ما رايك ؟

الاكتئاب ...
 
طباعة البريد الالكتروني


تربية الخمس دقائق

بقلم  د. خليل فاضل

لم   أضحك ولم أبتسم حينما سمعت مراهقاً يتشاجر مع رفيقه صائحاً في وجهه:

"اسكت يا تربية الخمس دقايق" على العكس انزعجت وتذكرت رجلاً فى حوالي الخامسة والثلاثين استلقي على أريكة التحليل النفسي  المعروفة بالشيزلونج وباح بما لا يقال عادة، تطرق إلى جذور خلافه الشديد مع والديه. قال أول ما قال ( لم أقل لهما أف ولم أنهرهما، وقلت لهما قولاً كريماً، لكني فى المقابل لم أعامل بما يسمح بتطور ونمو ونضج شخصيتي، لقد كانا على خلاف دائم وانعكس الخلاف على تمزق الوقت بيننا، أعتقد أنهما ربما غصباً عنهما قد افتقرا إلى الثقافة الوالدية الصحية والصحيحة بمعنى أنهما لم يعرفا كيف يربيانني بالفعل ). وكثير من الناس بالفعل قد لا تتاح لهم سوى خمس دقائق لتربية أولادهم، ومن هنا جاءت قسوة تلك الشتيمة الجريئة العجيبة المولودة فى زمن العولمة والإنترنت!!

لكن تنبع منها أمور تدعونا للتأمل، مراجعة الحسابات والحذر الشديد. استشراف المستقبل لكي يكون أفضل، منها الإهمال العاطفي لأولادنا، إفسادهم بالتدليل، عدم القدرة على التواصل معهم كبشر، ومعاملتهم كأشياء، لا رأي ولا قيمة لها. إهانتهم والتقليل من شأنهم، نزع خصوصيتهم، القسوة عليهم نفسياً، ضربهم معنوياً  بتقطيب الجباه وتقويس الحاجبين والنظر إليهم فى شدَة، تعنيفهم لأتفه الأمور. إعطاء جرعات حب يتبعها سيل من علامات الرفض و التوبيخ والتأنيب، مما قد يؤدى إلى ما يسمي بالربط المزدوجDouble Bind  ، وهو ما يخلق حيرة وتناقض أو التباس يؤدي إلى تشوش فى الفكر، تناقض وجداني واضطراب فى الشخصية، ينمو مع اللحم والعظم مع نمو الطفل حتى يغدو بالغاً راشداً. كذلك فإن الأم المسيطرة بشدة، القابضة على زمام الأمور بإحكام عنيف لا يسمح بالمرونة، تلك التى ربما تسعي إلى الكمال، فى وجود أب سلبي، أو غائب نفسياً أو جسدياً، أو مشغول إلى تحقيق ذاته إلى حَد الهوس، تكون مثيرة للقلق، مضعفة للشخصية، معطلة لنموها، تلك البيئة الأسرية الضاغطة تؤدي إلي سوء الفهم و تعطل التواصل وفقدان الثقة بين الأطراف جميعها فتكون حصيلة السنوات من التربية لا تتعدي الخمس دقائق، تربية تنتج أفراداً قلقين متعبين نفسياً غير واثقين في أنفسهم، مهزوزين غير صادقين وغير ملتزمين، ولأننا كوالدين لم نسمح لهم بتجربة الخطأ، ولم نسمح لهم بوقت للجد وبوقت للعب، وقد تبهت سمات الأب الأناني أو البخيل أو كليهما على أولاده، فتطبعهم بما لا يحبونه وبما لا يتقبله المجتمع منهم فنجد بعضهم يقول: ( لقد صرت شبيهاً بأبي، أخاف أن أتحول إلى رجل مثله، لا تفهموني خطأ، لكن ما يحدث هو أن نقاط الضعف فيه تنتقل إلي، ونقاط القوة عنده تحتجب عَنى. لقد قتلت طفولتي فى مهدها، إغتالتها الصرامة والعنف اللفظي، صرت غير قادر على الإستمتاع، ظلمني أبي وهو واعٍ بظلمه لي، وهذا قد وَحَشَني. لن أكون بعدئذٍ لقمة طرية لأي أحد،  فليساعدني الله على التحرر منه، ما تمنيت عمري العز لكنى تمنيت التحرر من الظلم، وهكذا، أمثلة عديدة لحالات قصوى يتصارع فيها الآباء والأبناء وتزداد الصورة قتامة لعدم الوضوح، فنجد أن هناك سبعة عناصر أساسية تكاد توضح الأمر وأبعاده :

  1. البيئة الطبيعية.
  2. نظم الصيانة التى تصون وتحافظ.
  3. السلوك الوالدى.
  4. شخصية الطفل وسلوكه.
  5. تجارب التدخل الوالدى أثناء مراحل تطور الطفل.
  6. سلوك والىِ الأمر ( الراعى ) وشخصيته.
  7. المؤسسة الاجتماعية التى ينشأ فيها الفرد ويترعرع، بكل سلوكياتها وتعبيراتها.

البيئة الطبيعية : نعنى بها المناخ، التضاريس، الحياة النباتية، الحياة الحيوانية، الإرتفاعات، درجة الحرارة، توافر المعادن، باختصار كل ما يعنى الوجود الذى يعيش فيه الإنسان، وكل سبل التكيف والتأقلم والعيش. يتأثر الإنسان أيضاً بما يحيط به من صناعة ووسائل اتصال وتكنولوجيا حديثة التى تمثل (الصيانة) أو أنظمة الرعاية والحفاظ على الإنسان و مكتسباته، ومن ثَم فإن هناك علاقة ثنائية متبادلة بين البيئة الطبيعية وبين نظم الصيانة، بمعنى علاقة هامة بين البيئة بكل مكوناتها والنظم التى تصونها وهو ما يعرف عادة ب " النظام البيئي "، وفى مصر حديث طويل عن اختلال هذا النظام البيئى وعن مدى تأثيره على التربية منها على سبيل المثال لا الحصر : الضوضاء، الزحام، التكدس، حال المدارس، طرق الترفيه، نوعيات الاعتناء بالبشر، مفهوم التفوق، الاهتمام بالتحصيل على حساب التربية... وهكذا

 نظم الصيانة : أما عن نظم الصيانة فى المجتمع فهي تلك النظم الاجتماعية والثقافية الملزمة ببقاء الأسرة وأفرادها داخل إطار مجتمع يفترض فيه أن يكون صحيحاً، وهى تساعد على تماسك السكان بالمعني العضوي و الحضاري، وتحوي تلك الطريقة النظم التى يرتزق بها الناس ( فحتماً سعار اللهاث على لقمة العيش و هوس السعي إلى الرزق والإحساس بعدم الأمان أدي إلي غياب الأب تحديداً والوالدين تخصيصاً كما أدى إلى انتشار محموم لتربية الخمس دقائق ولتواصل عبر البنك و الفاكس والكاسيت والبريد الإلكتروني وصارت التربية في المطارات وفى السيارات الذاهبة إلى المطار وفى اللقاءات المبتورة، فى أواخر الليل وأوائل الصباح) على الرغم من أن نوعية الوقت الذى ننفقه مع أولادنا أهم بكثير من الزمن بمعني أن ننتبه جيداً لما يقوله أولادنا لنا، أن نركز علي أحاسيسهم ومشاعرهم بدرجة مائة فى المائة، ولا نتظاهر بأننا نسمعهم أو ننصت إليهم فى حين أننا بالفعل نتجاهلهم ونتجاهل كل محاولاتهم المضنية للتواصل معنا، وهنا تكون النتيجة سلوك معيب، تعثر دراسي، حركة زائدة وقد يستغرب البعض أن عدم قضاء اى وقت مع طفلك أرحم بمراحل من تجاهله وأنت معه، كذلك فإدراك أن مشاعر أطفالنا لا تقيم بالصح والخطأ، إنها مشاعرهم فإذا قال طفل لأمه ( أنت لا تقضين وقتاً معي ) حتى لو كان ذلك مباشرة بعد وقت قضته فى اللعب معه فإنه يعني ما يحس به وهنا وجب أن تكون الإجابة من الأم " نعم ، يبدو وكأننا لم نقضِ وقتاً معاً سوياً منذ فترة طويلة ".

السلوك الوالدي :

أما عن السلوك الوالدي فهو هذا الذى يظهر للطفل، للمراهق من والديه نتاج لتربيتهما، لثقافتهما لوعيهما وأيضاً لمعتقداتهما وينعكس ذلك على درجة التحكم الوالدي والانضباط واختلاف ذلك عن القسوة، ويظهر ذلك أيضاً فى مدي عمق الدفء الوالدي ومدي جديته ودرجة ظهوره، ولنا أن نتساءل بالفعل لماذا نري آباءاً دافئي المشاعر وآخرين باردي التواصل والتفاعل ؟ لماذا هناك والدين رافضيين وهناك آخرين راضيين قابلين؟  هل للبيئة الطبيعية ونظم الصيانة دور كبير فى فعاليات ذلك وهل فى مصر الحديثة اختلفت درجات الدفء الأسري والسلوك الوالدي والبيئة المحيطة، اعتقد بما لا يدع مجالاً للشك نعم؟!! وبلا تردد، فالسلوك الوالدي الحالي هو نتاج إرهاصات السنوات الماضية تحديداً ال 27 سنة التى مضت عندما بدأت الهجرة من القري إلى المدن ومن الجنوب إلى الشمال ومن مصر إلى الخليج ومن مصر إلى العالم ككل بما فى ذلك جنوب إفريقيا وزيمبابوي،إسرائيل وأستراليا؟! ومن هناك كان التأثير على شخصية الطفل بل وتكوينها ورسم ملامحها وبناء هيكلها وهذا موضوع آخر لا يقل أهمية لا يتسع المجال هنا للخوض فيه .

 
< السابق   التالى >