ما رايك ؟

الاكتئاب ...
 
هل الجنون راحة ومتعة طباعة البريد الالكتروني


مضت حوالي عشرين سنة منذ أن كتب الروائي "كيسي " روايته الشهيرة " وطار فوق عش الوقواق " و التي تحولت إلي فيلم يحمل نفس الاسم و يحكي عن رجل مضطرب الشخصية في مستشفي عقلي تتحكم فيه الإرادة لا البصيرة تسيطر عليه القوة لا الفهم وطرق الفيلم والقصة أمورا حساسة أهمها تعسف الممرضة النفسية و سيطرتها وانحيازها ضد المريض لدوافع شخصية وأيضا رغبة المرضي العقليين في الإقامة بمستشفياتهم فقط للإقامة دون رغبة في تناول العلاج أو الالتزام بقواعد المستشفي .

هل الجنون راحة ومتعة ........؟

بقلم الدكتور خليل فاضل

مضت حوالي عشرين سنة منذ أن كتب الروائي "كيسي " روايته الشهيرة " وطار فوق عش الوقواق " و التي تحولت إلي فيلم يحمل نفس الاسم و يحكي عن رجل مضطرب الشخصية في مستشفي عقلي تتحكم فيه الإرادة لا البصيرة تسيطر عليه القوة لا الفهم وطرق الفيلم والقصة أمورا حساسة أهمها تعسف الممرضة النفسية و سيطرتها وانحيازها ضد المريض لدوافع شخصية وأيضا رغبة المرضي العقليين في الإقامة بمستشفياتهم فقط للإقامة دون رغبة في تناول العلاج أو الالتزام بقواعد المستشفي .

وفي عام 1989 يطالعنا " بول ساير " وهو ممرض نفسي بريطاني برواية مؤثرة تحمل عنوان " راحة الجنون " تحكي عن مريض عقلي لا يتكلم و لا يتحرك، وفازت رواية "ساير " بأكبر جائزة أدبية في بريطانيا ( جائزة ويتبريد " و يتخذ المؤلف الممرض النفسي لروايته بطلا متميزا ( بيتر ) المريض " بالذهول " " Stupor  " و لأن المؤلف استطاع من خلال عمله كممرض في مستشفي للأمراض العقلية أن يتأمل  و يخزن في ذاكرته لحظات الصمت للمرضي العقليين فلقد كانت له فرصة فذة استغلتها عبقريته في الكتابة فكانت روايته هذه التي تدلف إلي عوالم رغم صعوبتها فهي زاخرة ورائعة ولأن القرار العلاجي ليس في يد الممرض بل في يد الطبيب النفسي فان " ساير " قد سمح لنفسه بان يري في ( الجنون راحة ) و بأن الأطباء لا يعالجون المريض وإنما يحرمونه من متعة الجنون ، متعة الصمت و الغياب في عالم خاص ، ويحرمونه من كل ذلك بمحاولات يصفها المؤلف بأنها "إذلال " علاجي للحصول علي استجابات بسيطة من الجسد لا من العقل و بالطبع تتولد داخل هذا الإنسان المتعب صراعات ما بين الغضب و الاستسلام ، وهنا يطرح سؤالا أخلاقيا هاما هل من حق الأطباء أن يعبثوا بعقلي و جسدي دون أن أشكو؟! ونصيغ نحن السؤال بطريقة أخري : هل من المفروض ومن الواجب علاج المريض العقلي حتى إذا لم يكن مؤذيا لنفسه أو للآخرين ؟! وهو سؤال صعب و مؤلم و يطرحه الكثيرون منذ زمان بعيد وليس غريبا أن نعرف أن العالم " فان بومن " وزملائه قد نشروا بحثا في مجلة ( أرشيف الطب النفسي العام ) ديسمبر سنة 76 بعنوان ( الرغبة في الجنون رفض الدواء و مرضي الفصام العقلي " الشيزوفرينا " ) . وفي هذا البحث استخلص العلماء أن مجموعة كبيرة من رافضي العلاج الطبي لأعراضهم المجنونة لم يكن سببه الإحساس بالخوف أو الاضطهاد أو العزلة الاجتماعية و إنما هو الاستمتاع بالأحاسيس الغريبة و المجنونة وتفضيلها علي حالة " الاستقرار" الظاهرية التي يحدثها العلاج بالعقاقير المختلفة و المعروفة باسم " المعقلات " ومن المعروف طبيا أن العلاجات المتاحة لا تشفي من " الجنون " و إنما تثبط أعراضه أو تخفيها لبعض الوقت أو تخففها .بالطبع فإن رواية " ساير " تكمن قيمتها في أنه استقاها من واقع عمله المليء بالأحداث البسيطة و التفاصيل الخاصة التي يزخر بها مثل هذا العالم الرحب و المثير للدهشة و لشهية المعرفة لدي الآخرين وأيضا لحساسيته و اقترابه من أغلي خصائص الإنسان " عقله " و " نفسه " .ويحكي المؤلف " ساير " عن فلسفته الخاصة و هي التي يؤمن بها كثيرون من العالمين في حقل الطب النفسي و لا يملك أكثرهم الشجاعة كي يعترف بها ألا وهي عدم الاقتناع ( بإعادة تشكيل الإنسان ) أي الاكتفاء بإعطائه ما يحميه من عدوانيته علي نفسه و علي الآخرين  ولكن مسألة شائكة ومن المعتقد أن أناسا كثيرين يتفقون مع " ساير " وهو هنا يلتقي مع تصوير " كيسي "في رائعته ( وطار فوق عش الوقواق ) حينما حاولت الإدارة الطبية أن تغير من شخصية البطل ( الدور الذي قام به ببراعة غير عادية الممثل جاك نيكلسون ) بإعطائه جلسات الصدمة الكهربية بعد العلاج الجمعي ففشلت ومن ثم لجأت في النهاية إلي ما يسمي ( بجراحة النفس ) بتقطيع بعض أوصال المخ فحولته إلي ( جثة حية ) لم يطق أن يراها صديقة الهندي الأحمر فقتله ليخلصه من عذاب العيش هادئا ( أو محروما من راحة الجنون ) ؟!!   ويبقي السؤال معلقا علي المدى الطويل هل من حق المجتمع و الإدارة الطبية و المؤسسات المختلفة رغم اختلاق الأعذار و اختلافها وتحت دعاوى شتي إجبار أي إنسان بمرض عقلي أو (مجنون ) علي العلاج حتى لو لم يؤذ نفسه أو يؤذي أحدا .. هناك محاذير بالطبع و هناك ضوابط لكن يقولون ( المجانين في نعيم ) وان نعمة العقل حينما تذهب تريح الإنسان من إرهاصات الواقع المرير لذلك يدخل العقلاء إلي دائرة الجنون حينما تنفك روابطهم مع مجتمعهم أو حينما يتعرضون إلي ضغط شديد أو حينما تنهار أمامهم المثل و القيم أو حينما لا يتحملون ما يرونه متناقضا جارحا فبدلا من مسايرته ينفضون إلي ( راحة الجنون ) ينزحون إليها أو ( يطيرون فوق عش الوقواق ) بالطبع يساعد علي هذا وجود عامل وراثي يهيئ للهروب و النزوح إلي نعيم الجنون ، ومن المعروف علميا أن الاكتئاب مثلا يحمي من غائله التصدع النفسي الشديد وان الجنون هو مفتاح الخروج من عالم صعب خشية الموت وان الانتحار هو وسيلة اللذين لا يملكون أية مفاتيح أو مواهب للتخلص من الأزمات ...بشكل عام يظل الإنسان معلقا في الهواء بين عقله و جنونه ، تغازله أحلام اليقظة ورؤى الليل و يري فيها ما لا يراه أي مجنون و يكتمه الواقع فيمل و يتأمل من كانوا في نعمة فقدان العقل يأتون بما يريدون دون حساب و قد تتملكه الحكمة و تتحكم فيه و توثقه برباط يجعله مزموما مبترما يتحين الفرصة كي يهرب علي جناح أول طائر إلي دنيا الوقواق أو إلي " راحة الجنون ".....