| سيكولوجية المثقفين |
|
|
نشرت في مجلة الديمقراطية الصادرة عن مؤسسة الأهرام بالقاهرة ـ عدد أبريل 2005سيكولوجية المثقفينعرف أحد العاملين في خدمة تنظيف الغرف بفندق خمس نجوم من فنادق العاصمة المطلة على النيل طريقه إلى العلاج النفسي بالحوار والفضفضة، جلس أمام المحلل النفسي واسترخي على الشيزلونج واشترك في العلاج الجمعي، وأيضاً كان في السيكودراما (المسرح النفسي العلاجي، العفوي التلقائي).ذات مرة كان الرجل تواقاً لأن يعبر عن نفسه، صودف أن تواجد معه في نفس الجلسة (صحفي مثقف)، قال الرجل أنه محدود الطموح وكان يتمنى أن يتعلم اللغة الإنجليزية والكمبيوتر وأن يكون في (Front Desk) في استقبال النزلاء بالفندق الفخم الضخم؛ غير أنه أدرك أن ذلك بعيد المحال وأنه سيكتفي بأن يكون "مثقفاً"، يحادث مستمعيه في أمور الثقافة التي يستقيها من تلك الصحيفة الدولية، ومن متابعاته للأخبار وأن حلمه أن يكون مشرفاً على زملائه Supervisor، وأن يتولى تثقيفهم ... هنا وارتكازاً على فلسفة اللحظة قام (الصحفي المثقف) وقال له: لماذا تريد لقاء المثقفين؟ وهل تظن أنك بمعاشرتهم والعمل معهم ستكون مثقفاً، هل تظن أن ذلك يتأتى لك بمطالعة الصحف العربية الأشهر؟ هذا محض هراء، لو أنك تريد الثقافة الحقيقية المباشرة تعال معي لنحكي سوياً مع رجال في الصعيد نتسامر حول شئون الكون، حينها من الممكن أن تصبح مثقفاً. السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل من الممكن أن يتثقف الإنسان مثلما يتعلم مثلاً، ولو فعل ذلك هل يمكن تصنيفه على أنه مثقف! هل فِعل التثقيف مبني على منهج وتصور ورؤية أم أنه اجتهاد وموهبة، سلوك ومشاركة. نفس الرجل ارتدى مسوح الثقافة، تجّمل بها وتزوق وتغندر وكان بين أقرانه في قسم النظافة وخدمة الغرف في الهوتيل الرائع يبدو كأنه الطاووس. بعض قشور ثقافته المستمدة من شذرات قراءاته وعلاقاته، وكان بالفعل مميزاً بين أقرانه، يطلبون منه النصح والمشورة ويحسدونه لمفرداته اللغوية الجديدة عليهم. غير أنه وفي لحظة تبدّل وتغير وتمرد على صورة المثقف المزيف وقرر ألاّ يعاشر الثقافة كما كان يفعل، وأن يعود بسيطاً عادياً غير مثقف يجالس أقرانه في هدوء وبساطة وتواضع، هنا، رفضه زملاءه من منطق الغراب الأبيض. قالوا له يا راجل يا طيب .. تركتنا ونحن الغربان الطيبين بريشنا الأسود اللون، تركتنا ونحن في تصالح جميل مع ذواتنا، تركتنا وطليت ريشاتك بالأبيض؛ فوجدت عالم المثقفين محفوف بالمخاطر فهجرته وعُدت، لكن للأسف لا نتمكن الآن من استيعابك، لأنك اصبحت وكأنك بنصف لسان، نصف عقيدة، نصف ثقافة، نصف ولاء.... بالفعل هذه هي الصورة التي عليها كثير من مُدعي الثقافة، فالمثقف الأصيل نادر؛ فهو ليس بالمتعلم، وليس بالكاتب أو الصحفي، كما أنه ليس الموظف المثقف، وليس بالسياسي، أو ذلك الذي ينشر الكتب ويطبعها، أو يخطط لانتشار أوجه الثقافة في أرجاء الوطن المتعب، ويحضرنا في هذا المجال ندوة جماهيرية في الهواء الطلق أقامتها الهيئة العامة للكتاب في شهر رمضان قبل عامين. كانت خيمة ثقافية على كورنيش النيل حضرها وزير الثقافة فاروق حسني وعدد من معاونيه وموظفيه، سأل الوزير صحفي مشاغب عن دور الثقافة الغائب في مجتمعنا، هنا صاح الوزير في غضب ملحوظ وضيق شديد لم يتمكن من إخفائه مستنكراً السائل والسؤال. قالً: ألا ترى هذا الكم من الكتب الرخيصة الثمن التي نغرق بها في السوق، ألا تشاهد هذا العدد من المسرحيات، ألا ترى ذلك العدد الهائل من الصحف والمجلات، ألا تذهب إلى دار الأوبرا... كاد الصحفي وبعض من الحضور أن يصرخوا في الوزير مؤكدين أن المسألة ليست أبداً بالكم، فمن وسط الجوعى والفقراء والمكدودين يقرأ تلك الكتب، ومن يذهب إلى تلك الدور؟ إنها مشكلة حقة لأن الشكل يوحي بممارسات ثقافية متنوعة رائعة، بدءاً من مكتبة الإسكندرية ذلك الصرح الحضاري الرائع، وانتهاءاً بقصور الثقافة في النجوع والقرى إن وجدت، لكن أين ذلك من التأثير على سلوك الناس وأخلاقياتهم. أين هو المثقف في خضم كل ذلك، أين دوره الريادي التنويري المنتشر والمؤثر؟ ... إن المسألة مركبة وتحتاج إلى تأمل وتحليل نفسي واجتماعي. لماذا يختزل المثقف نفسه ونختزله إلى جالس على المقهى وجالس خلف المكتب، محاضر في ندوة أو عالى الصوت يصرخ في القضائيات، أو مفتون بعقله يجلس حبيس صومعته يحلم بالمدينة الفاضلة. المثقف والثقافة تحدٍ كبير للنفس وللدور المنوط به، للتوقعات الكبيرة وللواقع الذي جفت ينابيعه، فأصبح الناس يجرون خلف ثقافة التيك أواي. أعتقد أن المثقف العربي عموماً والمصري خاصة، حالة خاصة مثيرة للجدول وكأنه متلازمة أعراض واتجاهات مرتبطة بالمعرفة، بالمعتقد، بالاكتئاب، الإبداع. وجدانه يتوق لأن يأخذ الكون في قلبه. المثقف ليس ذلك الحافظ صم، الببغاء غير المجتهد، الأسطوانة المشروخة، إنه التلقائي، المسئول، المحدد، الواضح، صاحب الرسالة، الدءوب والبسيط، المكوّن لثقافة مجتمعه والمعبّر عنها والمطّور لها. تتأثر نفسه سلباً وإيجاباً بالقيم والرموز والأخلاق والسجايا والمعتقدات والتقاليد والأعراف والعادات والوسائل والمهارات التي يستعملها الناس في تفاعلهم مع البيئة الاجتماعية المحيطة بهم، الثقافة بلغة ابن خلدون هي أحوالهم في المعاش ومعاملاتهم في الأمور الدنيا[1] . إذا كان المثقف حقيقياً، تفاعل مع الناس في الشارع وفي أحوالهم القاتمة، من الطبيعي أن يصاب بالاكتئاب لأنه حساس ومسئول كحالة وكضمير ووجود، ولأنه ـ على المستوى الشخصي والإنساني، أكثر تفاعلاً مع الواقع بكل تشوهاته، وهنا يجب أن نسأل السؤال بشكل أوضح هل المثقف أكثر عرضة للاكتئاب.؟! قد يقرأ السؤال على أن الاكتئاب هو للمثقف الموظف ، وقد يعني أن اكتئاب المثقف موظف للتحايل والتسامي والإبداع ، أو لاستخدام كافه الحيل الدفاعية من أجل التعايش مع الواقع. ومع أن الأمر ليس محض تلاعب باللغة ، لكنه ـ قدر الإمكان ـ تعامل معها من أجل محاولة الوصول إلى المعنى المختبئ . كتب البعــــض عن اكتئـاب المثقفيـــن وأشــار إلى أن أكثر من يصابون به هــم مـــن ( الموظفين المثقفين؟؟ ) ، لا المبدعين وأصحـاب المبادئ ، وهذا ما دعــا وجهة نظر أخرى إلى طرح تصور بأن المثقف المجتهد الحساس المبدع ،هو الأولى والأحق بالاكتئاب دون سواه من ذوي الجلود السميكة ، ولا تهتم إلا بنفاق أولى الأمر، ومجاراة الواقع بشتى صوره وبكافة الأساليب. غير أن الأمر يبدو لنا أكثر تعقيدا من هذا . وفي محاولة لسبر أغوار الاكتئاب ـ خاصة ـ لدى المثقف الموظف ، أو لدى المثقف الحساس الذي يتمكن من توظيف معاناته اكتئابا وكتابة وإبداعا ، تتشكل الرؤى ، أوتتضح وتتعقد . بداية لنا أن نفرق بين الاكتئاب العرضي المتمثل في حاله القرف ، السأم ،الإحباط ، اللامبالاة ، عدم الاهتمام ، ومن ثم الانعزال والانطواء. وبين الاكتئاب المرضي الذي يسكن الخلايا معكرا صفو الكيميائيات المستقبلة في الجهاز العصبي الذي على أرضه تتوتر العلاقة بين المخ كعضو حساس مهم يستقبل من خلال الحواس الخمس كل ما يمكن تلقيه من خلال العينين ، روعة وقبحا ، خضرة وعبثا ، أشكالا قميئة ولوحات رائعة. من خلال الاطلاع على صحف صفراء بحق، وعلى مقالات غثة بامتياز ، وكتب بلا قيمة ،على التراث الإنساني والإبداع الوجودي الرائع ، وهذا ينطبق ـ أيضا ـ على حاسة السمع وما قد يدهمها من فزع وما يسري إليها من نغمات ، وعلى التذوق واللمس ،الهابط والخشن ، الحنون والردئ . الاكتئاب كعرض قاس ، لواقع قاس، فعل إنساني راق يدل على حساسية صاحبه ورقته، ضيقه وانزعاجه بالتلوث النفسي الأخلاقي ،البيئي والحسي في المحيط الذي يحيط بصاحبه . وهو عرض إيجابي ، بمعنى ان من فوائده ان صاحبه حينما ينطوي وينعزل ويدخل إلى سجن نفسه ، محتضنا قيمه ورؤاه ، ضاما ساقيه إلى صدره ، كأنه يتفادى بشكل أو بآخر غول الواقع الدامي، ويحمي نفسه من غائلة الانهيار التام. ومن ثم فإن الاكتئاب ـ هنا ـ يكون بمثابة صمام أمان يحمي صاحبه، مثقفا كان أم فناناً، يحميه من الانحدار والتردي، ومن العقم وفقدان القدرة على الإبداع. يكون ذلك بتعطيله جزئيا عن الاستمتاع ، متيحا له الفرصة لترميم الأنا وتقويتها، من أجل مواجهة ذلك الواقع البشع. يبدو أن ذلك الواقع لا يتغير، وهنا قد يكون الخلل بالهروب من النفس إلى دنيا أخرى تتحالف فيها الحيل الدفاعية من أجل البقاء، ولكن تظل الهامة مرفوعة، والابتسامة شبه موجودة ، تتأجج القوى، وتستعر نيرانها ، تحتدم مشاعرها حينما تتوحد مع قوى المكتئبين الآخرين ، وحينما تلتقي القوى المحيطة لتناقش إحباطها، قد تخف حدة اكتئابها ويتوزع ذلك الحزن الخبيث على الناس، وربما بدا أكثر ضآلة ، لكنه حتما لا يزول. إن خطر ذلك " الصراع العُصابي " أنه يظل قائما ، بمعنى أن المكتئب الحساس المبدع في ممارساته للنشاطات الفكرية الإنسانية المختلفة، يسعى للبهجة والفرحة ، لكنه - في نفس الوقت ـ وعلى عكس ما يعتقده البعض ينخفض لديه الإحساس العام بالأمان. وهذا ـ تحديدا ـ ما يصرح به بعض مرضى الاكتئاب المزمن ، بعد أول إشارة للفرح ، يخشون ذلك الإحســاس " الغريب " بالبهجة ، كما عبر لي أحدهم أنه بعد 22 سنة من عذاب الكآبة يجد نفسه غير قادر على استيعاب تلك الفرحة أو السعادة، ومن ثم قد ينتابه عرض آخر ( وكأنها مسألة استبدال الاكتئاب بالفرح )، لكن على حساب الإحساس بالخوف ، فينتابه ما يمكن الاصطلاح عليه بـ الخوف من الفرحة ، أو Cheerophobia ) ، غير أن الذين يتمكنون من قدر أكبر من الحفاظ على كياناتهم ، وخفض درجه ذلك الخوف ، وذاك الإحساس بعدم الأمان ، يوظفون تلك القدرة على التكيف الكامنة في أعماقهم ، بشكل أو بآخر. والتكيف هنا غير التحايل . غير أن الأمر برمته ليس مطلقا ، لأن التكيف مع واقع فاسد عفن ليس صحيا ، وحينما تفوق الالتباسات التصورات المحددة سلفا ، تصبح تجربة العيش والتكيف والصراع ، تعني ، ربما ، العيش على حد السكين ، وتعني أيضا - الحفاظ - قدر الإمكان- على توازن وثبات الحالة الشعورية المركزية في نفس الإنسان . إن التكيف أو توظيف المشاعر السلبية لا يعني تكيفا مع العالم الخارجي فحسب ، ولا يعني التعامل معه - هكذا - كيفما اتفق لكنه يعني توطيد وتأكيد تلك العلاقة الجدلية بين القوى الكاملة والعميقة ، وبيع الدوافع السامية والأنا الأعلى بما يمثله من الضمير والأخلاق . إن الألم النفسي الذي يؤدي بدورة إلى " فعل اكتئابي " ، وليس مطابقا لـ " رد الفعل الاكتئابي " كحالة شعورية . أما المثقف الموظف ، المنافق ، الذي لا يهتم إلا بما يهم السادة أولي الأمر ، وهو إذا ما افترضنا أنه - مثقف - بالمعنى الحق للكلمة ، أي انه ليس مجرد كاتب شاحب الموهبة، أو مجرد شبه مثقف عديم الرؤية ، لا يتمكن من أن يكون موسوعي النظرة،. يدرك هو ذلك بطبعه وفطرته وثقافته المحدودة يدرك أنه يملك قلما رديئا، وأنه يستدعي ويستثمر نصف الحقيقة فتتشوه وتبدو كذبا، وهو ذلك المثقف الموظف لا يحدثنا أبدا عن النصف الغائب من تلك الحقيقة . إن هؤلاء الكتبة الموظفين يستمدون قيمتهم من محاولة وضع الإطار للصورة. صورة المهم الثري، السياسي، صاحب الجاه والسلطان من خلال تفخيمه وتتويجه، وهم يدركون خلال عمليه التأطير تلك أن هؤلاء الذين يدافعون عنهم ـ هم بلا قضية ـ ولهم وعيهم المحدود. وهنا يكمن كرههم للمثقف المبدع المرهف الحس، فينعتونه بأقذع الشتائم والصفات، بل ويسعون جاهدين للإيقاع به حتى يسجن أو ينفى، ويبتعد عن الحياة العامة فلا يؤثر فيها. قد لا يكفيهم سجنه معنويا وحسيا، بمعنى خنقه داخل كبسولة الاكتئاب ، وإبعاده قدر الإمكان عن الساحة ، بمعنى نفيه وخنق صوته ، غير أن هذا يجعل الساحة خالية ، مهجورة من الفرسان، جدباء ، يتهادى على صهوة حميرها رجال جوف ، بلا معنى يبارزون الهواء دون نبع ماء ولا واحة خضراء ولا حتى دابة تبدو في الأفق ، تهتم بهم وهنا يعتريهم ما يمكن أن نصطلح عليه بـ " اكتئاب الموظف الموظف ". أي اكتئاب الكذب والتحايل الأصم المجدب الفارغ المحتوى، والمثقف الموظف هنا في مأساة ، فهو يدرك بحسه الفقير أن ما حوله هو هيصة وسيرك. وأن قبضته لا تملك سوى الريح، وأنه في علاقته مع من يتملقهم ويوظفونه، هو بلا معنى ، خادم محترم ، أنه ليس عبدا مملوكا يمكن أن يثور ويتحرر ، لكنه خادم بمحض إرادته يهوى ويسكن بلاط السلطان . وهو من خضم هذا الإحساس القاسي يعاني وينظر بعين الحسد إلى المثقف المبدع في تطوره ومحاولاته للانسجام والفقر فوق الأسوار في ثباته ، واكتئابه الشريف الراقي والنظيف . من كل هذا تنبع المأساة ، وتتضخم وتتضمخ بعطر وسخ أحيانا ، وزفر أحيانا أخرى، فقطبي الصراع المكتئبين يصبون في حقل سياسي واحد ، غير قادر على التمييز وهم هؤلاء الموظفين الكتبة في اكتئابهم ذلك ، يفرزهم المجتمع دوما. يروجون لفكر لا يقل شراسة عن فعل وفكر العنف الدموي المدمر الموجه للأبرياء وقليلي الحيلة . والذين لا يحملون أي تصور أو منهج سياسي غير استعارة الدين والتراث وتحميلها بما يمكن به استمالة الجماهير والقفز على السلطة. إن تخلف المثقف الموظف واكتئابه يربى مع أجيال وأبناء ويبني من فتات نفسه المشتتة مؤسساته الكابية الكئيبة ، متكئا في صراعه مع المثقف المبدع على سياسة فقيرة لا تتمكن من الإبداع والتطور تفتقر إلى التفكير العلمي المنهجي الصحيح ، فتصبح الساحة الثقافية والفنية حلبة صراع غير شريف ، قد تنبت من شقوقه زنبقة أو أكثر ، لا غير. نفسية المثقف العربي في كثير من أحوالها تتأصل وتتعشق وترتكز على علاقته بالسلطة من ناحية، وبالبنى الاجتماعية من ناحية أخرى، فالسلطة في بلده أو خارجها تتحكم في أهوائه، و تخلق منه انتهازياً، أو تضطره لأن (يبيع) في أرذل العمر رخيصاً، مع أنه كان يتمكن من البيع غالياً وهو في عنفوانه وشبابه للسلطة فيكون لسانها وحصانها، وتستفيد هي منه بأن يكون بوقها وكتابها (حتى لو تم ذلك بشكل أنيق جداً مستتر ومزدان بالشعارات). أحياناً ما يكون فجاً قبيحاً مقززاً ومثيراً للقرف لأنه وظيفته واستدماجه للسلطة في ذهنه وسريانها في قلمه يجعله كالعبد أو الخادم أو المؤجر، وهنا تنشأ بين الطرفين علاقة شديدة الغرابة، شديدة التعقيد تسمى بـ (الاعتمادية المتواطئة CODEPENDENCY). بمعنى أن الطرفين: المثقف والسلطة يعتمد كل منهما على الآخر بشكل مرضي، وكأنه (الإدمان) ؛ فالسلطة تمارس شراءها للمثقفين سواء بشعاراتها أو بأموالها أو بمجرد أن يكون مرضياً، يتم ذلك عنه بدون سلامة نية، بخبث شديد، وفي تكرار يقترب من الوسواس. المثقف يسعى إلى ظهر السلطة وإلى حضنها ورضاها وذهبها، ولنا في هذه العلاقة أمثلة مؤكدة في حالة صدام حسين وفي الحالة السعودية بحقبتها الصحفية الثقافية. السلطة الضعيفة يحرجها النقد وتتعبها الكلمات ولا تتورع عن السجن والقتل، النفي والتعذيب والتشريد إذا أحست بخطر المثقف، وفي رمز بالغ الخطورة وصف أحد قادة الشيوعيين المصريين تجربته في معتقل الواحات في كتابه (الأقدام العارية)[2] بأن العسكر السجانين كانوا حساسين للمثقفين وكانت لديهم هواية ضربهم بالخرازانات على رؤوسهم (معقل الأفكار) ... ويأتي الضرب على الرأس هنا من إحساس العسكر السجانين بالدونية تجاه ذلك المثقف الذي نال شرف الاعتقال لا لجريمة ولكن لرأي، المثقف السياسي قد يقف رافعاً هامته في وجه السلطة وهو يراها ضعيفة أمام ما يدور في رأسه، هنا نعود إلى مفهوم الاعتمادية المتواطئة ففيه تكون سعادة كل طرف متوقفة على الطرف الآخر، وبالتالي يكون هناك رعب شديد من فكرة النبذ أو الهجر أو اللجوء إلى بديل! (رقبتي يا ريس). فنجد المثقف هنا تحديداً يفعل أي شيء لكي يبقى على علاقته بالسلطة مما يؤثر عليه بشدة! فيصيبه بالأرق والقلق والتعب، الكد والكمد والإحساس الفظيع بعدم الأمان، خاصة إذا كانت حياته الأولى قبل زواجه من السلطة خاوية تتسم بالحرمان المادي والعاطفي فيجد تعويضهما في الجاه والسلطان، المكتب الكبير، الأمر والنهي، السفر المتواصل، كيف يمكن أن يشي بغيره ويتحكم في أهواء الحاكم، كل هذا يؤكد لنا أن في الأحوال المرضية للمثقف، حين يكون نضجه الاجتماعي والسياسي ضعيف للغاية ولا يقترب أبداً من فكره وامتلاءه الثقافي. فنجده متطلعاً لإرضاء الملك والحاكم بشكل مرضي يزعجه أحياناً فتبدو الصورة منتفخة منبعجة كاريكاتورية مشوهة يسخر منها رجل الشارع والعالم وست البيت، وكما ذكرنا سابقاً من أن السلطة الضعيفة يحرجها النقد وتخشاه،. فإن المثقف المزيف يخاف خوفاً مرضياً يقترب من حد (الفوبيا ـ الرهاب) من نقد السلطة له أو توجيهها اللوم له لتقصيره أو عجزه عن الرد على مناوئيه، يؤدي هذا إما إلى التقوقع وتفادي كل ما يمكن أن يحدث وقد يلي ذلك إقصاؤه أو أن يخيب أو يهاجم، أو يدفن رأسه في الرمل، أو يملأ الدنيا صياحاً وضجيجاً عن خدماته الجليلة التي قدمها للدولة وأنه بعد كل ذلك قد أصبح ضحية لهاـ حتى لو كان إقصاؤه روتينياً (بمعنى أنه تعدى سن المعاش وأصبح من غير المقبول سياسياً واجتماعياً الإبقاء عليه)، لكنه تصور أنه خالد إلى الأبد أو أنه لن يذهب إلا بالموت، وعلى الرغم من أنه يصور ويتصور أنه الضحية إلا أنه يحس بالضعف و الذنب إذا ما انبرى للدفاع عن نفسه، لأنه من الداخل ضعيف ومجروح ومنكسر ومهزوم، فالدفاع لن يفيده على المستوى النفسي ولكن ما قد يفيده أن يندفع إلى من هم في موقفه، يتوحد معهم، يتمثل بهم، ومن ثم يتقوى – في موقفه الضعيف ذلك – بهم. في خضم كل ذلك يستخدم المثقف حيلاً نفسية (عصابية – مرضية، شتى أهمها، الإنكار ….Denial كما في العلوم النفسية والسياسية ، كما في أمور الدين والاقتصاد ، وكما في كل ما يخص الأمور الحياتية عامة ، تبقى حقيقة واحدة كبرى ، ناصعة ساطعة كالشمس ، إلا وهي اخطر الناس قاطبة ، هم اؤلئك الذين يعقدون انهم يعرفون الأفضل والأنسب والأصلح للآخرين (غالباً ما يكونون من المثقفين) . من يحاول فرض تعريفه للأشياء على الناس ، تعريفه هو، وفهمه هو للواقع ، بكل قتامته وعبثه ، وأحيانا بكل ميوعته وغرابته ، في كل هذا قد يشترك المتطرفون ، أصحاب القوة ، والسجانون ، الزوج ، الزوجة ، مدير الإدارة ،كبير القوم ، ناظر المدرسة ، وحتى الطبيب المعالج، وبالطبع المثقفون …معظم هؤلاء الذين يحاولون ، وينجحون أحيانا في فرض رؤاهم ، يرغبون في فرض تعريفهم للواقع والحقيقة أيا كانت مرة أو عارية ، على الدنيا كل هؤلاء ينكرون وبشدة أنهم على المستوى الواعي واللاواعي ـ حقيقة ـ لا يرغبون إلا في السيطرة على الآخرين ، إلى قضم كرسي السلطة قبل الجلوس عليه ، الإمساك بتلابيب القوة بأي شكل وبأي طريقة بمعنى أعمى وبقلب ميت وسلاح فتاك ، وهم في كل موقع وفي كل مناسبة يبررون ذلك بأنهم ـ وحدهم ـ الذين يملكون المعرفة الواسعة والعلم الغزير، الحكمة والخبرة التي تؤهلهم ـ ومن وجهة نظرهم ـ لمعرفة الحقيقة وفرضها فرضا قسريا خالصا على الآخرين ، حتى لو كانوا خارج حدود بلادهم، وأمام سطوة الكلمة ، وقعقعة السلاح ، أحيانا يجد المثقف نفسه في حالة من القهر خوفا من فناء الذات والجسد ، ويخاف ـ أيضا، ربما ـ خوفا مرضيا مرعبا رهيبا من عذاب القبر ـ وهو أيضا في خضم حياته اليومية العادية الروتينية المزدحمة المتأججة ، بحثا عن لقمة العيش المغموسة بالهم والدم والعرق والدموع ، في خضم كل هذا ، ينسى ذلك القلق المستمر العميق داخله ، وتظهر على قسمات وجهه علامات البلاهة والعقم والعجز وعدم القدرة على الفهم ، فهم الأولويات المتمحورة حول الصدق والحقيقة أيا كانت جارحة ومثيرة للتعب والاشمئزاز أحيانا . هذا العجز وتلك البلاهة هي التي تقود المثقفين إلى إحكام السيطرة وفرض تعريفهم الأشياء ، يغذيهم إحساس نرجسي قاس ، يؤججه حماس فردي يذوب فيه حب الذات في حب الجماعة ، فتختلط الأمور ما بين الصالح الخاص والعام ، وتختفي أو تتخفى المصلحة الحقيقية وراء دوافع فردية لأناس يعوزهم الإحساس بالأمن والأمان ، فيهاجمون الحابل بالنابل في حالة من الفوضى ظاهرها التنظيم ، تقترب إلى حد كبير من شفا الجنون ، حيث لا مجال للمناقشة أو الفهم لأن ثنائية التفكير الأحادي صماء : أبيض وأسود ، ليل وظلام ، كفر وأيمان ، هكذا دون مواربة ودون أدنى مساحة للتفكير ، وكأنه خط القطار لا يتعرج ولا يحيد ولا يتوسع إلا أفقيا ولا رأسيا ، بل ولا يتوقف عند محطة أو محطات ، كل همه أن يأخذ في طريقة البشر مستغلا أحزانهم وآلامهم مآسيهم وضعفهم يغذي كل ذلك فساد الآخرين الذين هم من ناحية أخرى يمهدون الطريق ويرصفونه للفكرة المتعنتة. يهمنا هنا أن نشير إلى الطرح المهم " إن البؤس لا يولد الاستياء بشكل آلي ، كما أن توتر الاستياء لا يكون متناسبا مباشرة مع حدة البؤس ". وكما في بعض حالات مرضى الإكتآب لا يتم إلا في بعد أن تتحسن حالتهم ، أي تتملكهم الجرأة ويقوون على تنفيذ القرار بعد أن تتملكهم الشجاعة ، وهكذا في الحياة ، ربما كلما حانت الفرصة لتحسن الأوضاع أو حينما تتمكن الناس من التأقلم مع الواقع الجديد رغم كل قسوته ، هنا قد ينفجر الاستياء ويظهر في صور شتى أهمها وأكثرها وضوحا تلك النزعة الباردة لفرض الرأي على الذي يعتقده صاحبة أنه الوحيد الصحيح والأصلح ، ليس فقط لأهله وعشيرته ، وإنما لكل الناس . وإذا وقع المثقف السياسي أي ذلك الذي يلعب دوراً ويقوم بمهمة ما في الفخ فإن جمع المثقفين تجاه مسألة اعتقاله أو الحكم عليه في قضية جنائية أو غيرها تكون ردود فعلهم متباينة .... من خلال كل ذلك نجد صوراً للمثقف يهمنا منها ذلك القادم من الريف أو الصعيد (فبهرته أضواء المدينة)، يطلع عليه النهار وتسطع عليه الأضواء، ويصبح بالفعل نجماً، فيبدأ في اقتناص كل الفرص من سلطة ومال ونساء، وتبدو انتهازيته في ذلك شديدة، شرسة ومحدودة، يكون مدركاً أهدافه ومحدداً إياها، في لحظة خاطفة كومض الجنون، يزهد في كل ذلك ويعود إلى قريته أو يحمل معه كل شيئ ويهرب وكأنه تلك الشخصية البينية التي تقف على الحدود بين العقل المتوتر والجنون السلوكي الإبداعي والمرضي وكأنه يملك تلك القدرة الجهنمية لكي يجعل كل من هم حوله يمشون على قشر بيض بدءاً من الوزير حتى الغفير. المثقف تدفعه الشريف النظيف الصادق معذب، تدفعه طاقته النفسية إلى محاربة كل شئ حتى طواحين الهواء وكأنه يكاد يقول كما قال المجنون لدون كيشوت "ليس لحقيقة مقاس حذاء" فأجابه دون كيشوت: "وقعت في طواحين الهواء على جبابرة بغير أحذية"[3]. وهكذا يكون وصف نفسية المثقف أو رصدها عملية شاقة جداً، كثيراً ما لا يمكن النفاذ إليها بدون الغوص عميقاً في كذبة، حمقه، إنكاره ورعونته.
[1] حليم بركات ـ الهوية ـ رياض الريس للنشر ـ أبريل 2004 [2] ـ طاهر عبد الحكيم، الأقدام العارية. [3] تداعيات أريكة وسرير ـ أمينة غصن ـ المدى ـ 2004 |
| < السابق |
|---|