذه الأشياء من الضياع…داخلي)

داخلي بعد النقاط الفواصل تنهي أهمية هذا الإجراء لان قيمة تلك الأشياء التي ترمز للاستمتاع بالحياة انتفت داخل الإنسانة المكتئبة.

ثم تصدمنا في آخر الفقرة (بالإضافة إلى أن طعامي مهروس)، نعم لا حاجة للشوكة والسكين فكل شيء معد سلفاً، وهكذا هي الحياة، لا طموح لا قرار لا إرادة ولا أمل.

وبعدئذ تصور يارا المعاني الساعة رمز الزمن الحي تصويراً بارعاً في نفورها على الجدار الوردي، انشقاقها من الحائط، لهاثها بأناقة، وصورتها الشبيه بالأنات وبحات من سبقوها الى ذلك المكان، وهي هنا تذكرّ بتجربة الدخول الى السجن، المعتقل، المستشفيات، المعسكرات، حيث تكون للجدران ذاكرة تراكمية يحس بها كل قادم جديد، نعم بمجرد تأملها أو تلمسها أو حتى قراءة متعثرة لخطوط باهتة متناثرة متنافرة هنا وهناك. وترصد هنا أيضاً تجربة (المغسل) حيث دوماً ما يهتم أولى الأمر بغسيل زبائنهم الأحياء والموتى، في الجيوش، وفي المصحات العقلية وفي المستشفيات الجذام، لكن ما يحدث حقيقة في المغسل؟!

يتخلص الجميع من صداع (أجزائهم المفككة) والنتيجة: يخرجون لامعين كاملين اما الى الشارع أو المقبرة، وهذا حقيقي لان الاغتسال القسري يؤدي اما الى الموت أو الحياة.

ثم تستطرد يارا في الجزء الأول من قصتها لتحكي عن علاقة ثلاثية الأبعاد تتناول الممرضة، التي تحب الممرضة والطبيب الذي يداعب الممرضة ويقبلها وهي تحكي عن ذلك بكثير من الغضب، فتصف أذنيه بالمشنوقتين تترنحان عند ركبته (تهكم شديد وتحقير متمكن)، وتقول (أتراها توشي بأصابعها رقبته العقيمة) وحبها للممرضة يظهر في تساؤلاتها عن احساساتها (أتراه يحس بذراعيها الدافئتين كما عهدتها).

(وأنا التي كنت على وشك أن أوزع من رهافة كفها وسائد لكل أسرة المستشفى).

وهي تعاتبها مكررة عتابها (ليتها سألتني.. ليتها سألتني) (ليتها سألت لهاتي القاحلة قبل أن تبلل بلسع لعابه) هنا لهاتها رمز العطش النفس والجنس، قاحلة، ولعابه رغم انه يبلل إلا انه لا سع لا يرطب.

وتنهى وصف اللقاء بين الطبيب والممرضة مرة اخرى، كما عودتنا بتقرير قاسٍ جداً:

(لو سألت مومساً مشروخة سبق لها أن خمشت شرايين الجميع وتهشمت في أرديتهم البكماء)… نعم لو سألت ممرضة البطلة مومساً مشروخة نالت منها التجربة الدموية وانتهت مهشمة في (الأردية البكماء) وكأنها تعني تلك المعاطف البيضاء التي يرتديها الاطباء، أو المعاطف الصوف التي يرتديها الأغنياء، وكأنها رمز القوة والسلطة والهيمنة.

وتستطرد القصة في الاسترسال الخطير، مستخدمة عبارات ذات دلالات مثل: (لعلها مصادفة أن تحشر الشمس في عيني).

(تكتشف بفضل المصادفة وحدها دمي التعب تحت الوسادة).

(أتقلص… خشيته أن أقرض من قدمي البعيدتين).

(محصن خيال الإدعاء أن حقيقتي تأتي نظيفة، في الجريدة، كالرحم، مرة).

وأنا لا أدعي ولا انوي ليّ ذراع العمل الأدبي تحت ضغط التجربة السريرية وإنما من كل ما سبق تتكون العناصر الموحية باضطراب نفسي بالغ، يهيم على شفا الانتحار بقطع شرايين الرسغ تحت الوسادة، الى الارتباط بالرحم- مرة- والغريب أن الرحم في اللغة الإغريقية القديمة (أصل الطب) يسمى HYSTER UM ومنه أشتق الاضطراب النفسي الأشهر بين النساء (الهستريا) وهو لا يعني الصراخ والعويل بقدر ما يعني تصدع وتفكك وتحلل أجزاء النفس هنا وهناك من اجل مكسب أو أكثر (ثانوي أو أولى) من الحياة وممن يتحكمون فيها.

ويستمر الوصف التعبيري:

(جدران البيت المجدبة

التي تنزلق عليها قسماتي وتنفي حتى القاع)

(آتي بأحلامي المربعة كما زواياها)

(تولول بإلحاح راجفة من مرآى حذائي الوسخ)

الأحلام غير المستديرة، مربعة، غير سلسلة

الولولة لمرآى الحذاء الوسخ فيه تعب وكآبة وضيق.

ونأتي إلى مقطع في القصة يشير الى عنوانها حيث تلتقي المرأى مع رجلها (نجلس الى الطاولة الزجاجية التي يخترقها، رغم الضوء الأبيض، خيط بنفسجي متمرد) نعم بالضرورة يجب أن يكون متمرداً في تلك الأحوال، وهذا ينسجم تماما مع ما يأتي:

(كل شيء، بالمقلوب يثير شهيتي)

(قوادمي شيخ خرافي يحيي برونز الكؤوس برعب)

(أتجمد كي لا أهوى)

(أني مفتونة بالتدريج نحو ذلك الوادي)

(أناشيد التحرير، أناشيد الثورة

لا تمل أبداً لأنها بلا ريق يجف)

واضح فيما شبق أن دور النفس الجسدي

Psychosomatic role

يحوي الشهية والاحتساء، كما أن الدور النفسي الدرامي Psychosomatic role يحدث في موازاته: مفتونة بالتدريج، شيخ خرافي. إنها الرواية تجعل بطلتها الشرهة الى اكتساب النفس بشكل جسدي، ولاكتساب المواقف الحياتية الانفعالية المختلفة أدواراً مختلفة، وهموماً فإن كل واحد منا مشحون بأدوار مختلفة يود أن يكونها فهو يود أن يكون نشطاً وفعالاً وقادراً، من خلال هذا الضغط الفاعل تتفاعل وحدات الفرد الكثيرة وتظهر في شكل دور رئيسي أساسي قد يحس بالتوتر والفلق.

في استطرادها في تلك القصة الفذة من وجه نظري- تدخل يارا الى عالم فنتازيا غريب خلال ثلاث ساعات (تسحب فيها من عينيها الفارغتين المضيئتين) (لاحظ التناقض الفاعل كما الدور الذي شرحناه سابقاً).

(تتهرج الألوان في رئتي بإيقاع حبيس)

(مرة أخرى تناقص فاعل)

ورحلة الفنتازيا، هنا، ملأى بصور خرافية فها تكهرب- أنصال- ضوء بنفسجي- مساحات برتقالية- وجوه ورعاف- زناد وأثداء- عازفين مصعوقين والآت مقالة) الى آخر السرد الذي بدأ كجحيم دانتي أو داخل فيلم استخدمت فيه الألوان والأشكال وكافة المؤثرات السمعية والضوئية ولعنا نتوقف قليلاً عند تلك الجملة في الصفحة الأخيرة من القصة والتي تقول فيها:

(أنظر إليها أشعر برغبة حارقة في انتزاع الدبابيس من شعرها المصفف لأغرسها في كفيها).

الرغبة هنا حارقة، للانتزاع، لدبابيس (حادة) من شعر مصفف، لا لترميها أو لتغرسها في وجهها ولكن في كفيها، وكأن تلك المسامير التي دقت في كفي السيد المسيح، مزيج من الرغبة العدوانية المتوحشة تجاه امرأة مصففة الشعر وربما المشاعر أيضاً. نصفي مجنونة، ونصفي يشتم).

انه غضب والتصوير اللغوي الجميل لحالة إنسانية عارمة يعاني منها الأسوياء والمتعبون على حد سواء.

(تلوك ملابس لتفوح من الحرير والساتان عقاقير صفراء واخزة تخدش كفيّ الى جوفي).

والجملة هنا قوية قوة التعبير الصلب عن العقاقير ذات التأثير النفسي التي- بعضها- غالباً ما يترك لوناً وأثراً على الملابس الداخلية(الحرير والساتان)، لكنها وفي تحويل غريب تجعلها- العقاقير- تخدش كفيها رمز إشارتها إلى جوفها، وهي كناية عن (التكبيل) وعدم القدرة على الحركة، التكور الجنيني الى الداخل، وهو أمر حق بالفعل تحدثه العقاقير (المعقلات) لدى المرضى، وتكتمل الصورة بـ (تنتقل الحفلة الى جوفي) كما لو كانت تعبر عن التأثير الذي احدثه الدواء داخل الجسم، ثم (تدق الأوتاد في انحائي) مرة اخرى ايحاء بالصلب، (لانها تخاف ان اشربها وهي نقاط الدم الصغيرة المبتولة)

هل ترى يجيء ذلك في سياق الصلب والدم وشرب النبيذ/ الدم؟! ربما، ولانني اخشى-تماماً-تطويع العمل الادبي- لنظريات طبية نفسية مسبقة، او تجارب سريرية ممحددة لمرض ومرضيات اشتركوا فيما اصطلح عليه يونغ بـ (اللاوعي الجماعي) الا ان القارئ البعيد، غير العارف بشخصية الراوي وشخوص اعماله يكون في حرية احياناً لرسم الشبخ المتخفي وراء الجو النفسي العام ومزاج القصة.

مرة اخرى تعود الى وصف الطبيب في تهكم قاس.

– (تقدم مني ابيض صاعقاً، واذناه في جيبه، والتقرير في جيبه، انفاسه رزينة…)

– (كانه محنك أحكمته امثال هذه الشعارات)

وتبدو لي العلاقة بين المريضة والطبيب قابلة لما يصطلح عليه بالطرح Transference فالمريضة اسقطت كل قرفها من شخص هام في حياتها، قد يكون الحبيب الذي قضت معه ثلاث ساعات في اطار الخيط البنفسجي، وقد يكون الاب او أي مفتاح ادمي اخر ويتودجه بعض المحليين النفسيين الى اصلاح غريب: (الجنون العلاجي) استبدالاً لعملية الطرح او انتقال المشاعر تلك، فهنا فان الوهم وخداع البصر والبصيرة الناتجين عن اقتحام الانفال اللاشعوري دون استلام واع كامل، وهنا تبدو العملية كلها وكأنها (حلم يقظة) باهت واعد، ولكنه ايضاً، غير مقنع.

ختام القصة التي اقفز اليه مظطراً لان الاستغراق في كل لفظة سيكلف العمل الادبي والنقدي مالا طاقة لنا به، تكثف باقتصاد لغوي شديد كل التجربة قائلة:

(كنستني بهشاشة تعرف ما تريد)

كنس وليس ازاحة، وبهشاشه تنم عن احتقار لارقة، وتعرف ما تريد، حتمية ضرورية.

القصة تشكل تقدماً في تطور التعامل مع اللغة، من باب المعالجة والمفاجأة، الدهشة والصدمة من باب خوض التجربة النفسية كاملة من داخل الحروف والكلمات لا وصفها او التعبير عنها، انه ذلك التطور الداخلي العام المنعكس على الشكل ليس من باب الغرابة والغموض، بقدر ما هو الصدق المباشر والغوص في لحمة الكلمات، لتكتسب شكلاً قد نكونه وقد نراه ونحبه ونعيشه

 

عابرون في كلام عابر

عابرون في كلام عابر

الإثنين 28-09-2015

شعر محمود درويش

أيها المارون في الكلمات العابرة
احملوا أسمائكم وانصرفوا
وأسحبوا ساعاتكم من وقتنا،و أنصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صور،كي تعرفوا
انكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من ارضنا سقف السماء

ايها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف – ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا
منكم دبابة اخرى- ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز – ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص..و انصرفوا
وعلينا،نحن، ان نحرس ورد الشهداء
و علينا،نحن، ان نحيا كما نحن نشاء

ايها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر مروا اينما شئتم ولكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
خلنا في ارضنا ما نعمل
و لنا قمح نربيه و نسقيه ندى اجسادنا
:و لنا ما ليس يرضيكم هنا
حجر.. او خجل
فخذوا الماضي،اذا شئتم الىسوق التحف
و اعيدوا الهيكل العظمي للهدهد، ان شئتم
على صحن خزف
لناما ليس يرضيكم،لنا المستقبل ولنا في ارضنا ما نعمل

ايها المارون بين الكلمات العابره
كدسوا اوهامكم في حفرة مهجورة، وانصرفوا
واعيدوا عقرب الوقت الى شرعية العجل المقدس
!او الى توقيت موسيقىمسدس
فلنا ما ليس يرضيكم هنا، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم : وطن ينزف و شعبا ينزف
وطنا يصلح للنسيان او للذاكرة
ايها المارون بين الكلمات العابرة
آن ان تنصرفوا
وتقيموا اينما شئتم ولكن لا تقيموا يننا
آن ان تنصرفوا
ولتموتوا اينما شئتم ولكن لا تموتو بيننا
فلنا في ارضنا مانعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الاول
ولنا الحاضر،والحاضر، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا…و الاخرة
فاخرجوا من ارضنا
من برنا ..من بحرنا
من قمحنا ..من ملحنا ..من جرحنا
من كل شيء،واخرجوا
من ذكريات الذاكرة
ايها المارون بين الكلمات العابرة

كائنات خالية من الضوء

كائنات خالية من الضوء

الإثنين 28-09-2015

قصة لـ خليل فاضل

منشورة بمجموعته (شادي عبد الموجود)


صاحت المغنية، وصاح المستمعون معها:
“أحلف بسماها وبترابها،أحلف بدروبها وأبوابها،ما تغيب الشمس العربية،طول ما انا عايش فوق الدنيـــــا”
كان اللحن حماسياً للغاية، رتمه عال ودقاته قوية، جمله قصيرة، يسري مندفعاً وسط الحضور ذوي الياقات البيضاء والبذلات السوداء.
كررت المغنية الأغنية؛ فقاطعها رجل يميل إلى البدانة في منتصف العمر، وصل صوته الجهور إلى كل بقعة في القاعة الفسيحة، وكأنه يمسك ميكروفوناً خفياً، صاح:
ـ”غابت الشمس العربية، ورحمة أمي غابت، راحت وما رجعتش،
ما اعرفش أصلاً إذا كانت طلعت واللا لأ، وبعدين إيه عايش فوق الدنيا دي؟! …. أنا مش عايش يا هانم!
أنا ميّت متحسَّر ومتكسّر ومتنيّل بألف نيلة ونيلة،
أنا تحت الدنيا، تحت خط الفقر والمصحف الشريف تحت خط الفقر.
أنا اتسللت هنا لابس بدلة أبويا المرحوم. دخلت مع الخدم والسفرجية.
ما شافونيش التـُحف بتوع الأمن، الأمن البهوات همّ وجهازهم العبيط اللي بيزمر ع الفاضي … طظ فيكم كلكم!
جاء رجال كثيرون من مختلف أنحاء القاعة المكتظة بالهوانم والألماسات. حملوه وكتفوه. كان ثقيلاً علهم، لم يقاومهم. أمسك بيده وردة حمراء بلدي كانوا قد وزعوها خارج القاعة ليهديها الرجال إلى نسائهم. لم تكن لديه امرأة، ولا كلبة أو قردة أو قطة أو حتى نملة. جلجلت ضحكته في الردهة الخلفية.
عزفت الموسيقى مرة أخرى، وفي حماسة أكبر وأخطر. أعادت المغنية الكوبليه في إصرار شديد على الاستمرار، كما أن الفرقة أصرّت على أن تعزف حتى آخر وتر، دقّ الطبّال الشيك في عنف، وردد البهوات خلف المغنية:
(ما تغيب الشمس العربية …
طول ما انا عايش ………. )
لم تكتمل الجملة المغناة، توقف الحشد وكأنه في حداد، جاءهم صدى خطير تسلل من كل السمّاعات غازياً التكنولوجيا والأمن :-
(الشمس العربية غابت. غابت يا ولاد الكلب، وأنا قلتلكم. انتم مش عايشين فوق الدنيا. انتم سفلة، وبتحبوا تصدقوا نفسكم!!)
جلس الحضور على كراسيهم. أمسكوا بتذاكر الحفل. تهدّلت رؤوسهم على صدورهم، ثم غطّوا في نوم عميق.
(2)
تهدّل رأس السيدة التي ما لبثت أن بلغت الأربعين. تهدّل على صدرها. تنكس ولم ترفعه، قالت في صوت خفيض:
ـ أنا عندي اكتئاب، اكتئاب مزمن، معشق في كل حتة ف جسمي وعقلي. داخل في تجويف قلبي ومعشعش في كياني، اكتئاب وسخ ما لوش حلّ، عارف لّمّا شفت صدّام حسين وهمّ بيطلعوه من الحفرة أشعث الشعر، كإن عمره 1000 سنة ولسّه طالع من الكهف. كإنه واحد تاني استنسخوه، وبيفلّوه بالضوء وهم لابسين جوانتيات طبية بيضا عشان ما يتعدوش. صدَّام الديكتاتور الحرامي الحقير. أنا كنت باكرهه كره الموت لكن لما شفت المنظر ده، قلبي اتقبض، ووشي اسوّد. اتنزعت مني كرامتي. فتحت الشيش. دوّرت على الشمس العربية. ما لقيتهاش. وقعت على السرير وقعدت أضحك بشكل هيستيري. من ساعتها وأنا عندي الاكتئاب الوسخ ده.
(3)
قلّبت المرأة السكر في الشاي وهي واقفة كعمود الصواري في مطبخها العتيق، ندّت عنها ضحكة خفيفة وهمهمت للسكر:
ـ هوّ انت ما بتدوبش ليه يا سكر؟! … مقاوم، ولا مغشوش واللا إيـه؟!
ولم يردّ السكر. استقر في قاع الكوب الذي أشرق بلون الشاي الأحمر. ارتشفت رشفة فاقشعرّ وجهها وكأنها قد تذوقت الحنظل. كانت وحيدة. ماتت أمها وهي في الثالثة، ومات أبوها وهي في الثالثة والثلاثين. اتخطبت مرتين واتفسخت الخطوبة مرتين. طمعوا فيها الرجالة رغم تواضع أنوثتها، وقهروها النسوان رغم محاولاتها للصلح والسلام. سمعت صوتاً يناديها من غرفة النوم:
ـ يا وردة. يا وردة يا وحشة انتي فين، أنا مستنيكي!
تفزعّت وانتفضت، ثم تماسكت وصاحت بصوت عال علّه يزيدها شجاعة:
ـ مستنيني إيه. وفين؟ انت مين أصلاً؟!
ضحك الصوت ضحكة الواثق العاشق. أطلّت من جانب حيطة المطبخ على باب غرفة النوم، وجده يطلّ برأسه، يغمز لها، وقد وضع على شعره جِلّ مستورد، بدت قسمات وجهه نضرة، فاح عطره، تمهل ثم قال:
ـ مش عارفاني يا وردة؟! دا أنا عشيقك من يوم ماكنتي 3 سنين. رحتي فين؟!
مش احنا كل يوم بننام مع بعض؟!
أنا الاكتئاب يا وردة، نسيتيني واللا إيه، هاتي الشاي وتعالي.
خلعت لبس الخروج. ارتدت قميص النوم الأحمر الملعلع، وضعت أحمر الشفاه والبودرة والكحل، مشطت شعرها وتراقصت أمام المرآة، دخلت إلى الفراش البارد، تغطي نفسها وتتأوّه كامرأة مُجرّبة رغم أنه لم يمسها ذكر قط.
(4)
وقفت البنت التي في منتصف العشرينات، تحالو أن تطاول سقف الغرفة بطولها، ارتاحت على الأريكة المستطيلة ذات التطريز الخاص. شهقت وكأنها تدعو الحياة، همست:
ـ عارف؟!
ـ هه؟!
ـ أنا باحس بالذنب إذ تركت الصلاة، لكن لا أحس بالذنب إذا نمت مع رجالة؟
شقّت هدومها وصرخت، فطار طيرُ وارتفع ثم حطّ على سلك الكهرباء العاري، انتفض ألف مرّة ثم مات متخشباً.
(5)
تخشّب جسد أم شَهد والشيخ يمسك برقبتها، يصرخ في العفريت: اطلع … اطلع.
أخذها زوجها سيد إلى المستشفى.
قالت له:
ـ لزمتها إيه المصاريف دي يا سيد، دكاترة ومستشفى وشيوخ؟! والنبي ودّيني عـُمرة مولد النبي.
راحت العمرة وعادت، اشترت عروسة المولد وأكلتها، ضمّتها الأحزان والأشجان، تقلّبت بها المواجع، توترت واسودّ وجهها، قالت لزوجها:
ـ أنا يا سيد بآكل صابون!! بحاول أغسل نفسي من جوّه …
حرقت كيماويات الصابون تجاويف فمها. اختفت من عينيها البهجة. لبست العدسات اللاصقة بلون شفتشي. أطرق سيد، كتم غيظه وغضبه وقلّة حيلته.قامت لتجلس إلى جواره على الكنبة، قالت في صوت مليء بالإغراء:
ـ سيّد، هاتلي ريسيفر أشوف بيه الدنيا واتلهي فيها أحسن من أي علاج، دي هيفا بترّد الروح حتى للنسوان.
(6)
وقفت البنت على كعبيها بالحذاء العالي جداً، المدبب جداً، صاحت:
ـ آه باحبه، باموت فيه، مش وجدي أكبر مني بـ 38 سنة، طظ. الدهن في العتاقي. بيفكرني ببابا بالظبط، حتى مشيته زيٌّه، بنهرب مع بعض لشاليه عين السخنة ونعيش حياتنا، أنا عارفة أنه بينام مع كل تلميذاته تقريباً، وإنه راجل وسخ، بسّ في عينيّا زيّ السكر، نفسي نفسي، أكبّر صدري كده، وأبقى زي هيفا، لو ده حصل هآكل شهد. هاعمل شغل ما حصلش، يمكن خطيبي يرجع من العراق، مش فاهمة شغل إيه ده اللي راح له. على فكرة خطيبي ده كان بيحب صدّام حسين، وميعرفش إن أنا على علاقة بوجدي، وحتى لو عرف. رجالة معفنة وما عادش عندها نخوة.
(7)
صدحت المغنية من الراديو من خلال إذاعة مجهولة:
(……… ما تغيب الشمس العربية)
صاح الرجل الماشي في الشارع: ………. روبابيكيا!
أذن الفجر، فقامت وردة لتغتسل.
مشّط الاكتئاب النائم معها حاجبيه ثم لعّبهما في احتراف.
خبط رجال الأمن على أبواب كل الشقق، وكأنهم المسحراتية صائحين: اصح يا نايم!
قال عبده النجار:
ـ بس احنا مش في رمضان يا جماعة؟!
ضحكوا ضحكة جوفاء. قال كبيرهم:
– وبتناقش كمان يا ابن الكلب؟!
وضعوا كل السكان في البوكس.
انطلقت السيرينا مع صوت المغنية لتكمل الكوبليه:
(…….. طول ما أنا عايش فوق الدنيا).

 

 

ما فعله المنفي بقلب درويش

ما فعله المنفي بقلب درويش

الإثنين 28-09-2015

أخبار الأدب
خليل فاضل

صحوت من النوم مفزوعا (محمود درويش مات)
انفجر الشريان الأبهر ذلك الذي يحتل وسط الصدر ويغذي العقل والنفس والوجدان بالدم، وكأنه الرمزلانفجار شريان الوطن. لم يمنع هذا التفسير من الحزن المكتوم علي الرجل الذي صحوت علي شعره وأنا بعد 19 سنة أتعلم وأئن وأرتاح علي صدر كلماته كلما زاد عليٌ حمل السنوات، التقيته في مكتبه بالأهرام والتقيته في لندن في أمسية عزف فيها الإنجليز ألحانا خلف إلقائه لأشعاره المحكمة، واحتفظت بكل أوراقه المطبوعة نثرا وشعرا وسادة أتكيء عليها في وحدتي وغربتي
ولكن كما تعودت الفقدان تلقيت الخبر الفاجعة بالصمت. نعم كثير من الشعراء يصابون بأمراض القلب والأوعية الدموية ويموتون بها. لكن محمود درويش حالة خاصة. المسألة بالفعل عند الرجل أكبر من حالة اكتئاب تسبب مرضا في نسيج الوعاء الضخم (الأورطي) حالة فتحته علي مصراعيه وأفقدته صلابته ليفشل في تنظيم تدفق الدم. لكن الحزن الدفين المؤثر علي هرمونات الجسم وكيماء المخ العصبية المتعكرة باشر تأثيره السلبي علي محطات الوجدان في قلب المخ الذي سري بهمومه عبر النهايات العصبية للقلب وأوعيته الدموية الضخمة فأصابها بالفشل ثم الانفجار.

لكن لابد من تأمل آخر نص كتبه محمود درويش ولم ينشر في كتاب وهو يتحدث عن المنفي، ويذكرني تصنيفه للمنفي بالداخلي والخارجي بسيدة مصرية عادت من منفاها الاختياري بأمريكا إلي مصر وهي تئن تحت سطوة هجرتها الداخلية القاسية فهي كما يقول درويش (كانت غريبة عن مجتمعها وثقافتها، وشعورها بأنها مختلفة) وعرفها بل شخٌّص حالتها الاكتئابية الجسيمة ولا نقول (اكتئابها كتشخيص لمرض يعالجه المعالج) _ بأن المنفي مقيم في الذات المحرومة من حريتها الشخصية في التفكير.

وإذا تأملنا درويش من خلال كلماته التي تصف نفسه قبل وفاته ربما سنوات كثيرة (المنفي الخارجي انفصال المرء عن جغرافيته العاطفية، انقطاع حادٌ في السيرة، وشرخ عميق في الإيقاع(.

عودة إلي الناس في حياتهم اليومية وهمومهم المزمنة نجدهم يقولون في تعبيراتهم العادية (لقد كدت أموت من الخوف) أو (قتلتني الوحدة) أو (كاد قلبي يتوقف من الرعب)، تنويعات مختلفة علي ألحان الموت والقلب تكاد تتمحور حول ذلك الخوف القابع في أنسجتنا متحولا إلي كيمياء غريبة تسري وتنتشر ولاندري بتراكماتها الفظيعة إلا بعدما تذهب الروح إلي بارئها، تدور حول ذلك الكمد والهم النائم في الجروح الداخلية للذاكرة والوطن والأماكن وذلك الغضب المكظوم لما حصل وما نحن عليه وما هو قادم فالعلم المقدم بالدليل والبرهان يثبت لنا أن مشاعرالغضب المزمنة، التوتر، القلق، إجهاد الانتظار وإجهاد الترحال، عدم اليقين، الوحدة وسوداوية المزاج تكون قاتلة للقلب وشرايينه وكأنها كلها حالات عامة وخاصة داخلية وخارجية في ذلك الانسان المخلوق المركب تهيئه لخشبة الموت والاختفاء تماما ونهائيا فلقد تعب الفارس

محمود درويش

محمود درويش

الإثنين 28-09-2015

أحد أهم الشعراء الفلسطينين واللغة العربية الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن.
يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر
العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه.
في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة
الأنثى.
قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في
الجزائر.
حياته
ولد عام 19مقالاتي في المصري اليوم في قرية البروة وهي قرية فلسطينية تقع في
الجليل قرب ساحل عكا.
حيث كانت أسرته تملك أرضا هناك. خرجت الأسرة برفقة
اللاجئين الفلسطينيين في العام 1947 إلى لبنان
،ثم عادت متسللة العام 1949 بعيد
توقيع اتفاقيات السلام المؤقتة، لتجد القرية مهدومة
وقد أقيم على أراضيها موشاف (قرية زراعية إسرائيلية)”أحيهود”وكيبوتس يسعور. فعاش مع عائلته في قرية
الجديدة.
بعد إنهائه تعليمه الثانوي في مدرسة يني الثانوية في كفرياسيف
انتسب إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي وعمل في صحافة الحزب مثل الاتحاد والجديد التي أصبح في ما بعد مشرفا على تحريرها، كما اشترك في تحرير جريدة الفجر التي كان يصدرها مبام.

اعتقل من قبل السلطات الإسرائيلية مرارا بدأ من العام 1961
بتهم
تتعلق بتصريحاته ونشاطه السياسي وذلك حتى عام 1972
حيث توجه إلى للاتحاد
السوفييتي للدراسة، وانتقل بعدها لاجئا إلى القاهرة في ذات العام حيث التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية،
ثم لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة
التحرير الفلسطينية،
علماً إنه استقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير
احتجاجاً على اتفاقية أوسلو.
كما أسس مجلة الكرمل الثقافية
.

شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر مجلة الكرمل.
كانت اقامته في
باريس قبل عودته إلى وطنه حيث أنه دخل إلى فلسطين بتصريح لزيارة أمه
. وفي فترة
وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب واليهود اقتراحا بالسماح له بالبقاء وقد سمح له بذلك.
ساهم في إطلاقه واكتشافه الشاعر والفيلسوف اللبناني
روبير غانم،
عندما بدأ هذا الأخير ينشر قصائد لمحمود درويش على صفحات الملحق
الثقافي لجريدة الأنوار والتي كان يترأس تحريرها ( يرجى مراجعة الصفحة الثقافية لجريدة الأنوار عدد 13/10/2008 والتي فيها كافة التفاصيل عن طريقة اكتشاف محمود درويش)

جوائز وتكريم
جائزة لوتس عام 1969
.
جائزة البحر المتوسط
عام 1980.
درع الثورة الفلسطينية عام 1981
.
لوحة أوروبا للشعر عام 1981
.
جائزة ابن سينا في الإتحاد السوفيتي عام 1982
.
جائزة لينين في الإتحاد
السوفييتي عام 1983.
الصنف الأول من وسام الإستحقاق الثقافي تونس 1993

الوسام الثقافي للسابع من نوفمبر 2007 تونس

جائزة الأمير كلاوس الهولندية
عام 2004
جائزة القاهرة للشعر العربي عام 2007

كما أعلنت وزارة الاتصالات
الفلسطينية في 27 يوليو 2008 عن إصدارها طابع بريد يحمل صورة محمود درويش .

شعره
صورة تجمع جورج حبش ومحمود درويش و ياسر عرفاتبدأ بكتابة الشعر
في جيل مبكر وقد لاقى تشجع
من بعض معلميه. عام 1958، في يوم الاستقلال العاشر
لإسرائيل ألقى قصيدة بعنوان “أخي العبري” في احتفال أقامته مدرسته. كانت القصيدة مقارنة بين ظروف حياة الأطفال العرب مقابل اليهود، استدعي على إثرها إلى مكتب الحاكم العسكري الذي قام بتوبيخه وهدده بفصل أبيه من العمل في المحجر إذا استمر بتأليف أشعار شبيهة

استمر درويش بكتابة الشعر ونشر ديوانه الأول، عصافير بلا أجنحة، في جيل 19 عاما.
يعد شاعر المقاومة الفلسطينية
ومر شعره بعدة مراحل

بعض قصائده ومؤلفاته
عصافير بلا أجنحة (شعر) – 1960
.
أوراق الزيتون (شعر).1964

عاشق
من فلسطين (شعر)1966
آخر الليل (شعر).1967

مطر ناعم في خريف بعيد (شعر
).
يوميات الحزن العادي (خواطر وقصص
).
يوميات جرح فلسطيني (شعر
)
حبيبتي
تنهض من نومها (شعر).1970
محاولة رقم 7 (شعر).* مديح الظل العالي (شعر
).
هي
أغنية … هي أغنية (شعر).
لا تعتذر عما فعلت (شعر
).
عرائس
.
العصافير
تموت في الجليل.1970
أحبك أو لا أحبك (شعر).1972

تلك صوتها وهذا انتحار
العاشق.1975
حصار لمدائح البحر (شعر
).
شيء عن الوطن (شعر
).
ذاكرة
للنسيان.
وداعاً أيها الحرب وداعا أيها السلم (مقالات
).
كزهر اللوز أو أبعد

في حضرة الغياب (نص) – 2006

لماذا تركت الحصان وحيداً.1995

بطاقة هوية
(شعر)
أثر الفراشة (شعر) – 2008

أنت منذ الان غيرك (17 يونيو 2008 ، وانتقد
فيها التقاتل الداخلي الفلسطيني) .ّ

وفاته
توفي في الولايات
المتحدة الأمريكية يوم السبت 9 أغسطس 2008و بعد إجراءه لعملية القلب المفتوح في المركز الطبي في هيوستن، التي دخل بعدها في غيبوبة أدت إلى وفاته بعد أن قرر الأطباء نزع أجهزة الإنعاش.

و أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الحداد 3 أيام في كافة الأراضي الفلسطينية حزنا على وفاة الشاعر الفلسطيني، واصفا درويش “عاشق فلسطين” و”رائد المشروع الثقافي الحديث، والقائد الوطني اللامع والمعطاء“.

وقد وري جثمانه الثرى في 13 أغسطس في مدينة رام الله حيث خصصت له هناك قطعة أرض في قصر رام الله الثقافي.
وتم الإعلان عن تسمية القصر بقصر محمود درويش للثقافة. وقد شارك في جنازته الآلالف من أبناء الشعب الفلسطيني وقد حضر أيضا أهله من أراضي 48 وشخصيات أخرى على رأسهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس .
تم نقل جثمان الشاعر محمود درويش إلى رام الله بعد وصوله إلى العاصمة الأردنية عمّان
، حيث كان هناك العديد من الشخصيات من العالم العربي لتوديعه

نوسه وحمادة وفرخ النسر على هامش رياح التغيير في مصر

نوسه وحمادة وفرخ النسر على هامش رياح التغيير في مصر

الإثنين 28-09-2015

بقلم د. خليل فاضل

حمادة السكر زيادة لم يزد عمره عن السبع سنوات قابل نوسة الننوسة أم فيونكتين فى شارع من شوارع مصر المحروسة التى لم تزدحم بعد، سألها فى عفوية الطفل:

  • شفتى يا نوسة البلطجى اللى عامل وشم على دراعاته وماسك سنجة وسيف وفى جيبه خنجر وحالق راسه زيرو؟

ضحكت نوسة الننوسة وقالت:

  • أيوه شفته وضحكت لكن نهى قلتلي إنه ضحك زي البكا.

همس حماده وكأنه يخبر نهى بسر عظيم:

  • أه نهى زميلة حسن اللى فى 6 أبريل؟

سار الطفلان حتى وصلا إلى مكان احتماع نهى وحسن وبدآ وابلا من الأسئلة عن حركة التغيير وكفاية و6 أبريل والبرادعى، شرحت نهى أن البلطجى اللى راسم وشم بيشتغل مع الأمن ضد الناس وإنهم ساعات بيركبوا مرجيحة الهوا وبيلعبوا صَلًّح بعد ما بطلوا يلعبوا عسكر وحرامية وفضلوا يلعبوها مع الشعب.

قاطعت نوسة حسن ونهى صائحة فى صوت عال:

  • يعنى الحكومة والشعب بيلعبوا عسكر وحرامية هها … طيب مين العسكر ومين الحرامية طالما البلطجية اللى لابسين مدنى بيضربوا فيكم وفى كل الناس الصاحية؟

ربت حمادة على كتف نهى وقال لها:

  • وطىً صوتك يا نوسة أحسن النسر يسمعنا

ضحكت نهى وحسن وكل الناس بتوع الفيس بوك وسألوه مين النسر ده ؟

هل هو الاسم الحركى لقائد القوات المهاجمة لوقفات ومظاهرات التغيير أم أنه ذلك النسر المحلق فى السماء ومن أين أتت له الفكرة ؟!

قال حمادة فى جديةٍ:

  • النسر فى العلم وفى ختم الدولة رمز البطولة والانتصار، يطير لوحده فوق فى العالى، ولا يختلط مع أي أشكال أخرى من عامة الشعب.

قاطعة حسن فى إعجاب شديد وقال له:

  • ده اسم حركى لنسور جديدة تخينة فظة، عندها فلل وسيارات فارهة .. خدم وحشم ومش عايزة التغيير

لم يفهم حمادة ولم تفهم نوسة لكن نهى كملت على كلام زميلها حسن وقالت:

  • النسر ده ده كمان عنده رؤية ثاقبة ونظر قوى بيركز على فريسته من علو 5 كيلو متر، ومايسبش فريسته خالص.

قالت نوسة:

  • وأنا كمان قريت فى المدرسة إنه بيحب يتغذى على الفرائس الجديدة.

كملت نهى قائلة:

لا … النسور دى الطيور الوحيدة التى لا تهاب العواصف والغيوم؛ فذلك الطقس يحفزها على الطيران يعنى لا أزمة بورصة ولا مال ولا دويقة ولا عبارة بتأثر فيهم خالص ضغط الريح فى العالى بيريح جناحتها.

أكمل حمادة :

وحينما يبدأ الفرخ بالنمو تبدا أمه بتعليمه الطيران وأحيانا تقذفه خارج العش وتملا مكانه بالأشواك علشان يفضل طاير ترميه الأم من علو شاهق فيصرخ مذعورا فى الهواء فيقوم أبوه بالتحليق أسفله ويشيله على ظهره ويزعق وهكذا ..

هنا ضحك حمادة ونوسة، أيوه حمادة السكر زيادة ونوسة الننوسة أم فيونكتين.

صمد حسن ونهى وتعجبا لهذا الضحك المفاجئ.

حكى حمادة فى صوت واثق ثابت عن حكاية تعرفها نوسة جيداً لكن يبدو أن نهى وحسن لم يعرفاها.

كان ياما كان فى غابر الأزمان ويمكن دلوقتى كمان … فلاح غلبان عنده فيروسC، مقضى وقته فى المستوصف وصارف فلوسه ع العلاج .. لقى بيضه نسر افتكرها بيضة فرخة كبيرة شوية وحطها مع بيض الفراخ اللى قرب يفقس.

بعد كذا أسبوع كل البيض تقريباً فقس .. النسر الرضيع (البيبي يعنى) إتولد واتربى مع أقرانه الكتاكيت .. علموه إزاي ينقر و إزاي يخربش (على قدهم…. مدً وا رجليهم )، اتعلم يتنطط ويتفسح فى العشة وحوالين البيت، حذروه الكل من الطيران لإن الفراخ لا تطير دى يدوبك بترفرف وترتفع شوية وتنزل ع الأرض.

قاطعت نوسة فى صوت متمكن:

ده يعنى إن النسر الطفل كان فرخة بائسة، لا هو عارف يرفرف زي الفراخ ولا ينقر زي الديوك وعلى طول جعان عشان أكل الفراخ ما شبعهوش .. المهم إنه كان مصدر إزعاج للسلطات قصدى للفراخ كمِّل يا عم حمادة.

ابتسم حمادة وعمل حركة مسرحية كأنه يقرب من فمه ميكرفون النائب العظيم فى مجلس الشعب الموقر، ثم أكمل ناظراً لحسن وقال له ما تقاطعنيش يا حسن زي فتحي سرور وتقوللى وقتك خلص هاهاه.

أكمل حمادة:

بعد سنوات من العذاب والمعاناة ومحاولات النسر الصغير كي يكون فرخة، انهارت نفسيته وثقته بنفسه بقت فى الحضيض .. ومن الآخر كده كره نفسه وسألها:

(ليه أنا كبير كده وضخم وشكلى غريب، وليه أنا مش باستمتع بالحاجات اللى بيستمتعوا بيها أخواتى .. بقى هو ده شكل الحياة، فين الثورة والإثارة؟).

ابتدا يتمرد ويدور على المغامرة ،كان نفسه يتغير ويغير، حسب يعمل لنفسه دراما .. جو خارج بيت الدجاج، ولما بقى مصدر إزعاج وعامل صداع للسلطات جابوه وحبسوه يوم واحد فقط، وقالوله انت أنانى ومش راضى بعيشتك وعامل دوشة.

اكتئب النسر ونام …

وفى يوم تانى من الأيام الغبرا، النسر الصغير شاف نسر شاب بيحلّق فى السما العالية، اتاخد نفسه، حس بالإعتراف و بحاجة كده جواه بتتحرك، حس إنه حي ومليان أمل.

ابتسمت نهي وقالت:

زينا كده لما بنشوف مظاهرات تايلاند ولبنان وأمريكا والدنيا كلها.

أومأ حماده وبدا عليه التعب، نظر إلى نوسة كما ينظر أبوه إلى أمه قائلاً:

كملي أنتى يا نوسة.

أكملت نوسة وقالت:

المهم يا صحاب إن النسر فى فورة حماسه قال لزمايله الفراخ على اللى شافه وهم للأسف ـ طبعاً ـ سخروا منه.

قالوله:

الطيران خطر وسلوك غير مسئول وغير عملي. لما تكبر يا ابنى هتبقى ديك محترم .. انت ليه بتتمرد على وضعك؟!.

خجل النسر الصغير من الكلام، فقد عزيمته وحماسه، حس باليأس وراح مرة تانية فى نومه طويلة شوية.

فى اليوم التانى، شاف النسر الطاير تانى ،المرة دى حلّق وحلّق وزعق فى صرخة قوية فى نفس اللحظة اللى سمع فيها النسر الصغير الزعقة القوية حصل اللى ماكانش على بال حد.

النسر الصغير اللى ربّته الفراخ فى عشة الفلاح العيان الغلبان لقى جسمه بينتفض وحلقه بيتوتر وكيانه كله بينتفض فى استجابة لصرخة النسر الطاير بصرخته القوية.

استغرب نفسه وسألها ( هو إيه ده اللى حصل؟) …

هو الصوت ده طلع من حنجرتنا ؟ الفراخ ما بتعملش الصوت ده، النسور فقط. الله..

الله واحد .. أخيراً عرف النسر الصغير ووعى بحقيقته وهويته، فرد جناحاته للمرة الأولى وطار، فك سجنه وساب الدجاج لأنه طلع من سجن الفكرة الغبية عن المستحيل و الأمر الواقع واللى تعرفه أحسن من اللى ماتعرفوش وما فيش حاجة قدرت توقفه بعد كده.

الفراخ هى بس اللى تربى فراخ، ما تقدرش توقف نسر عن التحليق والزعيق لما النداهة تندهله والهاتف يجيله.

هزت نوسة الننوسة فيونكاتها بصّت لحسن ونهى وحمادة وسألت:

سمعتوا صوتكم بيناديلكم.

ضحك حسن وقال لنوسة مداعباً:

لا سمعنا صوت مصر، وصوت سيد درويش وهو بيقول قوم يا مصرى مصر دايماً بتناديك.

أعقبت نهي:

– ولما مصر بتقوم مابتنامش تانى …

قاموا الأربعة كلهم ومضوا فى اتجاه عين الشمس

كان البلطجى باللباس المدنى واقفاً كالقزم مختبئاً وراء باب الحاجة أم فكرى فى الحارة الضيقة وحوله الفراخ ترفرف قليلاً ثم تنام

خليل فاضل

الكتابة والرفاه النفسي

الكتابة والرفاه النفسي

الأحد 28-08-2016

 

ريم ضيف..

هل يكتب العظماء ليسردوا قصص نجاحهم ويستعرضوا حياتهم أمام القارئ؟ أم أن لكتاباتهم دور في نجاحهم؟ وإن كان لما يكتبوه أثر على القارئ الذي يجد المتعة في قراءة قصصهم، فما أثر القلم على صاحبه؟

بالخروج عن النمط التقليدي للكتابة الأدبية، يقع الضوء في مجال الصحة النفسية على الكتابة الشخصية أو ما يعرف بreflective journaling لدوره في دعم النمو النفسي والشخصي، حيث يشير بعض الباحثين إلى أن هذا النوع من الكتابة لمدة 20 دقيقة يومياً قد يساعد في تحسين الصحة النفسية والبدنية.

يُخرج هذا النوع من الكتابة، على الرغم من بساطته، طاقة الأفكار والمشاعر الكامنة داخل الإنسان، والتي قد يعصب التعبير عنها بسبب ضوابط اجتماعية أو مخاوف نفسية. فيكتب الإنسان عن نفسه، ويومه، وسعادته، وأحزانه، ومخاوفه، وشغفه، وطموحاته، ومشاكل عمله، وصداقاته، وعائلته، أو أياً ما يشغل باله. ففي كتابك الشخصي لا يهم أي شيء سوى قيمة ما تكتبه بالنسبة لك أولاً وأخيراً.

ويرجح باحثون أن السبب وراء فوائد الكتابة الشخصية هو أنها تساعد في المعالجة المعرفية لما يتم كتابته، حيث يبذل الفرد جهداً ذهنياً أثناء الكشف عن أفكاره ومشاعره أثناء الكتابة، وقد يعود لما كتب فيما بعد، مع إعادة النظر في مشاعره وأفكاره مجدداً. ومن هنا، فإن الكتابة تساعد صاحبها على حل المشاكل عن طريق التعرف على المشاعر وشرحها والتعبير عنها، ومن ثم قبولها. فبدلاً من كتم الأفكار أو تجاهلها، والذي قد لا يثبت فعاليته بالضرورة، تتيح الكتابة لصاحبها التعبير عن تلك الأفكار بحرية أكثر، والنظر في المشاعر التي تثيرها تلك الأفكار، وأخذ الوقت الكافي في التعامل معها بصورة صحيحة ومريحة.

ويمكن أن تكون الكتابة في صورة رسائل إلى أشخاص، لا تصلهم ولا يقرءونها بالضرورة، ولكن قد يحتاج الفرد إلى البوح عنهم وإليهم. وقد تحتوي أيضاً على أهداف يريد الفرد تحقيقها، أو مقولات مأثورة وصور لمسته لسبب أو لآخر. كما تساعد الكتابة الشخصية في محاولة فهم ما يصعب فهمه، أو إعطاء معنى للتجارب المؤلمة والوصول إلى فهم أعمق مع التقليل من الضغط النفسي. فعلى سبيل المثال، قد يستخدم الكاتب –تلقائياً- كلمات مثل “عشان”، “بسبب”، … فيبدأ في أن يعطى معنى لتجاربه، ويبحث في أسبابها ويشرحها لنفسه، حتى وإن بدت معقدة في بادئ الأمر.

ولا تقتصر الكتابة على الذكريات المؤلمة، حيث تشير الأبحاث إلى دور الكتابة عن الامتنان في تحسين الرفاه النفسي. فيمكن لك في نهاية اليوم أن تكتب عن شيء تمتن لوجوده في حياتك (شخص عزيز، لحظة سعادة، وظيفة، أكل، متعة حياتية، روحانيات).. ويكون هذا مخزون جيد لنقاط القوة الخاصة بك تستطيع اللجوء إليه وإعادة قراءته في أي وقت ومتى احتجت إلى ذلك.

والآن، كيف تبدأ في كتابتك الشخصية؟

إن مفاتيح الكتابة الشخصية هي العفوية والاستمرارية والخصوصية.. وأنا تجد المتعة في الكتابة أولاً! فأنت لا تكتب لتبهر الجمهور، ولكن لأجلك وفقط. ومن المستحسن أن تكتب عما يشغل بالك في اللحظة الحالية. أهم شيء هو أن تكون الكتابة حرة، دون قيود أو شروط، وأن تكون ملكك ككاتب في المقام الأول، فلا تشاركها إلا مع من ترغب، إن رغبت. ولذلك، فتكون الكتابة وسيلة للبوح، عن النفس ومع النفس.

ولتحقيق الارتياح أثناء الكتابة والاتسفادة منها، حاول أن تقلل من لوم الذات أو وصمها في كتاباتك .. فأنت وحدك بطل القصة التي تكتبها. ومن باب التلقائية والعفوية، فلا تصحح أو تعيد الصياغة أو تختار الكلمات بدقة..ولكن دع القلم يطلق ما بداخلك.

اكتب.. فلعل القلم يرسم لك طريقاً للرفاه النفسي.