اهلا بكم في موقع الدكتور خليل فاضل

ما رايك ؟

الوسواس القهري
 

اخر اخبار الدكتور فاضل



حضر د. خليل افتتاح الاحتفالية المقامة بدار الأوبرا المسرح الصغير بدعوة من المجلس الأعلى للثقافة وذلك يوم الأحد 18/11/2007 وهناك التقى بعلي أبو شادى رئيس المجلس والوزير فاروق حسنى ، والشاعرين أحمد عبد المعطى حجازى ومحمد إبراهيم أبو سنة 
 
الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي يلقي كلمته
 


دعت رابطة الأخصائيين النفسيين المصرية (رانم) www.epranam.org   الدكتور خليل فاضل ليلقي كلمة في الجلسة الخاصة بالواقع العربي يوم الاثنين 19 نوفمبر 2007 الساعة 12 ظهراً في إطار المؤتمر الإقليمى لعلم النفس الذي يعقد في الفترة من  18/11/2007  إلى  20/11/2007  بفندق ميريديان هليوبوليس القاهرة 18-20 نوفمبر 2007
 


أفردت صحيفة الأهرام المصرية صفحة كاملة للدكتور خليل فاضل عرضت فيها آخر دراساته عن التعليم في مصر، وجاء ذلك في صفحة 27 المخصصة للشباب والتعليم يوم الإثنين 12 نوفمبر 2007، تحت عنوان في أول دراسة نفسية: مثلث المحنة في أزمة التعليم المصري ـ 1 الطالب2 المدرس3 النظام التعليمي
 


صدرت عن دار (ميريت) للنشر مجموعة قصصية للدكتور خليل فاضل تحت عنوان -
شادي عبد الموجود

 


صدرللدكتور خليل فاضل
عن دار ملامح
كتاب النفس والجنس والجريمة
 


عرض آخر منشورات د.خليل فاضل
شادي عبد الموجود

 

القائمة البريدية

قم باضافة بريدك الالكتروني حتى يصلك كل جديد الموقع






المتواجدين حاليا بالموقع

يوجد الآن 1 ضيف يتصفحون الموقع

عدد زوار الموقع حتى الان



 



RSS Feeds

دراسة لفيلم ستانلي كيوبريك الأخير طباعة البريد الالكتروني


دراسة لفيلم ستانلي كيوبريك الأخير

Eyes Wide Shut

" عيون مغلقة على ا تساعها"

عيون مغلقة على اتساعها ) دراما سيكولوجية تتمحور حول الحب، العشق، الرغبة، الشبق، البراءة، الخبرة، التحرر والرغبة في تحقيقها واقعاً كما هو الحال في شخص ية الزوجة (نيكول كيدمان) ومحاولة الخيانة الحقة التي تؤدي إلى اكتشاف المجهول المرعب الجنسي المخيف لدى الزوج (توم كروز

الفيلم مثير للجدل بشدة لدى المشاهد العادي ، وأيضاً لدى المتفرج الفاحص والناقد المتخصص و كذلك لدى المحترف والسينمائي . أعتقد أن كثيرين وقعوا في خطأ أن الفيلم مجرد فيلم جنسي، لكني ـ أتحدى ـ وأعتقد ذلك من واقع مشاهدتي للفيلم أكثر من مرة في أكثر من دار عرض في لندن وفي مدينة ريفية لا تبعد كثيراً عن المكان الذي أقام فيه كيوبريك قبل وفاته، أتحدى أن يكون الفيلم قد أثار الرغبة الجنسية لأي رجل أو امرأة شاهداه، بل على العكس فإنه ربما يكون قد تسبب في حالة من ( الخضوع ) خاصة لما يتعلق بمشهد الجنس الجماعي، طبيعي أن الشركة المنتجة قد أبدلت الأجزاء الجنسية الصريحة بتحول رق مي ( د يج ي تال) على الرغم من أن كيوبريك كان قد حذر من أنه لن يحدث أي تغيير إلا على جثته، والمعروف أنه مات قبيل عرض الفيلم فما مما حدا بالبعض أن يتندر بالقول أن الحذف أو التبديل قد تم بالفعل على جثة كيوبريك

إن مشهد الجنس الجماعي كان لا يمكن حذفه إطلاقاً ، لأنه ببساطة جزء أساسي من تدفق الفيلم ، ولأن كيوبريك قصد منه إيصال فكرة أن الجنس ليس مجرد نشوة ومتعة وإيلاج ، لكنه مشاعر وتواصل، ففي ذلك المشهد يضاجع الرجال النساء وهم لابسين الأقنعة ، فلا يمكنهم رؤية تعبي رات الوجه كما لا يمكنهم الكلام بشكل طبيعي ولا يمكنهم التقبيل وبالتالي صاروا أجساداً ذكرية تلتقي جنسياً مع أجساد أنثوية

 

لكن من يظن حقاً أن كيوبريك قد مات حقاً؟ 

ليس هناك من هو عاشق و م هت م بالتفاصيل مثله، كيف يغيبه الموت عن رؤية عمله الدقيق، وكيوبريك ـ كما يقال ، هو الشخص الثاني الذي سمح بدفنه في حديقة بيته الخاصة في المملكة المتحدة، جورج برنارد شو كان الأول، الدفن، بعد أهم أفلامه قاطبة؟ قد يكون سهلاً أن ترحل من غرفة نومك إلى الحديقة لتنام إلى الأبد، لكن ليس من السهل نسيانك إذا كنت بالفعل فناناً أعظم مثل كيوبريك. لكن لماذا اهتم النقاد أكثر على غير العادة بهذا الفيلم تحديداً ( عيون مغلقة على اتساعها ) ؟ ـ الجنس، من يعتقد في ذلك يكون بالفعل قد فاته الأمر الأهم، أو لم ينجح في التقاط الفكرة وهي تمر وتسبح، وربما نقول أو ندعي أنه منذ فيلم (التانجو الأخير في باريس) لم يثر الجنس جدلاً بهذا الشكل في السينما العالمية. فيلم كيوبريك ( عيون مغلقة على اتساعها ) فيلم استغرق عمله ثلاث سنوات ، يعتمد على رواية ( Traumnovelle) التي نشرت عام 1926 وكتبها آرثر شنيتزلر في فيينا وهو عمل قاتم ومقلق وقد يكون مزعجاً

المثير أن الفيلم الذي يتناول قصة حياة زوجين ، اختار له مخرجه الفذ زوجان يحترفان التمثيل، وأعتقد أ ن له في ذلك حكمة تتعلق بما هو أبعد من الصدق الفني، تتعداه وتتناول تفاصيل العلاقة الحميمة بين زوجين . حميم ي ة ليس فقط بالمعنى الحسي وإنما بالمعنى العام الأرحب والأشمل، حميمية ت تعلق بالخيال (الفانتازيا)، الأفكار، و الأسرار. إن معظم الأفلام تتناول حياة وعلاقة رجل وامرأة، كثيراً ما يكونا زوجين، ولكن هنا كان كيوبريك مبدعاً خلاقاً في إزاحة الستار عما يكتم فلا يقال وطرق أوتار لم يضرب عليها أحد من قبل

هذا هو ستانلي كيوبريك ( لم يقلد أو يحاكي أحداً بينما يتدافع كل المخرجين لتقليده، إنه السيد الأعظم للسينما ) هكذا وصفه مخرج هام جداً مثله (ستيفن سبيلبرج)مات كيوبريك في 7 مارس 1999

كما قال بعض الناس وبعض النقاد ، وكما قال توم كروز انه فيلم يدور حول ( الوسواس الجنسي، الغيرة، والشعور بالذنب ) ، وهو كذلك في رأي كروز (فيلم إثارة)

بينما قالت زوجة كروز السابقة (نيكول كيدمان) أن الفيلم سيجعل كل مشاهد يرى زواجها من كروز بشكل آخر مختلف تماماً، وسيكون ذلك مريحاً جداً لهؤلاء الذين لا يتمكنون من تصور زواج المشاهير. كروز من ناحية أخرى أصيب بالقرحة من توترات الفيلم فها هو يصف عملية تصوير الفيلم مثل العدو لاهثاً في ماراثون بعد آخر دون توقف. فكان لدى نهاية الفيلم مرهقاً منهكاً، لكن صانع الفيلم كيوبريك فكان معروفاً بتصويره بعض المشاهد أحياناً من 60 ـ 70 مرة قبل أن يقبل ويكتفي ويقتنع بأن ما صوره كافٍ ومتحقق فنياً ـ وعلى الرغم من كل هذا فإن المشاهد التي صورها كيوبريك عادية في مظهرها فليس ه ناك قفز من فوق الأسوار

( عيون مغلقة على اتساعها ) ليس فيلماً دنساً أو إباحياً قذراً ـ على العكس مطلقاً إنه فيلم يدعو إلى الفضيلة ، ولكن بشكل آخر مختلف تماماً من خلال التأكيد على كل ما هو عكس الفضيلة أو الفضيحة، الفساد القيمي ، الأخلاقي والاجتماعي، على كشف عورة المجتمع المخملي وفضحه . وأيضاً من خلال تناول (الخيال الخاص لكل منا) ... تلك المنطقة الغامضة ، المطلقة ، و السرية ... للزوج والزوجة

إن فيلم كيوبريك الثالث عشر وللأسف الشديد الأخير ، يثبت أن بحث هذا المخرج الفذ ل سنوات طويلة عن مادة جديدة ، وموضوع غير عادي لم يذهب س ُ دى، لقد أثبت بجدارة قدرته الخارقة على الإدهاش، فها هو فيلم ينبهنا فجأة، ينعشنا، و يدهشنا، وب صورة غير متوقعة ، وهو أيضاً ـ كان بالنسبة لكيوبريك ، غير متوقع، لأنه كان دائماً حذراً من الاقتراب من (الجنس المكشوف والصريح)

امرأة شقراء في مقتبل العمر تنتصب واقفة في فستان، أو علناً نقول ثوب نسوي ضيق أسود اللون، وتلك المرأة الساحرة، ل ا تظهر من جسدها شيئاً يثير الفتنة، لأنها تشع بذلك التوتر النشط والخطير، توتر لا يتمكن من الظهور والاستمرار إلا في وجود الأوكسجين، الهواء ، والناس. وينس ى المشاهد لدى ظه و رها أنها قد، ـ نعم قد ـ تنفجر في أي لحظة وتتحول إلى شظايا جنسية مثيرة للغريزة فجأة، نعم فجأة، تدع فستانها ينزلق من على جسدها إلى قدميها، وللحظة عابرة، مجرد لحظة تبدو فيها عارية تماماً، وهنا تظلم الشاشة، ووقتذاك إذا ما أغمضت عين مبصرة، أو لو رمش جفن كما ترمش الجفون تلقائياً لتغطي ما خزنته تلك العين المبصرة داخل مركز المخ البصري. هنا تتداخل عمليات أو علها ميكانزمات من: الكشف، النكران، الغواية، والتراجع. وتلك هي (الموتيفات) الأفكار الرئيسية لما يتبع ذلك من أحداث. وهذا هو تحديداً ما عناه الراحل كيوبريك بعنوان الفيلم عيون مغلقة على اتساعها ) ... عيون مغلقة على الحدث، الفكرة، التفاعل وكل تلك الوشائج التي تصل بينهم في قوة وصلابة وعنف وغرابة وقسوة. عيون مغلقة باتساع ) ـ ثلاث كلمات متناقضة المعنى ، تتسق تماماً مع الخط الراوي للأحداث التي تستمر مدة 156 دقيقة كاملة. ( عيون مغلقة على اتساعها ) يفيد ضمناً بحالة مسحورة. حالة الانتباه استيقاظاً من حلم

تدور حوادث الفيلم الغامضة التي صاغها المبدع كيوبريك ببراعة وبدقة شديدة، صور مشاهده في استوديوهات Pinewood وفي تلك المدينة الأصيلة نيويورك تبدو الأمور وكأنها تحدث في مشهد لمدي ن ة لا توجد إلا في الحلم

القصة تدور حول (آ ليس ـ نيكول كيدمان ) و ( بيل هاترتفورد ـ توم كرو ز) : زوجها الطبيب في مغامرة مستقلة، ومن ثم في علاقة تتعقد لدى الزوجين كلما تغيرت صورة الآخر ـ مع كل حدث و مع كل مشهد، عليها ، ومن ثم فإن الفانتازيا الجنسية تتعدى تدريجياً على تلك الحياة الزوج ي ة المستقرة التي يحسدهما الكثيرون، فهما (نيكول وكروز) زوجان سعيدان، أو كما نقول نحن ( ناس حلوة) وهو تقريباً نفس التعبير الإنجليزي المستخدم في أمريكا Beatiful P eople

النص الأدبي للفيلم ظلّ سراً لفترة طويلة، لكن من المعروف لدى الأوساط المقربة من كيوبريك أن قر ا ر عمل فيلم عن رواية شنيتزلر Arther Schnitzler منذ العام 1971 لذلك فهم وحدهم ضمنوا أن الرواية هي النص الأدبي للفيلم ( عيون مغلقة على اتساعها ) . لقد عاد كيوبريك إلى طموحه القديم لإخراج الفيلم، فيلم عمّا يراه العقل ولا تراه العين (خيال، فانتازيا، حلم يقظة، نزوة، هوى، تخيل، استغراق، و تأمل،

الرواية Traumnovelle كنص أدبي تعاملت أساساً مع مشاعر الغيرة الكامنة في العقل الباط ن ، وهي مشاع ر تكمن داخلنا جميعاً، حتى داخل هؤلاء الأزواج الذ ين يبدون لنا سعداء وفي أحسن صورة

في عام 1997 أعلنت شركة إخوان وارن ر Warner Bros أن فريديريك رافاييل سيكتب السيناريو، عندها تأكد الشك بأن المخرج كان تواقاً لأن يغا م ر بالدخ و ل إلى حقل الألغام الجنسي، وهي منطقة حظرها على نفسه ـ طبعاً ـ باستثناء فيلم ( لوليتا

المؤلف شنيتزلر ألهم كتابة روايته ( ترومنوفيل ) أو (النشوة) أو (رواية الحلم) ... كما سماها قرا ء ها باللغة الإنجليزية، ربما لأن المؤلف النمساوي يأتي من بلد فرويد الرائد في مجال الأحلام وتفسيرها وشرح دورها في حياة الناس، في نومهم ويقظتهم ال رواية تحكي عن طبيب غني وزوجته يعيشان في مجتمع غني في العاصمة فيينا، يجدان أنفسهما مجبران على مساءلة علاقتهما الزوجية الوطيدة بعد حضورهما لحفل عشاء راقص. تبدأ الزوجة بالاعتراف بخيانات سابقة، حقيقية أو محض خيال، وهنا يباشر الزوج مغامراته الجنسية ـ وهل هي ـ أيضاً ـ حقيقية أم محض خيال، تتجمع كل تلك الأحداث ذات الطابع الجنسي وتصل إلى ذروتها في مكان غريب ووسط أناس غرباء يرتدون زياً قوطياً ويمارسون الجنس الجماعي، يهرب الزوج بجلده من الموت وسط هذا الحشد العاري الجنسي اللاإنساني. ويعاود الطبيب وزوجته حياتهما معاً، منتعشين ـ أكثر من اللازم ربما ـ كعاشقين صغيرين تزوجا حديثاً.

أدرك كيوبريك أنه لكي ينجح فيلم معقد كهذا يحتاج إلى نجوم حقيقيين ـ نجوم من الدرجة الأولى ـ اثنان يتمكنان من دفع وتوليد تلك القوة الكهربية، تلك القوة التي لا تأتي من فراغ، وإنما من تراكم الخبرة الفنية النفسية، الحسية ... خبرة أتت من التمثيل في أفلام شتى، ولسنوات طويلة، وكذلك لاهتمام الأعلام بحياة الزوجين (نيكول وكروز) خارج الاستوديوهات

وكان كيوبريك سعيداً للغاية، إن لم يكن بالفعل محظوظاً حينما حاز السيناريو على إعجاب أ شهر وأنجح زوجين في الوسط الفني الهوليوودي ـ توم كروز ونيكول كيدمان، ووافقا على الفور على العمل مع كيوبريك، لكنهما لم يدركا أن ثلاث سنوات من عمرهما ستمر وهما حبيسان رهينتان للشخصيتين اللتين أديا دورهما في فيلم ( عيون مغلقة على اتساعها

والحق كما يقال لم يشك كروز ولم تمل أو تضجر نيكول لكنهما أيضاً أحسّا بجسامة المسؤولية ومن ثم أعطيا كل ما في جعبتهما الفنية المبدعة، أعطاهما الفيلم الفرصة، واقتنصاها

أعاد كيوبريك صياغة عالم شنيتزلر الفانتازي ليمحوره حول شخصية نيكول وكروز، دافعاً موهبتهما للتحليق في فضاء انفعالي عاطفي خطير يتناولا فيه البوح والإفصاح، يعتقد أن أياً من الزوجين الممثلين لم يمرا بتلك التجربة المثرية والمثيرة من قبل.

إن جمال هذا العمل يكمن في أن كيدمان وكروز وهبا وأشعا باهتمام وشغف فوري رائع ، يتجاوز ويتفوق على مجرد تلك الفكرة المعت ا دة على التلصص ذهنياً من خلال أدق ما يمكن تناوله العلاقة الحياتية الحقيقية للزوج والزوجة

الفيلم يدل من أول لحظة أن محوره هو هذ ي ن الزوج ي ن ... لم يكن هناك مجال للتمهيد، أو لمقدمة ولا حتى تفسير، فهاهو كروز وكيدمان .. هناك .. في اللقطة الأولى للفيلم داخل شقتهما الفاخرة والمثيرة للانتباه ، لوحات رائعة معلقة على حوائط الشقة ، أبدعتها ـ حقيقة ـ زو جة ستانلي كيوبريك كريستينا كيوبريك وابنتهما الوحيدة كاترينا هوب

تحملنا الكاميرا الى حياة (بيل وأليس هارفورد) دون توقف، ودون راحة، لتكشف لنا من هما؟! فنشاهدهما وهما يخلعان ملابسهما ، ويرتديان ملابس السهرة. تتحرك الكاميرا في عذوبة مدروسة لترصد تلك الحميمية غير العابئة بأنه كثيراً ما ينسى الزوجان في إطار ضغوطات الحياة، و ملل ورتابة التعود، أ حدهما مثلاً يستخدم دورة المياه، بينما الآخر يتأنق في ملبسه أمام مرآة الحمام الملاصق للمرحاض، ليست هناك أسرار وربما نقول لم تكن هناك انشغالات أو توترات

الموسيقى من تأليف فيكتور سيلفستر يعزف مع الاوركسترا ألحانا راقصة ، اشتقها بحذر وبفن من شتراوس، بدت وكأنها تلف وتطوق وتضم ـ سمعياً ـ فستان سهرة لامرأة جميلة، وكأنها الموسيقى تدلها وتدلنا عما سترتديه متضمنة الضوء، السموّ، الرغبة، والسعادة

عينا الكاميرا الراصدة والمفتوحة على اتساعها بزاوية واسعة تهمس إلينا بأن هذا المشهد المنزلي له حدوده في أرض الأحلام، وكأنها تلك الكاميرا العجيبة تكون ذلك الإيقاع البصري الطافي ناعمة دون افتعال، أو تشنج، كاميرا تدلف في حنو إ لى عالم زوجين عاديين مع طفلهما وجليسته بينما ي خرج الزوجان في رشاقة الى ليلتهما المرتقبة.

يقترب الزمن من الكريسماس، وهو وقت غير عادي، تتلألأ فيه الأشجار بالأضواء الملونة والزينات المتأرجحة، وعلى مدى الفيلم يبدو الزوجان مغموران بفيض الضوء ولألأة الاحتفال. وفي هذا الجو الاحتفالي، تكون المفاجأة أو الفأل، مشاهدي كيوبريك، المتوقعين لحملة من التشاؤم سيسألون ( إلى أي مدى سيستمر هذا الجو الاحتفالي الباهر في فيلم لستانلي كيوبريك؟! إننا نعرف الرجل؟! ) ... ربما كان الاستمرار أكثر مما توقعه من يعرفون كيوبريك وعشقوا أفلامه التي حملت دائماً الحدث القاسي، لكن كيوبريك ينغمس في نشوة ظاهرة مع صورة (الزوجين اللذ ي ن يحسدهما الكل)، يتركان شقتهما وكأنهما ينسحبان مع سرعة الفيلم داخل الكاميرا التي تدور في عشق متوحد مع الضوء ال مت لأ لئ، ومع الزينة المبهج ة

نيكول وكروز يمثلان أناقة لم نرها من قبل في أفلام كيوبريك: هي في رداء السهرة المكشوف الظهر والشفاف، فستان لبست معه ثقتها بجمالها وثقتها بنفسها ، وكأنها فراشة لا تحمل تحت طيات هذا الملبس أي أنثوية طاغية ناتئة أو مترهلة. بينما بدا كروز مزهواً بنفسه في بذلة سهرة كاملة وكأن عالم فيينا في قصة شنيتزلر قد أتى الى المدينة في نيويورك على خطى أنجح ممثلي أمريكا

إذا دققنا في الفيلم من ناحية أخرى ـ الملابس والأزياء فإنه منذ اللحظات الأولى قرر مصمما الأزياء (ليس تومكنز وروي ووكر) أن يبتعدا عن الواقع. كانت الأزياء مصممة لتناسب المكان وهو ـ بشكل غريب ـ شبه أسطوري، أزياء ذابت من حرارة المكان وقوة ألوانه وتصميماته. وتحديداً القصر الذي أقيمت فيه حفلة العشاء ، مكان بداية الحدث

الجدران تبدو ضعيفة الصلابة وكأنها شلال، أضواء صغيرة وإضاءات كريسماس مختلفة الألوان. أما ضيوف الحفل فهم ( أغنياء ومشاهير ) يتراقصون مع النجوم على خلفية موسيقى رقيقة اللحن تغلف المكان والزمان وهو جو شبيه بفيلم (اللمعان ـ The Shining ) ، مصممة على تكرار صرف الانتباه إلى الاستماع دون هدف في حد ذاته، وكأنها دعوة لتوقف الزمن

 

يتوقف، والجميع في حالة استمتاع فحسب ـ ي تقابل (بيل) مع زميل دراسته القديم في كلية الطب (نيك نيتنجيل) الدور الذي قام به (تود فيلد)، هجر دراسة الطب واتجه إلى العزف على البيانو في الحفلات الخاصة، وهو عازف بيانو أنيق في مجالس خاصة ... يلتقي الرجلان مصادفة وفي ود شديد كأنهما يودان بهذا التعبير الدافئ إثبات واقع لم يضيعه الزمن، بينما الزوجة ( أليس ) تتبختر الى الصالون المجاور، تترنح قليلاً تحت تأثير الشمبانيا، تضع كأسها على طاولة خاصة. للحظة ت تسبب الثنية المجززة في فستانها الكريستال توتراً من نوع خاص، فجأة يظهر رجل فائق الثقة بنفسه، متقدم العمر، ناضج، أنيق، هنجاري الأصل، يظهر في هدوء بارد، يعدل وضع ثنية الكريستال ، يفردها وكأنه يوشك على طبع قبلة ساخنة على ثغر ( أليس ) ، وفي خلال ثوان معدودة يتقدم لها عارضاً مصاحبته لها ، راقصاً وصاحباً وربما أكثر... هكذا بدا الزوجان دون تعمد منفصلان في ذلك الحفل، يبتعدان عن بعضهما ببعض الأحداث الصغيرة التي تحدث بالصدفة وت كون أيضا مغلفة بالغموض، إن لم يكن أيضاً بالخطر... (بيل) الزوج تدنو منه حسناوتان تضحكان وتغازلانه دون تردد. كل منهما تمسك بإحدى ذراعيه وتسعيان الى أخذه بعيداً في مهمة لم يفصح عنها، اختارتاها هما وحدهما

فرصة ( أليس ) كانت أكثر مباشرة، يهمس لها الرجل قائلاً : ( من أكثر مفاتن الزواج الخداع ـ وأن ذلك الخداع ضرور ي للطرفين ) ، النساء في بلاده يتزوجن لكي يفقدن عذريتهن، ومن ثم يتمكن بعدئذ من الاستمتاع بعلاقات محظورة مع رجال آخرين مختلفين عن أزواجهن. تلك النصيحة في (أمريكا اليوم) وربما في غير أمريكا ( مصر مثلاً أو لبنان ) عفا عليها الزمن ، تبدو نصيحة قديمة، لكن هذا التقرير والتصريح في هذا الجو وفي هذا المقام يبدو مختلفاً غريب

وهنا يبدو التفسخ وكأنه يشرخ خمار الليل والضوء الذي ينيره. وكأنها ذروة من عالم النمسا ، المجر في أواخر القرن التاسع عشر، ذروة مشوبة بالشك والحذر، مثل الفلفل الأحمر، يضيف غرابة حادة الى تلك البيئة الأمريكية. و الذي يبحث في التاريخ يجد أن كيوبريك نفسه ينحدر من تلك الأصول الأوروبية التي تتصيد الجنس اصطياداً ثم تترعرع

نجد مثلاً صناع أفلام أمريكيين مثل Von Storheim, Curtiz, Wilder, Premiuges. كلهم تقريباً يثيرون تناقضات لعبة الحب و الإغراء مراجعين لكل قواعد اللعبة لتناسب الس ُ لاّب والنهّاب، إن رواية شنيتزلر ترتكز على هذا الجذب، الجرّ، و الاقتلاع الجنسي

فجأة ينعطف مسار الفيلم الى أمريكا الحالية بعيداً عن أضواء تلك الحقبة الأوروبية في القرن الفائت حيث يستدعي الدكتور (بيل ـ توم كروز) إ لى الطابق العلوي ل فحص ضيف ة ا لمليونير صاحب الحفل (فيكتور زيجلر) الذي يقوم بدوره الممثل (سيدني بولاك). رجل يبدو لك وكأنه يستطيع شراء أي ش يئ . أو شراء أي أحد ... يقول المليونير أنه مجرد (حادث بسيط) ... فتاة تناولت جرعة كبيرة من دواء. في ذاك القصر تأخذ الحمامات حيزاً كبيراً ، ي زينها سيراميك منتقى بعناية. هذا الشكل من الأمكنة يعد مشئوما في لغة كيوبريك السينمائية، ففي مشهد من فيلم (اللمعان The Shining ) يلتقي جاك نيكسلون بالرسول من حياته الأخرى ، يوحي له بقدره المحتوم، كذلك فإن ال مشهد الذي لا ينسى من فيلم ( خزنة سلاح ملآنة Full Metal Jacket ) حيث ينتحر متدرب البحرية دوأنفوريو بتفجير رأسه م ُ طيراً قطع مخه لتتناثر على أرضية حمامات المراحيض العسكرية البيضاء اللامعة ، وهو جالس على مرحاض بملابسه الداخلية البيضاء. أما في فيلمنا ( عيون مغلقة على اتساعها ) فإن حمامات زيجلر الأنيقة جداًَ الفخمة، هي المكان الذي يعالج فيه (د. بيل) امرأة عارية، امرأة دخلت في غيبوبة وبدت ميتة ، وكأنها تلك الدمية التي تحركت يوماً ما تهدلت وارتاحت. هذه البنت تحديداً تصبح بعدئذ مفتداته في موقف يكاد يفقد فيه الدكتور حيات ه ، حيث تنعكس الأدوار ويصبح الدكتور الضحية التي لا حول لها

الجنس في كل أحداث الفيلم يقترن برغبة في الموت مكره عليها أحد طرفي اللقاء الجنسي، وهو ما جسده الراوي في روايته كنوع من الربط القدري بين الموت والجنس

نعود إلى (توم كروز أو الدكتور بيل) الذي يتصل هاتفياً بإحدى مريضاته التي توفى والدها قبل قليل. جثة الرجل، الأب، تحتل عرش السرير ، وكأنها جثة رجل مهم جداً في عهد الإمبراطورية الفرنسية . يستدعي ا لمشهد مشهداً آخراً من فيلم الأوديسة 2001 ، حيث المخلوقات المستلقية على الفراش تتحول الى أطفال ملائكة تولد من جديد. ولما يعزي الدكتور مريضته ا لإ بنة التي كسرها الحزن، فجأة ت ُ قبل الطبيب (كروز) ق ُ بلة شهوانية في فمه، لكن في ذاك الوقت بالتحديد كانت أحاسيس ( بيل) الجنسية قد اضطربت وتأثرت بالأحداث التي تجري داخل بيته

ويعد الفيلم نقلة في تكنيك إخراج كيوبريك خاصة في الانتقال من مرحلة الى أخرى خلال مسيرة الفيلم، خاصة أن التتابع في الحدث يعد هنا غير عادي بل وم ُ عقد أيضاً عندما يعود (بيل وأليس) أو (كروز وكيدمان) من حفلة الكريسماس، نجد كل منهما مستثار بالتفاعلات التي تمت هناك، لا يتوق أي منهما الى الخلود إ لى النوم قبل ممارسة الحب وهما يدخنان الحشيش، يسائل كل منهما الآخر عن رفقائه ، تأخذ الملاطفة الشفهية بين الزوجين شكل اً يجعل الحوار مرتبكاً ومعقداً للغاية ، وربما عبثي أيضاً ، يتأرجح ما بين الرقة الشهوانية والمداعبة الجادة التي تعبر الخط الأحمر

كل منهما يزيد الضغط على زوجه، يسبر فضولاً حول ما تم من لقاء وكلام وتفاعل إنساني في الحفل .. هنا لا يبدو (بيل وأليس) كزوجين ، لكن عاشقين ، يغير كل من الآخر ، وهنا تتسم الكلمات بنغمة الاتهام. ( أليس ) تريد أن تعرف؟ هل يستثار زوجها جنسياً عند مرأى مريضاته عاريات؟! وهو ... يعترض بشدة على السؤال ، ويرد بأن الجنس يكون قريباً جداً من الموت، لا تق ت نع (أ ليس ) بالرد وترد عليه عن ما تم مع المجري الثري الملح ف ي الحفل، يسأل الزوج نفسه

( لماذا لم تتملك ني الغيرة؟! قالتها بطريقة توحي بأنها لا تر غ ب في تهنئة أ و تقدير على إخلاصها وعدم خيانتها الزوجية، على العكس إنها قد جعلت نفسها موضع لوم وعتاب لأنها لم تقطف ثمار الفرصة لإقامة علاقة . يرد ( بيل ) ...( أنا أعرف أنك لن تخونيني أبداً ) . وترد هي بلا تردد: (خطأ قاتل) . يشوب ال ع ل ا قة الزوجية استياء لهذا الإحساس الخفي بالامتعاض. وفي خلال ثوان تصبح الشراكة الزوجية عداوة بين الجانبين، لا يمكن إلا أن يفوز فيها أ حدهما فقط.

يصور البارع كيوبريك نيكول كيدمان وهي في وضع شبه عار متحدٍ، مكسوّة بملابسها الداخلية مؤكدة على تكوين رائع له روح الم َ ث َّ ال، سامحاً لها بأن تدلف إ لى ( وضع الاعتراف ) وكأنها جنين تعاد ولادته، كما لو كانت زوجة (بيل) وأم لطفلته، تقر بأنها قد أتت بفعل خائن زوجياً، لكنه على الصعيد النفسي والجنسي هو فعل مؤكد لأنوثتها مؤكداً على أ نها امرأة بحق

( آه لو أدركتم يا معشر الرجال، ما نفكر ف ي ه نحن معشر النساء وما نأتيه من أفعال، آه لو أدركتم؟! ) ... تبوح نيكول بعبارات تنطلق انفعالية كما لو أنها قد قذفت في أنفاس مخطوفة تعبر عن مشاعر حقيقية صادقة

حينها يتخذ كروز وضعاً غير عابئ، وكأن الأمر لا يهمه، ولكن اللقطة المقربة تفضحه نفسياً كزوج مرفوض. تصمت الزوجة هنيهة وكأنها ترى أمام عينيها الفعل الجنسي الذي أع ت ادت تخيله وربما إبداعه في مونولوجها الخاص، تصف ( أليس ) فانتازيا جامحة، ت ت خيل نفسها مع ضابط بحرية رأته يعبر أمام غرفتها في إجازة الصيف. هل يمكن لامر أ ة أن تمارس الجنس مع شخص غريب وفي نفس الوقت تظل محبة لزوجها؟! هل عادة ما تكون هذه الازدواجية مقصورة على الرجل فقط؟! هل انقلب الأمر وانعكس هنا؟ وتصبح الرغبة من حق المرأة؟!

خلال مسار أحداث فيلم ( عيون مغلقة على اتساعها ) نشاهد ونرصد حشد اً متتال ياً من اللقطات المدروسة لمشاهد كل منها له هدف ومعنى ويخدم الفيل م ككل، تبدأ الإشاعة تدور: كيوبريك وضع نجميه في مشاهد لا تنتهي الإ ضاف ة فيها، فيبدو ال سيناريو تراكمي اً . إذا كان الأمر هكذا حقاً فهنيئاً لصانع ي الفيلم، لأن حجم وعمق المجهود أثمر عملاً فنياً ضخماً مشحوناً بقضايا إنسانية نفسية اجتماعية وبيولوجية أيضاً. إن إصرار ودأب كيوبريك جعل ممثليه يأتون بإبداعهما الخلاق من العقل ومن الأحشاء أيضاً

وكأنه كيوبريك قد انتزع نيكول كيدمان وتوم كروز من أدائهما النجومي النمطي، انتزعهما من العمق وكأنه يشد خلاص مولود ليحيا جديداً بلا ماضٍ أو ذاكرة فنية سابقة تشوش عليه، لقد جعل كيوبريك ممثلاه يفكران لنفساهما ويحسان بالحزن ، الذنب، الخجل، العار، الغيرة. من المثير للدهشة أن كيدمان قد ظهرت على خشبة المسرح في لندن لتؤدي دوراً في مسرحية ديفيد هير ( الغرفة الزرقاء ـ La Ronde ) وهي لنفس مؤلف الرواية شنيتزلر، والتي صور فيها عدة نساء يمارسون الجنس مع رجال من مختلف الطبقات وفي حالات وظروف مختلفة أيضاً. وكان أداء كيدمان المسرحي ناجحاً ، انتزع إعجاب الجمهور والنقاد البريطانيين، وهنا يتساءل النقاد عما إذا كان عملها مع كيوبريك قد أنضجها، بمعنى أنها كانت تعيش الشخصية بدمها ولحمها ومخها أيضاً ؟؟

ولما تعاود غيرة الزوج كر ّ تها لا شعورياً، يؤكد كيوبريك على تلك الغيرة عبر محاور تصويرية بالأبيض والأسود، ويبدأ عقل بيل المعذب يستحضر اعتراف زوجته صوراً متتابعة ومتسارعة أيضاً. وقد يتساءل المشاهد أحياناً هل هناك ضرورة لهذا الاستدعاء بهذا الشكل المتكرر، نعم ... إنها صور هامة مؤثرة تؤكد على استدعاء كروز لنيكول تشريحياً في نشاط جنسي واضح وصريح. حينها تختفي كيدمان من على الشاشة لمساحة زمنية كبيرة وكأنها أخرجت من مهمتها غير أنها ظلت حاضرة بقوة في ذهن زوجها الغيور المتأجج والمعذب. نجحت نيكول كيدمان في تصوير اشتياق الزوجة ( أليس ) الجنسي . تثرى كان ذلك اشتياق اً حقيقي اً أم متخيلاً، إن هذا الاشتياق والتوق والتشوف والرغبة العارمة ما إلا المادة الرئيسية للقصة. ومنها تتفرع مغامرات الزوج الفاشلة . جواد غض الإهاب يبحث عن فعل ما، عن ح َ ث يسمح له بمنافسة زوج ته في اعترافها الم ُ تخيل والذي كاد أن يكون حقيقة . في سعيه لهذا يتلاقى بيل مع مومس تعرض عليها ( وقتاً طيباً ) . وهو ... لا يفكر ولا يحدد ما هو الوقت الطيب الذي يريد أن يقضيه، فيترك الأمر لها ( اف ع لي ما ترينه .. افعلي ما تريدينه ... ماذا تتصورين، ماذا تقدمين ؟) ،وهي .. تعده بمفاجأة، ونحن كهذا الزوج لا نعرف ما هي تلك المفاجأة. وفجأة يدق جرس هاتفه الجوال ـ هذا الرنين يدعو ضميره إ لى البيت ـ أليس زوج تك تنتظرك. وكأنه الندم المصاحب بالعزوف عن المغامرة أو قضاء ( وقت طيب

إن السيناريو الذي كتبه كيوبريك مع رافائيل يتبع رواية شنيزلر بدقة ـ لكنه أحياناً يبتعد عنها ـ لا يشذ ، لكن ه يجد البديل المودرن لأحداث وشخصيات صغيرة في القرن التاسع عشر في فيينا

المومس ضحية الطاعون في الرواية الأصلية ضحية مرض الزهري آنذاك، وفي الفيلم هي ضحية (الإيدز). نيك نيتنجيل عازف البيانو هو المقابل لنا ي تنجال في الرواية الأصلية والذي يعزف معصوب العينين في حفلة جنس جماعية ممارسوها يلبسون الأقنعة الغريبة في مكان قصي عن المدينة. عازف البيانو في الفيلم هو فحول الذي يهرب (بيل) إ لى ذلك القصر ذا الطابع القوطي في ضواحي نيويورك. رجال أشداء يلبسون أقنعة رومانية يضاجعون نساء في زوايا غرف مجوفة كالكهوف ... المشهد، مشهد ض ارب صادم للعين وللجزء البصري من المخ وهو أقرب لفيينا ومؤلفها شنيزلر أكثر منه لمانهاتن نيويورك، حوالي 500 رجل تتدلى منهم بناطيلهم ، خلق منهم كيوبريك أدوات لمشهد متعمد تتمازج فيه الموسيقى بالأزياء بالألوان بالإضاءة، فتبدو الضحية والقربان والجمع والدق اقرب الى عالم الجحيم والنار وكأنهم الناس في الدنيا القديمة يستمتعون برومانسية جنسية غاية في الغرابة وفي الخطورة أيضا ، وفي الخلفية لوحات كانفاه ل ـ ( ماكس إرنست ) توضح رغبات وممارسات ( سادومازوخية ) . يتعرف الجمع الم ُ قنع الجنسي الخاص على هذا الدخيل (بيل) ويحقق معه من قبل إله الجمع ، ويهدد بالتعذيب والموت لكنه يفتد ى بامرأة مقنعة، يكتشفها بيل في المشهد ا لأ خ ي ر ـ مشهد اكتشاف الجثث في المسرحية هي نفس البنت التي أسعفها من جرعة مخدر زائدة في حمام الثري زيجلر. ويبدأ نيل في رحلة مضنية لاكتشاف الحقيقة، حقيقة ليلته خارج وداخل المدينة وعن مخلصته وكيف ماتت؟ ينتهي به البحث الى مجموعة من الافتراضات بلا يقين.

يعود الى أليس زوجته، وهو ما زال دافئاً بالحدث،يكتشف وهو مرعوباً أنها كانت تحلم أحلاماً فجة جنسية تفاعلت وتداخلت مع ليلته المحمومة، في عنفها وجدلها بين الجنس والموت. الآن جاء دور بيل ليفدي هذا الزواج، وليكشف صراحة عن وهنه وهشاشته ، وكأن أليس قد نزعت القناع من على طبيعته الأصلية. تضع الزوجة القناع الذي كان يلبسه في حفلة الجنس الجماعي والذي نساه في البيت على مخدته على سريرهما، مكان رأسه بالضبط وبكل وقار يرتضي بيل بالكذب والشك: (من الأفضل أن يغلق الإنسان عينه عن ما يدور في عقله، أفضل من أن يفتحهما على الصدق العاري، لكن كل هذا ما هو إلا هروب وليس انتهاء أو حلّ! إذن ماذا يخبئ الدهر لكليهما؟! يسائل كل منهما الآخر وهما يتسوقان مع طفلهما يشتريان هدايا الكريسماس. جواب أليس له إلا طعم بارد مرا وغ تنتهي بآخر كلمة في السيناريو ما علينا إلا أن (...) (F..K) وهي الكلمة الإنجليزية الوقحة والصريحة للممارسة الجنسية كما ينطقها العامة والدهماء دون حب أو تأنق (ما علينا إلا أن....) قالت بشفت ي ن مزمو م ت ي ن وكأنها لا تعني إلا الإيلاج والقذف فحسب، وهي تعني أيضاً الاستسلام لضربات تلك الحياة الغرة الخطرة ورغم كل هذا فإن أليس هي الطرف الأقوى ، وهنا يغلق الباب على كل حلم أو تخيل ويفتح على مصراعيه للواقع بكل وحشية.

على الرغم من أن كيوبريك قد أنتج وأخرج الفيلم ، إلا أ نه أيضا قد خلق عالماً آخر داخل عالم ه ال سينمائي ال حي ، وكأنه من ط قة أخرى لم يقربها الآخرون كتابة أو تصويراً ، موسيقى أو شعراً أو ألواناً عالم تسكنه شخصياته التي مثلت الأدوار ويسكنه كل من شاهد الفيلم

إن النشوة الحقيقية والانتصار الرائع لفيلم ( عيون مغلقة على اتساعها ) يكمن أساساً في أداء الممثلين الذين حقنهم كيوبريك ولفهم به وتحديداً هنا (نيكول كيدمان) التي تفوقت على نفسها. إنها وزوجها كروز لأول مرة يمثلان وكأنهما لاعبا سيرك يتراقصان دون الحاجة الى شبكة أمان تحميهما من السقوط، بمعنى أنهما أديا دوريهما دون الاعتماد على نجوميتهما وشهرتهما الواسعة في هوليوود والعالم. وهذا تأتى من إخراج كيوبريك وهو أمر اعترف به كليهما، لقد أُ تهم كيوبريك بأنه غير قادر وغير متمكن من البوح والكشف عن (توترات الإنسان الساخنة) وهو لم يقتنع بذلك قط. هذا الإنتاج الفريد يجيب على الاتهام

( عيون مغلقة على اتساعها ) نصر متحقق ، يليق بصاحبه، على الرغم من فيلم مولود بكل ال حزن بعد وفاة أبيه كيوبريك

د. خليل فاضل ـ إنجلترا

Khalil Fadel
Consultant Psychiatrist & Psychotherapist
Writer, Analyst & Psychodramatist
www.drfadel.net

 
التالى >