ما رايك ؟

الاكتئاب ...
 
علمولوجيا العالم الحرّ طباعة البريد الالكتروني


علمولوجيا العالم الحرّ

صبحي حديدي ـ القدس العربي 

في أحدث أفلامه، ويحمل اسم فالكيري ويجري تصويره هذه الأيام في ضواحي برلين، يؤدّي الممثل الأمريكي الشهير توم كروز دور الضابط الألماني كونت فون شتوفينبرغ، الذي أُعدم سنة 1944 بتهمة التآمر لاغتيال أدولف هتلر. لكنّ الإنتاج يواجه مشكلات غير عادية، لا تتصل بملفّات الواقعة ذاتها، أو بمصداقية إعادة سردها كما في الكثير من الأفلام التي تتناول الحقبة النازية، بل حول صلاحية كروز نفسه لأداء الدور. وهنا أيضاً، لا ينبثق الطعن في صلاحية الرجل من أيّ تشكيك في كفاءته الفنّية كممثّل قدير، بل من حقيقة أنه ينتمي إلي الطائفة المسيحية المعروفة باسم Church of Scientology، (كنيسة العلمولوجيا ، علي وزن إيديولوجيا وبيولوجيا وجيولوجيا، لمَنْ يشاء). 
الطريف أنّ أفراد أسرة فون شتوفينبرغ تنازعوا فيما بينهم، وعلي نحو ذهب بهم من أقصي الاعتراض إلي أقصي الموافقة، كما حين فكّر ابنه باللجوء إلي القضاء احتجاجاً علي قيام كروز بدور أبيه، فردّ حفيده (من الابنة) بالموافقة علي أداء دور ثانوي للغاية في الفيلم ذاته! ولم يكن مدهشاً أن ينضمّ إلي موقف الابن عدد من الساسة الألمان الذين أعربوا عن القلق من قيام عضو في الطائفة العلمولوجية بدور واحد من أبرز الشخصيات الأيقونية في تاريخ ألمانيا علي امتداد القرن العشرين. السفارة الألمانية في أمريكا ذهبت إلي حدّ التصريح، في موقعها الرسمي علي الإنترنيت، بأنّ هذه الكنيسة تقوم علي بنية شمولية تجعل رعاياها غير مؤهلين للانخراط في إعادة تمثيل نزيهة لوقائع حاسمة تخصّ نظاماً شمولياً مثل الرايخ الثالث! 
غير أنّ ما يكمن وراء الأكمة ليس سوي حال العداء الشديدة بين ألمانيا وهذه الكنيسة تحديداً، والتي بلغت مستوي حرب ضروس تدور رحاها منذ سنوات طويلة. والمرء يتذكّر ذلك الحدث اللافت الذي شهد نشر صحيفتَيْ نيويورك تايمز و إنترناشنل هيرالد تريبيون إعلاناً موحداً علي صفحة كاملة، مذيلاً بتوقيع 43 شخصية بارزة في ميادين الفنّ والأدب والإعلام، أدان الحكومة الألمانية بسبب ما تمارسه من قمع علي هذه الكنيسة، وشبّه تلك الممارسات بما فعله النازيون ضدّ اليهود في أوشفيتز. والصحيفتان في غني عن التعريف بطبيعة الحال، وكلفة الإعلان فيهما بحجم صفحة كاملة تبلغ عشرات الآلاف من الدولارات، وأما الشخصيات التي وقّعت علي البيان فقد ضمّت نجوم سينما مثل دستن هوفمان وغولدي هون، ونجوم أدب مثل ماريو بوزو وغور فيدال، ونجوم تلفزة مثل لاري كنغ صاحب الـ Live الشهيرة علي شاشة الـ CNN. 


هذه ليست طائفة دينية، يقول الألمان ويشاطرهم في ذلك الفرنسيون ومعظم الأوروبيين وأعداد غفيرة من الأمريكيين، بل هي شركة بزنس رأسمالها 400 مليون دولار، وأنشطتها تبدأ من المضاربات العقارية ولا تنتهي عند بيع تعاليم العقيدة وقبض أتعاب مقابل شرح أصولها وفلسفتها. إنها أيضاً شبكة تخريبية تلحق الأذي العقلي والروحي بالمنتسبين إليها، وثمة في الولايات المتحدة عشرات الأعضاء السابقين ممّن اتهموا الكنيسة بغسل أدمغتهم أو تدميرها، وبعضهم حصل علي أحكام بالتعويض، بملايين الدولارات. هذه في أحسن الأحوال طريقة علمولوجية لاستنزاف الجيوب قبل العقول والأرواح، وهي في أسوأ الأحوال فرقة دينية خطرة، وقوانين تنظيم الحريات الدينية في ألمانيا لا تنطبق عليها في جميع الأحوال. 
بعض من ذلك كلّه صحيح مئة بالمئة، خصوصاً وأنّ تعاليم الكنيسة أقرب إلي التخييل الفانتازي الحرّ الذي يمزج العلم بالأسطورة، وأنّ مؤسسها رون هوبارد كان بالفعل كاتب خيال علمي. علي سبيل المثال، يري هوبارد أنّ الجسد مسكون بروحَيْن خالدتين: الأولي هي الكينونة الجينية التي تمتلك ذاكرة عرقية وتترك في الدماغ مخلّفات تعمل علي تشويه الوعي، والثانية هي روح الـ Thetan التي هبطت إلي كوكب الأرض نتيجة مأساة رهيبة وقعت في الأعالي. وهذه الروح الثانية هي وحدها الحقيقية والخيرة والخلاقة... لو أتيح لها أن تتحرر من إسار الجسد. 
دول كبري، وديمقراطيات عريقة، واتهامات شنيعة، وأخري مضادة أشنع، وإعلانات باهظة النفقات، ونجوم، وأحكام قضائية... تتلاطم كلها حول علمولوجيا الروح هذه، في زمن المجاعات والأوبئة وانقسام العالم إلي جزيرة صغيرة من التخمة وسط محيط زاخر من الفاقة. وأيضاً... في زمن انهماك العالم الحرّ ذاته في تدبّر غول واحد وحيد اسمه الأصولية الاسلامي اللافت هو أنّ أياً من الشخصيات الموقعة لم يكن ينتمي إلي الكنيسة تلك، ولكنّ اللهجة كانت بالغة الحدّة في توصيف السلوك المخزي و المشين للحكومة الألمانية، التي تعيد إنتاج مواقف هتلر العنصرية المتعصبة ضدّ المعتقدات الدينية إجمالاً وضدّ اليهود خصوصاً. الألمان من جهتهم، وعلي لسان مستشارهم آنذاك هلموت كول شخصياً، ردوّا بالقول إنّ السادة الموقعين علي البيان لا يجهلون تاريخ ألمانيا فحسب، بل لا يرغبون في تعلّم أي شيء عن هذا التاريخ خارج الكليشيهات المكرورة. ولكنّ كول تجنّب الخوض في تفاصيل الحقيقة التي كانت تشير بالفعل إلي موقف ألماني عصبي، رسمي وشعبي، ضدّ هذه الكنيسة: أحدث تجلياته في الفترة إياها كانت دعوة شباب الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم إلي مقاطعة فيلم مهمة مستحيلة ، لأنّ ممثله هو... توم كروز! ة !
 
< السابق   التالى >