| اللمبي |
|
|
|
( " مجتمع الشمبانزي"، مجتمع يتكون من مجموعة من الأفراد" وغير المفترضين"، – حقيقيين، من لحم ودم وعظام و أعصاب، يعيشون بيننا في مجتمعنا الأكبر، المجتمع المصري. مجموعة من الناس لهم ملامح محددة ينامون بيننا، ويعملون معنا ويعيشون وسطنا، اللمبي أمسك كشافاً وألقي بالضوء عليه وعليهم وعلينا). بما أننا شعب مرهق، متوتر اجتماعياً، فليس هناك غضاضة البتة أن نخرج فرادي وجماعات من كل حدب وصوب لكي نشاهد اللمبي " مرة ومرات ولنضحك ملء أفواهنا حتى نملأ الدموع عيوننا. كنت ومنذ بدا عرض " اللمبي " بصدد الكتابة عنه كشخص ونموذج اجتماعي، لأنني أعتقد أنه ظاهرة . ربما أن خروجه من القمقم المعاش إلي الشاشة المتخيلة قد جعل البعض يراه ظاهرة يتوتر لنجاحها. أعترف أني قد خشيت هؤلاء المثقفين الجوف المرعبين الذين ينتفضون كالوحوش الكاسرة يمجدون في أكثر أفلام يوسف شاهين فشلاً لمجرد أن ( جو ) قد أخرجها، وينزلون بمعاولهم علي وائل إحسان لأنه فرك الفانوس وأخرج محمد سعد، ليخرج لنا كلنا لسانه، لكن جاء وائل عبد الفتاح في دراسته العميقة ( صناعة النجوم في مصر – 1- صوت الأمة 5/8/2002 ص 12 ) ليشجعني علي أن أتأمل وأنهض، ابتسم وأضحك، أرصد وأحاول أن أري التراب المسحور داخل القمقم وأتفحص ذلك الجني ملياً.
محمد سعد ولد صايع مثل دور ولد صايع ) هكذا صاح أحد المشاهدين، وهو كمن يضحك علي نفسه وناسه ويري صورته في المرآة ويقهقه وربما كانت كل تلك الجموع الحاشدة المحتشدة من المشاهدين تتوحد وتتماهي وتري نفسها في محمد سعد، تهميشه ضعفه، صعلكته، جرأته عتهه ذكاؤه وربما تمنت أن تكونه بكل تشوهاته وسوءاته ولهذا استمرت في الضحك. واستغرقت فيه واستمرت اللعبة:" أراك بعينيك وتراني بعيني، فلنخلع عيوننا التي تزوقنا بها ولنخلع أرديتنا المخملية ونبحث عن( البنطلون ) ( يامَه ) لنجدها تلبسه وهي تحلم باللقمة الطرية وتمضغ الأرز باللبن، تشاركها فيه الملائكة وخواجات شرم الشيخ ورجال البلدية ذوي الأحذية الغليظة الذين يهجمون علي عربة الكبدة دون رحمة ودون هوادة السؤال الآن( لماذا يقبل الجمهور بهذا الشكل علي هذا الفيلم؟! من الذي يفرض الثقافة السائدة ومن الذي يحدد الذوق العام الذي يسود؟ وهل فعلاً اللمبي مجرد دروس في التفاهة والبلاهة كما حدَد رفيق الصبا مثلاً؟ وهل الواقع المعاش مختلف جذرياً عن الواقع المقدم سينمائياً؟ وسؤال لا صلة له بالموضوع سيفتح الأبواب علي مصارعها لإجابات وثيقة الصلة بالموضوع ولكي نبحث في السؤال غير المهم، فإن البحث في حد ذاته ليس مهماً لكنه خادع ومخاتل، ومتعب، منهك ومرهق، صعب وقاس وبداية طريقة شاقة. الطريقة التي نتبعها للاستعلام عن عمليات اجتماعية وجدانية وذهنية تطبخ البنية التحتية لهذا المجتمع الذي نكون ونعيشه كيف بنا وكيف لنا أن نجعل من التوتر الاجتماعي الذي أزمن وتورم وتكور مؤسسة تدخل في ثنايا ثقافتنا العامة والمباشرة. لقد تناسينا أو نسينا في زحمة انشغالاتنا، أو في دوامة السقوط في مستنقاعتنا الفكرية ونحن ننظر للأشياء ونكيل الكيل بمكيالين، نتلوى ونزدوج، نسينا أننا بقدرة قادر وعلي مدي ما يقرب من ربع قرن قد مجَدنا ( اللمبي ) أو ( السيكوباثي المضطهد ) أو ( مضطرب الشخصية العابث اللاهي الحزين )، صنعناه كما صنع أهل الجاهلية الآلهة من العجوة ثم أكلوها . صنعناه كل يوم في شركاتنا ومؤسساتنا التعليمية والإعلامية والثقافية ولما جاء نابت اللحية، أشعث الشعر، معفر الوجه، ممزق الثياب، يرقص ويتماوج علي الشاشة ليحصد ملايين الجنيهات، استنكرناه واستعجبنا لوجوده ونحن نرتمي علي ظهورنا من فرط الضحك . لقد جعلنا من صورة المهمش الهلفوت الحشاش البهلوان الغلبان صورة مقبولة ومفروضة وطبيعية، في إطار مجتمع لم يصبح طبيعياً بكل المقاييس لقد نفخنا في صورته وجعلناه قوياً ورأيناه مهماً، وشاهدناه في أكثر من موقع كالبطل الهمام. ولنا أن نتأمل علاقاتنا ببعض داخل أطر الأسرة، المجتمع، الحي، العمل، وسنري صوراً مصغرة، حجم طبيعي ومكبرة للمبي ّ نعم . إنه نحن ليس فقط في أفيشات فيلمه العجيب لكن في المواصلات العامة، في الطرق والكباري، في الصحف والمجلات، في وسائل الإعلام، في القنوات الفضائية، في أكوام القمامة وفي قطار الصعيد. وداخل السجون مع نواب القروض وقتلة الأطفال وسارقي آثار البلد. اللمبي بجانب معظم هؤلاء أو كل هؤلاء غلبان وطيب ومغلوب علي أمره ومن حقه علينا أن يأخذ فلوسنا – بعض فلوسنا برضانا ومزاجنا لأننا ندفع ثمن الضحك عليه وعلي أنفسنا بجدارة. محمد سعد اشتري لنا المرآة المنبعجة المقعرة الضاحكة المضحكة الموجودة في الملاهي والموالد وسمح لنا أن نقف أمامها نطالعها في دهشة وذهول، نري فيه أنفسنا الداخلية المرتبكة المذعورة ، أن نري " جوانا" بكل الأشكال، فمرة تتحرك العينان في محجريهما كراقص الباليه المندفع، ومرة تظهر المؤخرة متقدمة علي كل نتوءات الجسم، كما تنتفخ أوداجنا باللحم والبرفان، فنري أصواتنا ونسمع ألواننا المتباينة ما بين الشحوب إلي احمرار التخمة والوجع المادي. (محمد سعد) أو (اللمبي) ليس سيكوباثياً حقيقياً، إنه صورة ضعيفة منه، السيكوباثي المجرم هو هؤلاء الهاربين بمليارات البلاد، نواب القروض، المرتشون داخل السجون وخارجها، المتسلطون، المستغلون للسلطة و النفوذ والجاه، القساة العتاة الظالمون، الحيتان الأكلة كل شئ في كل مكان وزمان، هاتكي الأعراض والمتحرشين جنسياً بكافة الأجساد و الأرواح الأعراض التي تقع تحت أيديهم وهي في الأرض تسعي من أجل لقمة العيش. الليمبي شمبانزي اجتماعي موجود معنا، وسطنا، داخلنا بيننا حولنا يملك شبكة علاقات اجتماعية مع الناس في العشوائيات، في القرى، في قاع المدينة، وفي الهضاب المحيطة بالعاصمة، بل ويمتد ليجوب الصحراء ويسكن كالحيات في خبايا القرى الساحلية الشمالية، وهو بشكله وصوته وطريقة نطقه كون كياناً مستقلاً يمكن الاصطلاح عليه بالكيان ( الليمباوي ). كيان موجود في كل أنحاء مصر له أدواته وبيئته وطريقة تسلله في الحياة الاجتماعية لكل الطبقات بدءاً من تلك التي يمثلها محمد سعد إلي تلك التي تتقزز منه ظاهرياً وتعشق بجاحته وتموت في خفة دمه داخلياً. اللمبي يمسك بقبضة يده المتسخة برائحة السلوك الاجتماعي المعيب أو بمعني علمي آخر السلوك الحيواني الذي نمارسه علي بعضنا البعض ومع يعضنا البعض. و تصل ببعضنا الحيوانية إلي مداها سواء في الحركة أو الإيماء أو السلوك الإدماني أو الجنسي الذي يقربنا من الحيوان فينا بل ويحببنا فيه مما يجعل كل منا صورة للشيطان. صورة لا نود رؤيتها لا في مرآة الصباح ونحن نحاول تنظيف أسناننا و أنفسنا، أو نحن نتزين للخروج إلي عرس أو حفل أو لقاء أو اجتماع يصنع كذبة كبيرة مثل الكعكة الكبيرة التي نلتهمها. ونحن مغمضي الأعين مخفوقي الصدور محبو سي التنفس، مسدودي المسام نعاني من حالة إمساك عاطفي وانقباض أخلاقي وتورم غير مفهوم للأنا الخاوية، في خضم كل هذا ينجح محمد سعد ووائل إحسان وكل أفراد الجوقة في تصوير وتمثيل وتخليق والسيكوباثي الحزين المهضوم حقه، ويفشلون كما نفشل نحن في البحث أو تحقيق الإنسان الحقيقي ذي المشاعر والأخلاق والضمير والوجود المتسامي. واللمبي كما ذكرنا كالشمبانزي ونحن كما ذكرنا أيضاً مثل اللمبي نتمكن من تكوين روابط أسرية، نتناسل، ونقيم علاقات اجتماعية مركبة، صداقات حميمة و أخري مبتورة وثالثة مزيفة وتعاون متبادل مع كافة القوي ( اليمباوية ) التي تحمل طابع وشكل وذكاء القرود في كافة المؤسسات التي ننتمي إليها مع الاحتفاظ بمسمياتها حرصاً علي ( التابو ) واتقاء شر (المحرم والحرام) :اللمبي قادر علي لعب دور اليويو والفتوة الذي يفرض بقوة الصوت والسلاح رأيه ويفرد طوله وينام مليء جفنيه . عودة إلي الشمبانزي في الغابة التي تسير وفق نظام، ما ولها طبيعة محددة وسلوكيات ساكينها طيوراً كانوا أم حيوانات معروفة لدي الجميع، وجد أن هذا الشمبانزي الذي يشذ عن السلوك يقتل بشكل عشوائي، وفي حالتنا البشرية يشرب البانجو ويفسد قيمياً وأخلاقياً عندما يتعرض للإرهاق الذهني والجسدي، الإنهاك الدنيوي، عندما يتعرض للاحتراق وظيفياً وزواجياً وإنسانياً، بمعني آخر أن كل ما من شأنه تكسير الأسوار وكسر الرتابة وتعكير الأمواج يتفاعل مع بعضه البعض و يستهدف البنية الاجتماعية و يضرب المجتمع في الصميم يضربه في قلبه وفي روحه وفي لحظة محددة ، فتتشقلب أحواله وترتبك جزيئاته ويصبح فيه الصحيح شاذاً والسارق بطلاً والمعتوه ذكياً والدميم جميلاً، كما تكثر فيه الأمراض العضوية والاجتماعية وينتشر فيه اليأس وتكثر محاولات الانتحار وتشيع فيه الرغبة من التخلص من الحياة التي تتوتر وتصير عبئاً ثقيلاً. ونجد أن الزحام والتكدس. التنافس غير الشريف وازدياد الطلاق المبكر، انفجار البيوت، صراخ الناس في النوافذ و الشرفات يتسبب في أمراض عضوية كالقلب والضغط ويقلل من كفاءة جهاز المناعة فتسري العدوى والحمي كما تسري البكتريا في الهواء الفاسد الملوث بالتراب والضجيج والتدني في الذوق العام والخاص . اللمبي ابن ونتاج وصنع في مصر. ليس ظاهرة ولكنه حالة خاصة. وهو المقابل للتوتر الاجتماعي إن لم يكن ابنه. إن دور التوتر والإجهاد في اضطراب السلوك الاجتماعي عال للغاية. والإنسان بشكل عام ضمن مجموعة الفقاريات أكثر الكائنات تكيفاً مع التوتر والإجهاد وهو أيضاً أكثر المخلوقات تكيفاً مع الواقع المعاش، هو أيضاً أكثرها حساسية استعداداً وقابلية للإنجراح عند التعرض لمواقف ضاغطة مؤلمة . وهاتين الصفتين ( التكيف ) و ( الإنجراح ) عبر عنهما اللمبي خير تعبير في فيلمه الشعبي الكاسح، وهاتين الصفتين متولدتان ومتأصلتان فينا كمصريين ، أساساً – لغياب ( المنظمات الداخلية الكامنة في العمق ) وهي ما يصطلح عليه البعض بالغرائز. ولأن اللمبي لم يولد مثل أثينيوس كامل النمو من رأس زيوس ولأننا يجب أن نعلم أننا كأطفال نتغير ونتشكل بالثقافة المحيطة، بالوالدين، بالرعاة وولاة الأمر بالعوامل الوراثية، بالجينات وبكل ما نحمله من خلال عملية النضج تحدث العيوب والإضطرابات فتنتج نماذج ( ليمباوية) عديدة ربما غير منطلقة مع صورة محمد سعد لكنها تنويعات علي لحنه، صورته، صوته، لحيته، حركات جسده، ثقافته، تاريخه الشخصي، علاقته بأمه وبالآخرين وحتى نعلم أكثر فإن كثيراً من البشر لا يولدون بطاقة كاملة من الإحساس، بمعني أنهم يعيشون بيننا معوقوا المشاعر مسدودى القنوات الحسية، كذلك فإن القدرة علي التفاعل الوجداني الاجتماعي التام تتطور تحت حماية ورعاية والتربية التي لم تتح للمبي وأقرانه. وهنا يكمن دور الأم ( عبلة كامل ) التكيفي الخبيث الصدامي المعوج المنزعج الخفي القاهر والمقهور في آن واحد، لذلك لم تتح الفرصة للمبي للتطور والنمو حتى لو كان الفيلم قد تعمد إلي إظهار استقراره وأمانه في النهاية التي جاءت مصطنعة مفبركة غير متسقة مع مجريات الفيلم العنيفة. إن الطفل في تفاعلاته المتكئة علي الآخرين في عطائهم، يتكون وتتكون شخصيته وملامحها من خلال الوالدين في حمايتهم له وتبدأ تكوينات الثقة في الرمز محاكاة القدوة التعاون مع المثل الأعلى، القدرة علي تبادل المشاعر مع الأخر، كل ذلك ممكن لكن ليس هناك أي ضمان لذلك، ولذلك فإن اللمبي وأقرانه منا يفتقدون إلي كل ما سبق ومن ثًم انبعجت صورتهم وصارت مسخاً كارتونياً مضحكاً ومثيراً للشفقة شانه شأن كثيراً من شباب مصر الآن . وإذا جاز لنا أن نتناول اللمبي الفيلم أو الحالة بالتمحيص والتحليل وجب أن نفحص بكثير من التأمل الاختناق والاضطراب والاحتقان الاجتماعي، التوتر المجتمعي الشديد الوطأة وهو ذاك الذي يعني كيفية الأداء الوظيفي لكل منا في مكانه. وبشكل أعمق فإنه يعني تلك الصراعات الداخلية بين ما قد نحمله من قيم في مجتمع سريع التغير والتأثر بالثقافة الأمريكية، وبالإنترنت والسياحة والبورصة وكرة القدم، مجتمع شديد الانفعال حساس للغاية ويقوده الحدث ويدفعه دفعاً في اتجاهات قاسية حادة كالسيف حامية كالنار، ولنا في ذلك أمثلة لأحداث ( وليمة لأعشاب البحر ) ( عايدة ممرضة الإسكندرية ) ( فضيحة تزوير امتحانات كلية الطب )( سرطان الدروس الخصوصية) ( احتراق قطار الصعيد ) (أزمة التعليم في مصر ) ( مسلسلات الرشوة والنهب المنظم و المتكرر ) ( نواب الكيف ) (تنظيم الشواذ ) ( نصر حامد أبو زيد ) ( نوال السعداوي ) ( حوادث السيارات والموت السريع لشباب في عمر الزهور أيام الصيف علي الساحل الشمالي ) ( عبدة الشيطان ) ( هوس الفياجرا وأزمة الأنسولين ). مجتمع يخوض مخاضاً عبثياً سريع التغير في كل شئ بدءاً من قيمة الأشياء المادية إلي فحوص ومحتوي العلاقات الإنسانية داخل الأسرة الواحدة وفي العلاقات العاطفية إلي قلب جروح الزواج والمؤسسة الأسرية ويعني كل هذا أن المسألة تضرب في البنية الأساسية للمجتمع، ونعني هنا العادات، التقاليد، الاقتصاد، الجمعيات الأهلية، المؤسسات الحكومية. تدهور وتدني الخدمات، ظهور الفئات ذات الطابع المتسلل والمتأنق والمتسلق عنوة و تحت الجلد مما يؤدي في مجمله إلي خلق شكل اللمبي بكل تضاريسه بلحيته النابتة التي لا هي مسترسلة ولا هي حليقة، بعينيه المدورتين الفارغتين الدائرتين، برأسه ووجهه المستطيل ليستوعب أكبر قدر من التناقضات بحاجبيه السوطين يجلداننا بكل عنف وغل وقوة، بكرشه الممتد أمامه ومؤخرته الممتدة خلفه، ساقيه الراقصتين علي تناغم حركات وجهه وعضلات ساعديه وكتفيه وصوت تنفسه المتحشرج لحظة الفرح ولحظة الموت. خلطة عجيبة وغريبة لها رائحة المغات والإفرازات وبقايا المدن في أواخر الليل، نكهة العتمة عند انحسار الضوضاء في أطراف المدينة وعبث النسوة في محاولة شق جدار الصمت مع الأزواج المرهقين فاقدي الرغبة والإحساس، يخلق كل هذا و أو معظم هذا سلوكاً معادياً للمجتمع ( سيكوباثياً ) يصبح من كثرة انتشاره عادياً وطبيعياً. إننا وبما لا يدع مجالاً للشك قد أصبحنا كتلة اجتماعية غير متجانسة نعاني من إحساس متزايد بالاختناق والتوتر والقلق، لأن الروابط والوشائج بدأت تتفكك وتتحلل وبدأت نظم القيم تضعف وتتداعي وصارت المؤسسات التي من وظيفتها الأساسية حماية القيم، صارت تحمي وتدافع عن كل ما هو ضد القيم والمبادئ وبدأت ترسخ لفوضى في العلاقات والنظم ومن هنا بدأت روح انهزام النفس ودحرها. نفسية (اللمبي) والأبعاد الاجتماعية الحل الذي اهتدي إليه اللمبي في الفيلم وأقنع به والد العروس هو استثمار الزواج فيجمع النقطة من الناس الذي كان والده صاحب فضل عليهم. هذا الأسلوب في التفكير وهذا النمط السلوكي في جمع المال هو بالفعل ما فعلته شركات توظيف وسرقة الأموال علي مدي عصور وطبقت القول الشعبي الشائع ( الحرامي ما يسرقش غير الطماع ). والطماع هنا هو الذي يبحث عن أي شئ ينفخ به نفسه ويعظم به ذاته الفقيرة حتى لو كان ذلك مجرد ذكر اسمه في ميكرفون العالمة علي الملأ. إذاً فنحن لسنا فقط ( مجتمع الشمبانزي ) لكنا أيضاً مجتمع النقطة ( الَلم ) ( الجمع ) ( التحايل ) ( الخداع ) ( النصب ) ( الاحتيال ) ...... وهكذا ومن ثَم فنحن مجتمع مركب انتشرت فيه الآراء المتناقضة والعلوم المتضادة وهو يحاول جاهداً الحفاظ علي نسيجه وعلي تناغمه لكنه – بالفعل – قد أصبح كحائط مصنوع من قوالب طوب خاوية واسمنت مغشوش. شخصية الحياة المصرية الاجتماعية لها طابع ولون يرتاح وينام في حضن السلطة : سلطة الحكومة، النفوذ، المال، الأب، العسكر، الإعلام، وهي في ارتياحها ونومها ذاك تنبت موقفاً غريباً يميل إلي الغمز بعين واحدة مليئة بالرغبة، غمز مملوء بالانبهار بمن يكسرون قواعد اللعبة، وحسب قول " اللمبي " يقطع الكهرباء عن الحي كله وهو أيضاً اللمبي ( اللي الزلزال يزلزل الدنيا وما يهزهوش). ( شخصية اللمبي ) تختلف عن شخصية الهلفوت ( عادل إمام ) وعن ( أحمد زكي) في (ضد الحكومة ) لأنها ضد السلطة ومعترضة عليها دون خوف وأيضاً دون تأثير، اعتراض المسكين الغلبان وهي في اعتراضها ذلك مختبئة داخل ضعفها وحيرتها مما يسمح لعامة المشاهدين وخاصتهم أن يغمزوا لها وتغمز لهم فيضحك الطرفان ضحكاً مسترسلاً ويقهقهان عالياً وذلك من خلال مفاتيح مجتمعية حساسة حارقة تدمي القلب وتوجعه. وزمان كان جمهور الترسو يصفق للبلطجية والمجرمين وكل من مَثلهم محمود المليجي، فريد شوقي و توفيق الدقن. لكنه هنا في حالة اللمبي جمهور متوحد مع الجزء المحاصر والمهضوم حقه وليس متوحداً مع الجاني كما كانت الحالة في العصور السينمائية والسياسية السابقة. بالطبع فإن الخوف كل الخوف أن مجتمعنا المصري الذي يعاني بشدة من إرهاصات قوية وعنيفة تعصف به ذات اليمين وذات الشمال من الممكن أن يقع في حب اللمبي الحقيقي ويترك محمد سعد وفيلمه ويستمر في حالة عشق مع كل الليمباويين في مصر دون أن ينتبه أو دون أن يفيق ودون أن يقف صاحياً أو منتبهاً واعياً مسلحاً بالمعرفة و الحكمة في وجه كل من خلقوا حالة اللمبي من سياسيين واجتماعيين وأصحاب قرار . اللمبي ليس سارقاً تكنولوجياً وليس مجرماً حريفاً لكنه شخصية تزحف علي أرض الواقع المتسخ بالعرق والدم والتراب بحثاً عن لقمة العيش التي أضنتنا وأحنت ظهورنا. مرة أخري الخوف كل الخوف أن يتوحد جمهور اللمبي ويبدأ في تكوين جبهة وحزب ويكون له شعار وعلم وصحيفة وتصبح صورته بالنيون أعلي العمارات الشاهقة والفنادق الضخمة والكباري الممتدة طولاً وعرضاً، وهنا سيفتش جمهور اللمبي عن ذاته وينسي المجرم الحقيقي بل ويتركه حراً طليقاً يعبث بالكون ويحاول صنع لمبي آخر هنا وهناك من أجل تعذيب. وعذاب له طعم السكر ورائحة العنبر. لقد أصبح البطل في المجتمع المصري في الفترة الأخيرة هو ذلك الفهلوي النصاب الذي يستطيع الضحك علي الذقون وسحب الأموال من الجيوب والبنوك وأدراج المكاتب وفي دولاب الملابس وأيضاً من تحت البلاطة. إن طوابير المشاهدين أمام وحول دور العرض في انتظار ( اللمبي ) هم أنفسهم الذين وقفوا طوابير أمام الريان والسعد والشريف سواء لإيداع مدخراتهم وشقاء عمرهم أو لمحاولة سحبها، وهي طوابير تختلف عن طوابير فراخ الجمعية وطوابير الخبز أمام ( طابونة العيش ) وطوابير عمال التراحيل، فلكل طابور طعم خاص وانتظام خاص وانتباه خاص وتكاسل خاص. وصورة النصاب الجديد، تلك البراقة يتواضع جداً بجوارها شخص اللمبي الحزين، ومن ثَم فإن النصاب الحقيقي الذي يخدع الناس ليل نهار بالوعود يعرف نقطة ضعف الناس ويدركها بالسليقة والخبرة. ما خاب من قال أن كل يوم يولد لنا نصاب جديد، محتال جديد، أفاق جديد ولص محترف لا يأكل إلا الملايين وهؤلاء المحتالين الشاطرين لهم فلسفتهم التي صارت فلسفة قطيع كبير يتبعهم ويشرب من نهلهم ( المتاح والسايب والموجود يستأهل قطفة و خطفة كما يستأهل الخداع والكذب والنصب كل يوم ) وعندما يضيق الخناق عليهم كما حدث في بعض قضايا الرشوة والنهب يتبنون شعار الأحداث الجانحين ( قل الحقيقة واعتمد الصدق إذا كنت في شك من أمرك فإن هذا سينجيك ) وعندما ضبطت حلا شيحة زوجها المفترض اللمبي في فخ النسوة اللاهيات الذي نصبه أبوها له، قال اللمبي نعم لقد أخطأت وأنا رجل بكل نزواتي و أخطائي في حين عبر مشهد المصالحة بين فرنسا ( عبلة كامل ) أم اللمبي ووالد العروس عن الصراع والخلاف والتحايل والمكر والدهاء وكان هذا المشهد إخراجه متميزاً و كان أداء محمد سعد رائعاً في تقطيعات إغلاق النافذة وفتحها أثناء الحوار الساخن بين أم اللمبي ووالد العروسة. إن جذور اللمبي وجذور مجتمع 2002 الاقتصادية والاجتماعية ضاربة في أعماق التحولات والإرهاصات التي نمر بها . و ربما كان لهذا استطراد آخر. نبعت جذور الحالة المصرية الراهنة خلال العصور الماضية من ينابيع أهمها تلك التي بدأت بعد ثورة يوليو 52 والتي بدأتها مجموعة متحمسة وعرة السلوك مرتبكة الانتباه، انتهت إلي ما نحن عليه الآن من تكنوقراط معظمة يحمل الدكتوراة تبدو عليه ظاهرياً مهارات فهم ميكانزمات المجتمع الحديث، لكنه مكبل من يديه وقدميه بالروتين والفساد القيمي، المادي والأخلاقي. في إطار كل هذا وفي إطار يوليو 52 و حتى القاهرة 2002 نجد مساحة كبيرة من الزمن يرقص فيها اللمبي وجماعته رقصاً عشوائياً، وأصبح ( الليمباويون ) إن جاز التعبير يتوهون في الأروقة والأزقة وأصبح الناهب والسارق الكبير ممجداً وشاطراً ورائعاً، وصار المثل القديم شعاراً بمعني أن ( المال السايب يعلم السرقة ). من وجهة نظرنا أن هناك مسافة كبيرة بين المجتمعات الصغيرة المنتشرة في كافة أنحاء المحروسة وبين المجتمع المصري ككل. أي بين عالم اللمبي وعالم مصر المحروسة ككل ومن ثَم صرنا ( طبق سلاطة ) بدلاً من أن نكون، أو بعد أن كنا ( بوتقة ) تنصهر فيها كافة الملل والاتجاهات أصبحنا ( علي كل لون يا باتستا ) المتفرنج، الأمريكي، الأوربي، الخليجي، المنتمي، اللامنتمي، الإخوانجي، العابث، الناهب، المخلص...... وأصبحت كل جماعة لها طابعها الخاص وثقافتها الخاصة وعالمها الخاص. وسقطت من حالق مفاهيم الحظ والسعد فتاهت مفاهيم القدرة، التمكن، المثابرة، والطاقة للتغيير، ومن خلال كل هؤلاء كان الانتهازيون ومنهم اللمبي الغلبان ينتهز الفرصة فتهرب منه، فيشوش ويلتبس علينا الأمر ونجده كمحمد سعد يقول ( أصل الناس متجرحة ) في إجابة علي ردود فعلهم لفيلمه، نعم إن الناس ( متجرحة )، وما خفي في باطن الفيلم الذي اتهم بالتفاهة والبلاهة كان أعظم.
الخلق الناظرين للمبي بدلاً من أن يقف الخلق ينظرون كيف تبني مصر قواعد المجد وحدها ( ذلك البيت الشعري العظيم المعني لحافظ إبراهيم والذي نطق به اللمبي مكسراً مبتوراً معوجاً وناقصاً وقف الخلق أو قعدوا ، ذهبوا إلى السينما ليشاهدوه مرة ومرات، ربما أن البعض قد حسموا أمرهم واعتبروه مبهماً مضاداً للإكتئاب لا يحدث أثاراً جانبية ولا يحتاج إلي روشتة من طبيب نفسي، ولقد صرح لى الكثير من المتعبين نفسياً المعاودين للفحص، الاستشارة والعلاج أن في اللمبي شفاء حقيقي للروح المنهكة ، وعلي الرغم من النقاد قد ذبحوه في معظمهم فيما عدا صافي ناز كاظم وكمال رمزي ووائل عبد الفتاح لأنهم علي طريقة جحا الذي ضاعت منه مفاتيحه في البيت فيدور عليها في الشارع ولما سئل عن ذلك أجاب لأن الشارع مضاء ولأن البيت عتمة وهكذا بحث النقاد الأشاوس عن معني اللمبي في عتمة الأناقة والجماليات المعهودة وسينما الألوان الواهية فلم يجدوه ، وأعتقد أنهم لم يتعودوا علي النقد التحليلي واعتمدوا دوماً علي الانطباع الذي يوصف بالنقد السينمائي وهو بعيد عنه كل البعد . فيما انحسرت الأضواء عن الزعيم عادل إمام وحسبما قال مشاهد ذكي من عامة الناس إنه تحديدا ومنذ فيلم الإرهاب والكباب وقد انتهج عادل إمام لنفسه خطاً مختلفاً لا يضحكنا من القلب، وإن أضحكنا فعلها وهو بالبدلة الكاملة ورابطة العنق ، انحسرت الأضواء أيضاً إلي حد ما عن محمد هنيدي ربما لأن محتوي الضحك لديه قد صار فارغاً مكرراً ومملاً وبين هذا وذاك سطعت الأضواء بشدة علي المبدع محمد سعد، ذلك المتوهج الذي يصبح بطاقة الأداء الحركي واللفظي هذا الفذ الذي يجمعه مع عبلة كامل انهما لا يمثلان تمثيلاً لكنهما يعيشان الدور بالحواس الخمس بالأنا الظاهرة والأنا الجوانية وكل منهما فعلاً معجون بالفن. قد يقف محمد سعد في مكان ولادته وإقامته ( السيدة زينب ) طوال اليوم يطالع الناس في غدوهم ورواحهم، ينتبه بفطرته إلي السلوك الإنساني كما هو ( بطل عبلة ) كما يقول عامة المصريين يقول المبدع مارلون براندو ( علي الممثل أن يعرف كل شئ، أن يعرف حجم البصقة في الفم وثقل الزند وهو يرتاح علي الطاولة ). وأتخيل نفسي وراء زجاج نافذة بيت بسيط في الدور الأول في حارة مصرية. ألصق وجهي بالزجاج، أضغط أنفي عليه وأحملق في وجه محمد سعد أو اللمبي وهو متفحصني منتظراً لحظة النطق المتعثر بالكلام المتقطع والذي يحمل ألف معني ومعني. إن تفاصيل السلوك تكشف عن مفاتيح مهمة الأسرار الداخلية للإنسان، وتفاصيل سلوك اللمبي كشفت بالفعل عن أسرار بنية عشوائية لنموذج البطالة المطاردة في مصر والسعي القهري لتحقيق الذات من تأجير العجلات للخواجات إلي بيع الكبدة إلى ( بودي جارد ) حارس شخصي لراقصة ينتهي الأمر به إلى قواد دون أن يدري، وتوحد مع ( باخ ) العازف علي العود والمعازف عن الإفاقة مفضلاً غيبوبة غيبوبة البانجو و الحشيش، والمقابل الرقيق للغة الجسد عند اللمبي يكون هذا الانطباع الذي يتولد لدي الفاحص لإمرأة تتحسس جيدها متأملة عقد اللؤلؤ فمن حركات أيديها وتحركات أناملها يمكننا أن نعرف الكثير عنها ولقد عرفنا الكثير عن اللمبي من خطوته ورقصته وتموجات عضلاته وهكذا – بالفعل يكون الممثل – سيضرب الإنسان إذا لاحظ أنه مراقب، وسيركز علي نفسه إما سيحاول التفوق أو سيرتبك وتضيع منه اللحظة المبدعة في حالتي محمد سعد وعبلة كامل فإنهما لا يضيعان ولا ينتبهان إلي أحد عندما يمثلان ، بمعني أنهما ينغمسان كليةً فيما يقومان به . الممثل الموهوب الماهر هو الذي يتمكن من إبقاء كل البوابات مفتوحة علي الناس، داخلاً إلى قلوبهم متمكناً من أذهانهم وردود فعلهم، يسمرهم في مكانهم ويدعوهم إلى التأمل العميق لكل ما يجرى. وملاحظة الآخرين تسلح الممثل بأن يكونهم بكل صدق وبشكل كامل، وفى المقابل فإن الممثل يفهم نفسه أكثر ويطورها بقدر معرفته بكينونته وذاته الملاحظة الدقيقة. المشاهدة الحقة. متعة وتجربة مهمة خاصة إذا اقترنت بفن الإنصات ومراقبة السلوك هنا بكل تفاصيله لا تقتصر على حركة الجسد فقط وإنما تتعداها إلي وضع الجسد، حركاته، إيماءته، توتره، شكله، محيطه الخارجي، تفاعلاته مع المكان والزمان وكل ما يمكنه من التواصل مع الآخر وفى حالة الفيلم السينمائي هنا يكون الممثل هو الهدف الملاحظ ترصده كاميرا المصور وتدقق فيع عين المخرج ليحكم عليه المونتير وبعدئذ إما أن يقبله المشاهد أو لا. وقد تكون ذقن اللمبى النابتة أو شعره المرسل إلى الأمام على جبهته البارزة وصلعته المميزة، طريقة لبسه وهندامه، كل هذا يرسم علامات الشخصية في حذر وهدوء شديدين. لقطة مقربة إلى وجه اللمبى ( كلوز آب ) تحَدى غريب فكلما اقتربت عدسة الكاميرا كلما زاد توق الممثل أن يظهر وجه عارياً بمعنى أن يظهر ما هو كامن تحت الجلد، خلف العينين، داخل الرأس، للعينين تحديداً في فيلم اللمبى كان هادفاً لأن عيني محمد سعد المدورتين الغريبتين الحركة كشفا قلقاً اجتماعياً محموماً لأحد مهمشى مصر المطحونين وهنا ظهرت الشخصية تداعب ما يمكن الاصطلاح عليه بالفضاء الشخصي والمنطقة الحميمية لكل منا. وجمهور السينما في لحظة التوحد والتماهى مع البطل يلاقي الإنسان ولا يلاقى الدور المرسوم، كما لا يلاقى الممثل . كما أن هناك ظل ممتد للأدوار التي يتذكرها ويحبها الناس، فكان اللمبى في الناظر علامة واضحة انتظرها الناس وهنا ليس لعلاء ولى الدين ولا لأي أحد فضل علي محمد سعد لأنه جسد رؤية المؤلف والمخرج ولا أعتقد أن غيره كان بإمكانه أن يقوم بذلك بنفس الدرجة.
ustify" dir="rtl" class="MsoNormal"> |