ما رايك ؟

الاكتئاب ...
 
د. جمال تركي - الاكتئاب طباعة البريد الالكتروني


الدكتور خليل فاضل

صديقي العزيز وزميلي الفاضل

ممنون دوما تواصلك وإثراءك الشبكة وإصداراتها بأعمالك الأصيلة. وصلني بحثك على "مظاهر الاكتئاب في المجتمع العربي " و كعــادتـــي مع كتاباتك كنت في حاجة إلى أكثر من قراءة، لا لصعوبة في النص ولا لمصطلحات معقدة... إنما لكثرة الإشارات العابرة و الرموز الموجزة/ الدالة، المدرجة في أكثر من مقطع و التي تأتي طورا بائنة كليا أو جزئيا وطورا مستترة جزئيا أو كليا، الأمر الذي يتطلب مستوى من اليقظة الذهنية المتألق لإدراكها. و هو ما لا يتحقق عادة بقراءة يتيمة. و كعـادتـــك كنت مميزا وأنت تمسح الواقع العربي بفكر العالم النفسي الخبير وبنظرة بانورامية شاملة، ترتكز إلى ثقافة واسعة و سعة إطلاع على مجريات الأحداث قريبها و بعيدها( نسبيا) مع تجربة حياتية ثرية أصقلت رؤيتك لما خفي واستعصت رؤيته عند الكثير. إلى هذا، يضاف قدرة وهبها الله لك في الرسم بالكلمات، ففي حين يبدع الرسام الماهر بريشته، كنت تبدع بقلمك لوحة مقروءة، حيث تنساب كلماتك كانسياب ألوان منتقاة بعناية فائقة تجعل القارئ يعيش داخل سراديب النص كما بنصهر المتأمل لرسم بديع في ثنايا الألوا
هذا إجمالا، أما تفصيلا فقد وفقت في إبراز التناقض الوجداني للعربي( ذات متضخمة/ دونية)وإني أتفق معك و لكن باحتراز عندما تذهب إلى أن "...خطورة الهوية الدينية أنها تقوم على نفي الغير وإلغاءها" ويبدو لي أنه من الأفضل إضافة كلمة "المنغلقة" على الهوية الدينية، لكي نكون أكثر دقة و تصبح الجملة كالآتي " خطورة الهوية الدينية المنغلقة أنها تقوم على نفي هوية الآخر" ذلك أن الهوية الشخصية للإنسان ما هي إلا تآلف هويات متعددة منها: القومية، الوطنية، العرقية... و تحتل الهوية الدينية مكانة مميزة في تحديد الهوية الشخصية للإنسان ككل، فالهوية الدينية المنفتحة تعطي بعدا آخر للإنسان في علاقته مع الآخر، مع الكون ومع الله وهذا البعد لا يكون إلا اتساع في الأفق ورحابة في الصدر. و لعلك تضع إصبعك على أصل الداء بقولك "إن الإحساس العميق بالهزيمة النفسية والحضارية أمام الآخر هو لّب تعكير كيمياء المخ العصبية لدى جموع العرب المكتئبين "

يحسب لك في هذا البحث إشارتك لمعانات أهالي المفقودين ودعوتك لإجراء دراسات عربية تطبيقية ميدانية على "الأرامل والنكالي العرب" (الشريحة الصامتة و المهمشة) وأتفق معك في أن نتائج هده الدراسة ستكون مفزعة بحق و صارخة إلى حد كبير. فما الاكتئاب الجسيم الحالك، السواد إلا صورة خلفية للفزع الإنساني والقسوة اللامحدودة وإهمال أولى أمر لم نولّهم يوما أمورنا.

أن أشير إلى أنه كان لاستشهادك ببعض الحالات السريرية (المنتقات بعناية فائقة) حضور قوي لترسيخ جملة من المعاني و المفاهيم .

كما يحسب لك في هذا البحث أنك وقفت أمام المحطات العربية الكبرى في تاريخنا القريب (جلها انتكاسات و انكسارات) وقرأتها بعين النفساني الخبير، مقدما الوجه الآخر لهذه المحطات و وقعها العنيف في خلخلة ما بقي من توازن نفساني هش للعربي المنكسر ( حرب 48، حرب 67، حرب أكتوبر، حرب لبنان 82، 11 سبتمبر، حرب لبنان 2006، فتح/حماس ...)

ولكي يكتمل بحث بهذا المستوى، كنت أخشى ألا تتعرض إلى "الجسدنة" وهو ما لم يخفى عنك وأفردت له فصل الختام في أشكاله المتعددة .

عزيزي خليل، أدعو الله أن يحفظك ويرعاك وأن يمنحك الصحة والعافية وأن تبقى منارة نهتدي بنورها في زمن اختلاط السبل... زمن التداعي والهوان...أليس العلماء ورثة الأنبياء بحق في زمن لا أنبياء فيه.

دمت في حفظ الله ورعايته.

د. جمال التركي ـ تونس ـ رئيس بوابة " شبكة العلوم النفسية العربية" ـ 03/08/2007

 
< السابق   التالى >