| الموت في لندن |
|
|
|
الموت في لندنِ
أمجد ناصر ـ القدس العربي ـ 30 – 6 - 2007 الناس، أيضا، تموت في لندن. مثلما هو الحال في أي مكان آخر. يموتون بعد تساقط أوراق تلك الشجرة الغامضة، علي أسرة الليل والضحي، في الشارع الذي تتدفق فيه الحياة العنيدة في كل اتجاه، في المستشفيات التي يدخلونها علي أقدامهم ويخرجون منها محمولين . هناك، أيضا، من يصمم موته بيده، يرمي نفسه أمام حافلة أو قطار. يبتلع مئة حبة منوم. يقفز من جسر لندن الي مياه التيمز الآسنة. جارتي الانكليزية العجوز التي سميتها مسز موريس، لأنني لم أعرف اسمها الحقيقي، ماتت أيضا. كلبها مات قبلها. موت الكلب، لمن لا يعرف الألفة والفقد، مثل موت الابن. عليك أن تكون عجوزا، وحيدا، مهملا، في مدينة تلهث علي مدار الساعة ولا أحد فيها يلتفت الي الوراء لتدرك ماذا يعني أن يموت كلبك. ليس ضروريا طبعا ان تكون عجوزا. وحيدا نعم. مسز موريس ماتت من الوحدة والضجر وثقل السنين. ظلت تتذكر حتي آخر لحظة، لا ريب، أيام الامبراطورية في الهند. قالت لي مرة، وهي تتطلع الي سماء لندن الطلساء، إنكم أفضل حالا هناك! قلت لها: أين؟ فقالت: في الهند! قلت لها: في الاردن، لكنها واصلت منولوغها الداخلي: الحضارة أفسدت كل شيء! كانت هناك نجوم في سماء لندن ذات يوم مثل النجوم التي تطرّز سماءكم في الهند! صححت لها مرة اخري: في الاردن! غير انها لم تكن تسمعني. انني جارها الهندي حتي وإن كنت من الأردن. السيخي المعمم الذي كان يمشي كل يوم، بخطو السلحفاة ولكن بقامة رمح بنجابي، الي المكتبة العامة في هانسلو مات كذلك. رأيت، وأنا أعود الي بيتنا من السوق، لمَّة بشر أمام بيته. كانوا كلهم رجالا. الآباء معممون، الابناء يضعون محارم صفراء علي رؤوسهم. لم يكن ثمة صوت. لا صراخ ولا بكاء ولا شيء من هذا القبيل. مجرد جمهرة من الرجال يقفون بصمت امام البيت وسيارة نقل الموتي السوداء برجال الدفن الانكليز المجللين بالسواد المهني يتأهبون لنقل الجثمان الهش الي المحرقة. أعرف أن الهندوس يحرقون جثث موتاهم حتي في لندن. كانت هناك محرقة قرب بيتنا في (ساوث هول). هل يفعل اشقاؤهم السيخ الأمر نفسه؟ لا أدري. لكني لم أعد أري ذلك الرمح البنجابي المزمن وهو يحث الخطي الي المكتبة العامة ليقرأ صحيفة (هندوستان تايمز). لن أري صاحبه الانكليزي السمين الذي يفرد صفحات الجرائد أمامه ويغط في نوم مداري. لعله مات هو أيضا أو انتقل الي مقاطعة أخري. شريف الربيعي مات في مستشفي (ايلينغ) غرب لندن ولم يعرف أن السرطان يتجول طليقا في أحشائه. كان يظن الأمر تسمما غذائيا. بقي مسجي في غرفة العناية الفائقة من دون أن يسمع تكتكة تلك الساعة وهو تواصل عدها التنازلي. كان يظن انه سيخرج من المستشفي الذي أوصله اليه صديقاه علي عتمان وأحمد دبور. لكنه لم يخرج. هل سمع قصار السور التي كانت تتلي عليه في تلك الضجعة الابدية في مقبرة (غرين فورد)؟ لم يطل الأمر بعلي عتمان. مات بعد أن أتت بلهارسيا النيل علي كبده. فكان علي أحمد دبور أن يغسله ويكفنه كمسلم لم يقطع فرضا. بفارق عتمتين وبارقة مات أحمد دبور بعد عملية جراحية ناجحة. مرَّ بي وهو ذاهب الي المستشفي وقال بطريقته البلدية: أخوي أبو أنس سامحني. الدنيا حياة وموت. قلت له: بلا ميلودراما يا شلبي (كان هذا اسمه الذي نناديه به من فرط تثمينه كل شيء واعتباره كل شيء شلبيا) عمليتك يجريها الجراحون هذه الايام وهم مكتفو الايدي. نجحت العملية لكن المريض مات. صالح العزاز لم يعرف عندما دعاني للقائه في فندق (نوفوتيل) في لندن انه كان يموت. كان حيا، يقلب امامي صفحات المستطيل الازرق ولكنه يموت. كانت ورشة السرطان اللعين تكدح، بلا كلل، داخله. لم يكن يسمع مطارقها وهي تقوض قلعته من الداخل. يعيش بليغ حمدي (ملحن أغاني مراهقتي الزرقاوية) شريدا في لندن. يسقط من (احضان الحبايب) ومن (أي دمعة حزن) الي رصيف (اجور رود) الكالح، وعندما يعود الي مصر، بعد سني النفي القاتمة، يحمل معه موته علي شكل ورم خبيث. وفي لندن نفسها تموت سعاد حسني منتحرة، أو منحورة، من شقة في الطابق السادس. قالوا إنها الكآبة. لكن زميلنا منير مطاوع، أحد القلائل الذين كانوا يرونها عندما لم تعد سعاد حسني سعاد حسني، يري متاهة من الخيوط المتداخلة وراء ذلك الموت الصاعق. وفي ربيع قاتم الخضرة تذهب مي غصوب بنزلة برد الي المستشفي، تكون قد قررت، قبلها، ان تعيش (حياة صحية) فتقلع عن التدخين. السجائر قاتلة علي المدي البعيد وهي دخنت كثيرا. تقول لنفسها: يكفي تدخين. لكن نزلة البرد اللعينة تتحول شيئا آخر وتموت من دون أن نفهم كيف يموت المرء بنزلة برد. يأتي جوزيف سماحة ليكون بجوار حازم صاغية رفيق البيارق الحمراء الآفلة . يأتي للعزاء والمواساة بمي (زوجة حازم) لكنه يموت في بيت التي ذهبت الي المستشفي مصابة بنزلة برد. لا أحد يفهم. لا أحد يصدق. كيف يموت المرء وهو نائم؟ لو كان بمقدور الانسان أن يختار موته (عدا الانتحار) لاخترت ميتة تشبه موت جوزيف سماحة: يأتي الصباح وانا مسجي علي السرير. لكن من قال ان جوزيف سماحة لم ير عيني الموت الحمراوين؟ (هل هما كذلك فعلا؟). يوم أمس الاول مات مصري آخر في لندن. رجل يدعي أشرف مروان، كان مدير مكتب جمال عبد الناصر. مليونير. وزير سابق. يرمي نفسه من شقته في الطابق الخامس (طابق اقل من سعاد حسني). قالوا ايضا: انها الكآبة. من يعش في لندن لا يستبعد احتمالا كهذا. لا يستخف بهذه الكلمة التي تبدو مترفة في بلاد الموت الحافي. ومثل سعاد حسني (بل اكثر) لن يُقبل انتحاره بسهولة. لا نعرف ماذا يمكن ان يكون لدي سعاد حسني من اسرار كي تقتل بسببها، لكننا، من دون ان نعرف ايضا، متأكدون ان لدي أشرف مروان أسرارا. وأسرارا خطيرة. مدير مكتب عبد الناصر، وزير التصنيع الحربي، مستشار السادات للمعلومات (ماذا يعني ذلك؟). ان لم تكن عند رجل كهذا اسرار عند من تكون؟ هل قتلته الكآبة أم قتلته أسراره؟ هذا سؤال بوليسي لا يعنيني. يعنيني الموت نفسه، فكرته، لحظته المداهمة. أتذكر، الآن، أدونيس: لأنني أمشي أدركني نعشي. يمشي الناس ليتأكدوا أنهم أحياء. بعضهم يمشي ليزيد أمد حياته. لكن القدمين، وهما تسعيان وراء العمر المديد، تسعيان أيضا وراء النعش. النعش دائما الي الامام والقدمان تحثان الخطي. الموت في لندن مثل أي موت آخر. لا يختلف الموت في هذه المتاهة الحمراء (علي حد تعبير الاعمي الشهير) عنه في مكان آخر. متاهة أخري. لو كنت في عمان، مثل رشاد أبو شاور، لرأيت التزاحم علي مقبرة سحاب. لقلت قول دانتي: ما كنت أظن أن الموت طوي كل هذه الجموع. صاح محمود درويش بعد أن امتلأت مقبرة الشهداء في بيروت بحصاد (سياف الزهور): امهلوني سنة! سنة واحدة بلا قصيدة رثاء. ومع ان لندن مدينة أفقية الا أن أناسا يموتون بالقاء أنفسهم من شرفات البيوت. بيت من طابقين، مثل معظم بيوت لندن، لا يصلح لميتة أكيدة. في الضواحي لا يسجل الموت رقما قياسيا في القفز. |
| < السابق | التالى > |
|---|