ما رايك ؟

الاكتئاب ...
 
طباعة البريد الالكتروني


مجلة صباح الخير 1 يناير 2008
 
 

 
 

الخوف من الحميمية .......   لماذا؟!

بقلم الدكتورخليل فاضل  
 

      من أهم همومنا كمصريين (هنا والآن في مصر المحروسة في الألفية الثالثة .. في  ..  2008   خوفنا من الآخر، من الاقتراب منه، وتبادل أحلى وأصعب ما نمر به، معه ومن خلاله، لقد تطور الأمر وأصبح يهدد علاقات الناس ببعضهم البعض .. يهدد الشغل والبيت، النادي والشارع والحي...

      هل يمكن أن يكون رجل في حضن امرأته ويفتقد الحميمية معها، وهل يمكن لابن أن يأكل من نفس الطبق مع أبيه ويراه كل صباح وكل مساء يتسامران ويختلفان ولا يكون بينهما أي حميمية؟! هل يمكن لامرأة أن تعاشر زوجها وتستمتع باللقاء الحميم ولا يكون بينها وبينه أي تلاقي نفسي أو ذهني، هل يمكن لجار وجاره (رغم صباح الخير ومساء الفل) وتحيات المناسبات وواجبات العزاء ألاَ يكون بينهما أي علاقة حميمية؟! نعـــــــــم ..............

نعم فالاقتراب الجسدي والزماني والمكاني لا يعني ـ أبداً ـ الحميمية ـ إنها تعني ذلك التوحد النفسي والمشاركة الوجدانية العميقة التي لا تنفك أواصرها وتمثل نسيجاً صحيحاً معافى متيناً ثابتاً يشيع بالدفء وبالقوة.

الحميمية تعبير شاع استخدامه بين العامة وصار من مفردات الناس في حياتهم اليومية وأصبح يناقش في أجهزة الإعلام، ربما بشكل عفوي وأحياناً بصورة عميقة، لكن في كل الأحوال يكاد يدرك الناس مفهومه إن لم يوفقوا في تصويره أو تجسيده.

الحميمية، إنها تلك النوعية الخاصة من الاقتراب العاطفي الانفعالي بين اثنين من البشر، إنها رابطة وجدانية، وهي أيضاً تلك الأعمدة القوية لرعاية كل للآخر: المسئولية، الثقة، التواصل المفتوح والحر للمشاعر والأحاسيس، كما أنها ذلك التبادل غير المعرف وغير المحصن لتبادل المعلومات حول أهم الأحداث العاطفية المهمة لشخصين في دائرة معاً.

ومن أهم أنماط الحميمية المعروفة في العلاقات الإنسانية هي تلك الرابطة القوية التي تجمع بين الأم ورضيعها، حيث تكون الأم الراعية يقظة على الدوام ومستجيبة على الفور لأحاسيس رضيعها، لنبرة وجدانه ولتقلبات روحه ولانعكاسات نفسه على جسده ولكل التيارات العاطفية التي تبدأ وتنمو وتترعرع مع الأيام في قلب الوليد وفي قلب الأم.

والحميمية أيضاً هي المكون الأهم في نوعية العشق والحياة وفي صميم وبطن الحب الوله والغرام. إن الدرجة العليا من الحميمية بين حبيبين أو زوجين تغذي سعادتهما وتؤسس لثبات وانتظام العاطفة والوجدان لكل بينهما، وهنا تبدو كل النشاطات ممتعة أكثر كما تبدو الحياة أكثر سخاءاً وغنى. لها ألوان الطيف السبعة ورحيق كل الزهور، عبق الورود ونعومة طلّ الصباح ورقته. يحدث كل هذا وأكثر حينما يشارك كل عاشق حميمية الآخر، كما أن التجربة الحسية بكل أبعادها تكون أكثر متعة إذا ما ارتكزت على حميمية قوية بين الزوجين، وحينما يكون كل منهما متفتح، شفاف، أبوابه مشرعة على مصراعيها، ونوافذهما تستقبل الضوء وصوت البحر، حينما يحس كل منهما بدفء الثقة وعدم الخوف من الرفض أو الإزعاج، وأن كل منهما يراعي مشاعر الآخر، وأن كل طرف مسئول يدير دفة المتعة والسعادة ؛ فينتقلان سوياً من قارب متعة إلي قارب سعادة وكأنهما يتمايلان على غصن شجرة أو يهتزان على أرجوحة طفل ملئ بالحبور. وكأن متعة وسعادة طرف تزيد من متعة وسعادة الآخر، تصب فيه وفيها، تنهل منها ومنه، تتوجه وتتوجها بإكليل فواح. هنا يكون الجنس أقل خطورة في مفهومه وأدائه وكأن كل من الزوجين مسلحاً بحميميته يطرد الخوف ويكسر الدفاعات والحيل النفسية ويتركها خارج غرفة النوم.

إن العلاقة الحميمة تعمل كمنظم وكدرع واقٍ من ضغوط وتوترات الحياة اليومية وبدون العلاقات الحميمة سنجد أنفسنا في وحدة وغربة واكتئاب، إنها عامل مهم للغاية يؤهلنا اجتماعياً للتعامل مع مآزق ومشكلات بل ومصائب الحياة.

زاد الخوف من الحميمية في مجتمعاتنا العربية تحديداً منذ بداية الثمانينات تقريباً، صرنا أكثر غربة واغترباً مع أنفسنا ومع المحيطين بنا.

صارت مشكلات الحميمية أبعد من مجرد التواصل الجنسي، لقد أصبحنا مشاهدين بدلاً من أن نكون متفاعلين متشاركين في لعبة جماعية أو حوار يشمل أكبر عدد منا، صرنا انعزاليين نرتاح إلي الوحدة ونستأنس بها، نشاهد التليفزيون في صمت، نلعب ألعاب الفيديو والكومبيوتر، نقرأ الجريدة، نلعب الكوتشينة لكن نادراً إن لم يكن مستحيلاً أن نتحاور، نتناقش، نقترب من بعضنا البعض ككل في حميمية دافئة.

والغريب في الأمر أننا كمصريين كنا نتسم بالحميمية الزائدة ولكن منذ حوالي 25سنة بدأت الأمور تتغير، وانحني المنحنى بشكل غير طبيعي وصار الناس يخافون من الحميمية العامة أكثر من خوفهم من الجنس وممارسة الحب. ولنكن صرحاء لأقصي درجة ولنكن واقعيين لنعلم أن هناك من الرجال والنساء من صار بالفعل يفضل ممارسة (العادة السرية) عن (اللقاء السخي) وعن (المعاشرة الزوجية)، يفضل (المتعة الذاتية) عن (ممارسة الحب) ـ أو في أحيان أخري يبحث الرجل عن المتعة الحرام، (يشتريها) بدلاً عن عشق امرأته والنوم معها، أو أن يغرق حتى أذنيه في المخدرات، المهدئات، والمسكنات وما شابهها بدلاً عن الانغماس في تجربة المشاركة مع حبيبه. 

وقد ينشأ إحساس عظيم بالذنب لدي بعض الناس إذا ما رفضوا في إطار محاولاتهم الاقتراب من الآخر فيصير الفرد في حالة توتر مزعجة مما يؤدي به إلي التصرف كشخصية تتجنب النجاح، وكأنهم محكوم بـ" منطقة راحة" غير مرئية (راحة من التفاعل مع الآخر و تفادي حبه وهمّه؟!).

وإذا ما عانى شخص غير مرتبط من مشكلة تتعلق بالحميمية فإنه عندما يقترب من الآخر (الجديد) يجد نفسه فجأة ـ وبدون مقدمات ـ يبتعد عنه، وكأنه لا يريده، وكأنه يخافه وهو ـ في نفس الوقت ـ يتمناه وكأنه عاجز عن الحب ومعاق في حميميته، فإذا ما التقي شاب بفتاة رائعة الحسن والخلق، وتبدأ بينهما علاقة إنسانية عاطفية عادية، يجد نفسه فجأة يركز على عيوبها ونواقصها ـ دون أن يدري ـ فيبدأ نفوره واضحاً، ويبدأ في استفزازها لينهي العلاقة (دونما سبب واضح لها). مثل هذا الشخص ربما كان له تاريخ حافل من العلاقات المتعددة التي دائماً ما تنتهي عند نقطة محددة متشابهة عندما يقترب من الآخر.

وإذا لم يؤد الخوف من الحميمية إلي إنهاء العلاقة الإنسانية / العاطفية ؛ فإنه يعمل على تدميرها ومن ثًم تتكون علاقة مشوهة مزعجة مقلقة ومربكة على كافة الأصعدة. فنجد أن الطرف الذي يشتاق إلي الحميمية دائماً ما يسعى إلى الاقتراب من الآخر. ويحاول دوماً أن يستحضر الأمور العاطفية، أن يتشارك في المشاعر وأن يقضي وقتاً أطول مع رفيقه / حبيبه. أما الآخر الخائف من الحميمية دائماً ما (يغطس) ولا يعرف أحد له طريق، فهي إما على التليفون، أو أنها مشغولة (قوي) في شغل البيت، ومهمومة (خالص) بالأولاد، ودائماً ما يحدث هذا وهو (الزوج) في البيت، و عندما تتحدث لا تتناول إلا توافه الأمور، نعم، هي ست بيت هايلة تطبخ له ألذ الطعام لكنها لا تعبأ بمشاعره، وغالباً ما نجد أن طرفاً يسعى ويحاول وطرف آخر يقاوم وينتقد واحد يحس بالرفض والنبذ والحيرة والتشوش ـ ترى ما الذي فعلته خطأ؟ وتكون نهاية الأمر الاستسلام للأمر الواقع، ثم الغضب ثم الإكتئاب أو أن يهرب إلي علاقة خارج إطار الزواج؛ فنجد الزوج غلبان مسكين مقهور، ونجد الزوجة تنسحب من عالم الزوجية أكثر وأكثر، ونجدها غاضبة على كل شئ ومتوترة من كل شئ... أحياناً كثيرة ما نجد طرفا العلاقة، أو الزوجين اللذين يفتقدان الحميمية في حالة استنفار عام، وأن الإصابة الناجمة عن ما يمكن تسميته بـ" صراع الحميمية" تؤذي الطرفين.

الطرفان يشتاقان إلي دفء الاقتراب من الآخر.. ولكن عندما يقتربان من نقطة معينة يتوتران. فيسلك أيهما أو كلاهما ما يخلق مسافة بينه وبين الآخر. وعندما تزداد المسافة بينهما يزداد التوتر والقلق، ويزداد أيضاً الحنين إلي الاقتراب. هنا يكون من الطبيعي أن نجد الزوجين يفتقدان بعضهما ويسامحان بعضهما ويتحركان أكثر باتجاه الآخر، ولكن بحساب .... ثم تبدأ عملية الاقتراب والحذر وربما، ربما.... تتجه اتجاهاً عكسياً.

إن درجة الاقتراب ومدتها والتي يحملها كل طرف في قلبه وعلى كتفيه تحدد كثيراً من الأمور كما أن النمط لدي الزوجين أو الصديقين يختلف باختلاف الأشخاص والظروف لكنه غالباً ما يأخذ نفس المنوال وإنه من السهل التكهن بمستوي الحميمية بعد فترة من الاقتراب أو الدفء بين اثنين، لكن احتمالات الفراق وانحسار الحميمية تعود لتطل من جديد لتؤسس نمطاً آخر من التعامل.

إن آليات (ميكانزمات) السلوك الذي يبتعد به طرف عن آخر يكون في كل الأحوال فردياً، يعتمد في لحظته واستمراريته على شخصية الطرفين في العلاقة، على نوعيتها شكلها وخلفيتها الثقافية. لذلك فإن نمط أن يقترب أحدهما من الآخر جداً ، نجد أن أحد الطرفين في العلاقة ـ فجأة وبدون مقدمات ـ يبدأ حرباً شعواء؛ فينسحب الآخر وينغمس في هواياته، في أحلام يقظته، في مسلسل تليفزيوني، أو في الشئون السياسية. هنا يدرك الآخر مدي الهوة فيسقط مريضاً بألم مبهم واكتئاب عصبي أو يزيد وزنه بلا مبرر، وقد يلجأ الآخر إلي التبذير في الإنفاق العشوائي بشكل انتقامي جنوني، أو أن يركز على عمله ومشاكله فيه، أو ربما يهرب إلي علاقة خارج إطار الزواج. بالطبع لا يدرك أي من الطرفين ما خلف ذلك السلوك، ولا يدركان ماهيته ونوعيته وبذور تكوينه، لذلك تبدأ دورة اللوم والإيلام لما آل إليه حال علاقتهما التائهة.

أما بالنسبة لزوجين متآلفين افتقدا الحميمية لفترة نجدهما يستيقظان على فورة حب وعاصفة من المشاعر الحميمية القوية، هنا يمكن استثمار تلك الفورة (علاجياً) بواسطة معالج متمكن في الإرشاد الزوجي وتخليصهما من شوائب ومعوقات العلاقة وتدريبهما على الاستمتاع والمتعة والتعود عليهما والتركيز على ما هو مثير وجميل ورائع في العلاقة.

الحميمية كيف تكون؟.

الخوف من الحميمية مثل الخوف من النجاح في العلاقة الجنسية؟! يقع في منتصف الطريق بين القوة والحرارة والعمق وبين البرود والضعف والسطحية.

مخاوف الحميمية لا تظهر للعقل الواعي بشكلها الواضح ولكن بدلاً عنها تظهر في صورة توترات تتعلق بالأداء الجنسي. وعند المواجهة يعترض الأفراد المعنيين على التفسير القائل بأنهم يعانون من الوحدة وأنهم على مستوي الشعور يتوقون شوقا إلي الاقتراب من الآخر. تعود جذور الخوف من الحميمية إلي الطفولة وقبل الإدراك البالغ بالأمور الحسية. وإنطلاقاً من نظريات التحليل النفسي فإن الصراعات المتعلقة بالحميمية لها أصول في العلاقة مع الوالدين خاصة الأم، وقد يكون غريباً أن نعرف أن ثمة علاقة بين رومانسية مع شخص غريب يكون لها مدلول الخوف من الانفصال عن الأم. والحميمية عند البالغين يكون لها مدلول لا شعوري بالتوحد مع الأم والالتصاق بها في مرحلة الطفولة. كما أن هناك نظرية أخرى تؤكد أن مشاكل الحميمية ما هي إلا نتائج غريزية لتطور الإنسان النفسي البيولوجي والاجتماعي؛ فالذي يتولد لديه الخوف من الحميمية عند الكبر يكون قد عانى من تجارب مؤلمة وسلبية ومحبطة في الصغر، بمعني أن الفرصة لم تتح لهم لتكوين "الثقة الأساسية" Basic Trust التي تحدث عنها (إريكسون) تجاه والديهم تجاه الأشخاص الحميمين في حياتهم؛ ففي مرحلة طفولتهم الحساسة والحرجة تُفتقد مكونات الدفء العاطفي الذي يشكل الحميمية فيما بعد.

 
 
< السابق   التالى >