(أوائل
الثانوية العامة يعلنون "وفاة المدرسة"
..... وانتصار الدروس الخصوصية) هكذا جاءت
عناوين بعض الصحف عقب إعلان نتائج الثانوية
العامة.
تُرى
ما معنى وفاة المدرسة كمؤسسة تعليمية (تربوية)
وانتصار الدروس الخصوصية، حيث أجمع كل
الأوائل بلا استثناء وبلا حرج أو خجل أو
مواربة على أن الدروس الخصوصية فى كل المناهج
كانت سبب تفوقهم، بل وأهدوا ذلك النجاح
إلى مدرسيهم الخصوصيين.
إن (موت
النظام التعليمى) فى مصر الآن هو محصلة
حتمية لحال المجتمع، وما حدث ما هو إلاّ
تأصيل وتقنين للفردية السعي إلى إصابة
الهدف بقليل من المجهود، الاستعانة بخبير
أو بصديق ! واختزال العلم فى إجابات عن
الأسئلة بعيداً عن الروح النقدية، ومن
ثم تتولد لدى كل الشرائح المجتمعية سمات،
أقلها التربص والتحفز
الاستعداد للقفز فوق الأسوار وفوق الآخرين،
عدم الانتماء، إنعدام روح الفريق وفقدان
التماسك واللحمة التى من الممكن أن تجمع
بين الطلاب، وإذا اطلعت على صورهم وجدت
الحبور الخالي من الأمل، أو الحيرة فيما
قد يكون بعد ذلك (هناك نسبة غير قليلة من
متفوقى الثانوية العامة تعانى من مشكلات
جمة فى التعليم الجامعى تصل إلى حَدّ الرسوب
وتكراره).
عودة
إلى ملفات الثانوية العامة، الدروس الخصوصية،
النتائج، تحديد المصير، ترسيخ شراء النجاح
وإنهاء مجانية التعليم، كذلك وأد مبدأ
تكافؤ الفرص وانهيار الديمقراطية فى أدق
وأهم صورها، فالبعد عن القوالب الجامدة
(المواد الدراسية، الحفظ والصم والاسترجاع،
الإجابات المثالية، الكبسولات التى تضمن
التفوق) يؤكد على عدم التنوع ومن ثم عدم
جدوى التعليم وقصور أى فائدة مجتمعية له.
إن احترام التنوع العملى والعلمي (فنى أدبى،
جمالى، علمى) له فوائده الجمة. فلنناقش
طموحات الأوائل (فرغم تأكيدهم أنهم يعشقون
الآداب والفنون، فإنهم سيلتحقون بالكيات
العلمية "الطب والهندسة"؛ فهم دون
أن يدروا قد أحسوا برائحة الثروة والجاه
مستقبلاً هناك (نفتح صيدلية،
نورث عيادة، نشتغل فى البترول، ..) ومن ناحية
آخرى فإن الدروس الخصوصية
من قبل هيئات التدريس الجامعية فى الكليات
العلمية أكثر قدرة وانتباها لتأصيل مفهوم
(التنشين) على مادة، سؤال، إجابة
(ومعهلش أبقى احضر السكاشن عشان درجات العملى)،
هنا يدفع القادر فى الثانوية العامة للمدرس
الخصوصى المتميز، يدخل طب أو هندسة ويدفع
للمعيد الهايل، ثم يتخرج لتدور الدورة
مرة أخرى، بينما البسطاء (أولاد البطة السودا)
فيلهثون وراء الجامعات الخاصة (صورة أخرى
للاستغلال وشراء الموارد واستنزاف المصريين
حتى آخر قطرة) .. ولو تأملنا المشهد قليلاً
لوجدنا أن خريجى الثانوية العامة يأتون
من قماشة اجتماعية ثقافية ذهنية مختلفة،
على عكس المدرسين الخصوصيين والمناهج التى
تأتى من منبع واحد (قالب واحد جامد معروف
وموصوف)، مما يجعل المسألة برمتها أشبه
بميكنة للموضوع وصناعة نماذج بشرية مؤدية
(لا مبدعة مبتكرة)، لا تحمل فنا ولا روحاً
ولا تصورات مستقبلية لهذا الوطن المسكين،
فليس هناك أى توازن ولا أية آلية للتعامل
مع كم المعلومات الضخم الوفير الذى يضخه
العالم للاحتياجات، الكوارث، الأزمات،
مواسير المياه التى تنفجر فى السويس ومدينة
نصر، مشكة العطشى المخجلة.
كما أن
هناك مشكلات تتعلق بأمور غاية فى الحيوية
كالصحة والحفاظ على كرامة الإنسان، وتلبية
الحاجات الأساسية .. بالأخلاق، بالبيئة
والتلوث، بالأمن الصناعى والطبيعى، بمفهوم
الصيانة، لا يمكن لهذا الجيل من الخريجين
أن يحلها وهو خارج منها بهذا الشكل الاعتمادى
الصارخ على (شلة مدرسيين شاطرين ينشنوا
صح، يفتحوا العيون وياكلوا ملبن ويأكلوا
الولاد بندق وحلاوة).
لقد تغير
الفصل الدراسى، حجرة الدرس، المدرسة بكل
أنشطتها الثقافية، الاجتماعية، الإنسانية
التربوية والفنية، كلها
اختزلت إلى صالة وترابيزة سفرة ومذكرات
ومدرس وكوب شاى وسيجارة . . .
أو جراجات مجهزة بكراسي ومكاتب من سوق الكانتو
أو مراكز أشبه بالجمعيات التاونية التي
تصرف التموين ويصطف الناس خارجها لشراء
الفراخ والسلع التي عليها طلب نعم كما اختزلت
الكتب والمراجع إلى أوراق باهتة بلا ملامح
تحمل سخونة و أحبار ماكينات التصوير (استعمال
الخارج)، تلك التى صارت تملأ كل حارة وكل
شارع فى مصر.
لقد تعودنا
نحن المصريون على (الخلاصة) (الزُبد)، (البهاريز)
بأقل مجهود أو بدون مجهود (بالطبع فإن التعميمات
فى كل ما سبق غير واردة لأن هناك ـ حتماً
ـ استثناءات).
لقد تعود
المصرى، خاصة مؤخراً على الاختصار والاختزال
وتسطيح الوعى فى كل شيئ (ثقافة تيك أواىـ
يجيب من الآخر ـ يقطع الطريق عكسى يجيب
اللى قباله من الأول ـ
أو غدوة دسمة، أو ست نغشة فى كوفى شوب بوسط
البلد)، يعني نظام حلقّ حوش، واللي سبق
أكل النبق، وفى آخر السنة يرمى الطالب الكتب
فى بهجة المتحرر المنتصر، يقطع المذكرات،
فلقد تعود عشق النهايات السعيدة (خاصة فى
الكورة والامتحانات والعلاقات الانسانية)،
لا تهمه التفاصيل أو عملية صنع النجاح،
وهذا اتجاه خطير للغاية لأنه يصنف
الأعمال والناس والدنيا والدين إلى ضدين
يا إما الناجح يرفع إيده أو الساقط فى صفيحة
الزبالة مع قط الجيران، يا إما حلو وروش
أو قزم عاطفى متفوق دراسياً يعانى من أمية
ثقافية اجتماعية حادة، كليات الفمة وكليات
القاع !!!
نستطيع
هنا أن نفهم أن بعض علية القوم من حملة الدكتوراه
عاجزون فى مناصبهم الوزارية أو العليا
بشكل عام، عاجزون عن حلّ مشكلات البلد،
بل و أن بعضهم فاشل فى تربية أولاده، ببساطة
لأنهم تعلموا وحصلوا على الشهادة دون غوص
فى قاع المجتمع دون بحث أو تأنى ودون تطبيق،
دون جهد حقيقى، كتبوا مذكراتهم فى غير ميادينها،
حلوا مشاكل ريفها فى فنادق عاصمتها الفخمة
المكيفة المطلة على النيل.
ثم تأتي
الراحة واغماض العينين، أو البلادة وعدم
الاكتراث بالمعارضة والفقراء والعطشانين
من باب (العالم دى مش فاهمه حاجة، إحنا المخ
وهمه العضلات، إحنا بنعمل لخير بلادنا
بطريقتنا وبناخد شوية أفكار من الخواجات
لكن الناس مش حاسّه. . . وهكذا).
لابد
لنا من التفكير الأرحب ولنزيح عصابة عينى
الثور ونظارة البغل حتى نتمكن من الرؤية
فى كافة الاتجاهات.
بينما
فى 2007 لوحظ ارتفاع نسبة الحاصلين على 95%
- 100% بشكل ملحوظ عن 2006 مما سيؤدى إلى ارتفاع
مجاميع القبول بما يسمى كليات القمة، كان
رد الفعل من جانب وزير التربية والتعليم
في 18 يوليو 2007 أنه سيتم إنشاء مدرسة للمتفوقين
فى كل محافظة يتم تجهيزها بأفضل الإمكانيات
وأحدث التجهيزات العلمية، والسؤال المتناقض
مع ما سبق و معى كل ما صرح به أوائل الثانوية
العامة: هل سيذهب الطلاب إلى هذه المدارس،
وهل تلك الإمكانيات والتجهيزات الحديثة
جداً ستخدم المجتمع بشكل أو بآخر، وهل سيكف
طلابها عن أخذ الدروس الخصوصية؟!
أم انها ستكون ـ مثل اشياء أخرى كثيرة ـ
مجرد ديكور ؟؟؟ هذا من ناحية ، من ناحية
أخرى فإن احصائيات وزارة التعليم تشير
إلى ارتفاع نسبة أصحاب المجاميع العالية
فى الفترة ما بين 1994 – 2004 (ماريان يوسف
ـ الأهرام أبدو ـ يوليو 2004) ، أسباب تلك
الطفرة وأسباب زيادة هذا العام في نسبة
الحاصلين على 95 – 100% ترجع إلى طريقة التصحيح
بمعنى تطابق إجابات الطلاب مع الإجابات
النموذجية التى وضعتها الوزارة، مع أنه
كما سبق الذكر لا ضرورة (للتطابق) لأهمية
أن يعبر كل طالب باسلوبه الخاص، من هنا
جاء الشكر العميق للمدرس الخصوصي الذى
يدخل دماغ طالبه ويضع فيها المعلومة النموذجية،
يطبعها كما يريدها (زميله) واضع الإمتحان،
ناهيك عن المشكلات الجمة التى ستنجم عن
الأعداد الكبيرة التى يجب أن تدخل الجامعات
غير الجاهزة لاستقبالهم.
هنا يؤكد
د. حامد عمار على أن دور التربية من خلال
النظام التعليمي ليس حيادياً ولا مستأنساً
فنياً، لكنه ملتحم ومتقاطع فى تأثيراته
ومتجاوب فى حركته مع القوى الاجتماعية
المختلفة، { ومن ثم فنحن نري أن انحطاط المجتمع
يعود فى أحد أسبابه إلى إنعدام التربية
وليس تدنيها فحسب، بمعني أن
إفرازات التعليم ضمن المؤسسات المعنية
(هنا والآن فى 2007) قد خلقت أجيالاً لا
هم لها إلاّ الحصول على الشهادة بأي شكل
وبأي ثمن (ثانوية عامة،
IG، أنترناشونال دبلوما، وغيرها من الشهادات
الجامعية الأخرى، الجامعات الأجنبية أياً
كان مستواها التعليمي أو الأخلاقي أو القيمي)،
مما خلق قطبين متضادين: قطب عشوائي فقط
لا تهمه التربية ولا يهمه التعليم، ويهتم
بالمكسب المادي (الفلوس) فقط، وقطب متوحش
مثل سمك القرش يآكل الأخضر واليابس، يملك
رأس المال الضخم، الواسطة النفوذ، التسهيلات
لإقامة المشروعات التي تأكل أموال الطبقة
الوسطي والدنيا والعيا وكل الطبقات (ثقافة
الرغي وشركات المحمول المتطورة سرطانياً)
وكما يحدد د. عمار فإن الدرسات التربوية
فى مصر (حيادية ومثالية) تنطلق منها أمور
مثل (الإجابة النموذجية، التي يجب أن يضعها
مربي نموذجي غير موجود أصلاً) فى حين أن
معالجة قضايا التربية فى العمق هي معالجة
سياسية }.
وفي
إطار فضفضة حرة لطالب طب حالي يعاني الأمرين
يقول (دخلت كلية الطب بأسلوب غريب المهم،
وزارة التربية والتعليم المصرية، قدرتني
أنا والمتفوقين أمثالي، وطلعتني رحلة للعريش،
نزلنا في أماكن لاتسطيع الحيوانات أن تنام
فيها. لم أعرف ماذا أكتب في استمارة التنسيق،
صليت صلاة استخارة ولم أتوصل إلى أى شيئ،
المهم دخلت الكلية، كنت فرحاً بلقبي كدكتور،
وبالبالطو الأبيض، لكن توالت الصدمات،
كنا معشر الطلاب مش فاهمين حاجة في المحاضرات
بالإنجليزي من أول يوم في سنة أولى، طيب
مش مهم، هنتعود... طااااخ... بعد 3 شهور من
دخول السنة كان في امتحان 20% يا نهار اسود،
واحنا لّسه بنقرا الصفحة بالعامية المصرية!!
أو بطريقة (انجليزى ده يا مرسي)!!ثم كانت
الصدمة الأولي أول مرة في حياتي العلمية
أدخل امتحان وأشطب على الأسئلة اللي مش
عارفها، وأعدّ الباقي، وأشوف ها حلّه ازاىّ،
كانت صدمة نفسية عميقة وعنيفة، وكثيراً
ما وقفت أمام ـ شعار الكلية ـ بعد الامتحانات
وأنظر إليه بلا حراك، وكل عضلة في جسدي
ترتجف وأنا أبكي... واعتقد أننا لا نملك
اللهم سوى الاعتراض أوالبكاء مع الناجحين
في بلد الديكورات الأنيقة والجوعى والعطشى
في مصر المحروسة في 2007