|
|
|
على هامش قضية النقاش قاتل أولاده الثلاثة بالسيف
الأب الحاضر الغائب المُغيَّب بقلم الدكتور خليل فاضل (نشرت بجريدة "البديل" المصرية ـ الخميس 3 يوليو 2008) بين الحين والحين تستيقظ مصر على جريمة مفزعة لم تتعود عليها فالوداعة التى اتسم بها المصريون، حلت محلها الفظاظة والفظاعة وبشاعة الجريمة، خاصة أن القاتل هو الأب والقتلى الضحايا هم الأبناء وأداة القتل هى السيف فى 2008، وأسماء الأولاد اسلام وعبدالرحمن (رمز للدين والرحمة) وياسمين (رمزاً للرومانسية والنعومة) والسيف سلاح أبيض ترعرع فى
ترى هل هو انبثاق جديد لحياة وموت جديدين على مصر 2008، أم أنه أمرُُ جلل يتعلق بالأسرة نواة هذا المجتمع المنخور المتهاوى.
أم أنها أسس التربية النفسية لبنة تكوين هذه الأمة، أم أنها السياسة والاقتصاد بكل ضراوتها وحساستها فى بلد صار فيه الغشاش هو النجم، والمحتكر هو البطل المهيمن أم أنه – بالفعل – أمر – يتعلق بالصحة النفسية وضرورتها للحياة، والجنون المختبئ فى خطورته عندما يخترق الوجود ويعلن عن نفسه فى جريمة تقشعر لها الأبدان. الجريمة لها مثيل فى مصر، وفى العالم، لكن ما الذى يجعلها مختلفة ولها رائحة مصر والمصريين، أنها وقعت فى العاصمة وأن أصحابها ناس عاديون، مصريون بسطاء ليسوا فقراء ولا أغنياء، (مستورين) فالقاتل يقول فى التحقيق (أحب أطفالى جداً)، وحالتنا المادية مقبولة، قررت التخلص من (القوة الخارقة) التى تسكن أجسادهم، لست مريضاً نفسياً، ولم أعالج لدى طبيب نفسى. يهمنا هنا فى تحليلنا هذا هو (الحالة المصرية)، تعاملت الصحافة مع الحدث بشكل الخبر ونفت أنه مريض نفسى (ليس معنى أنه لم يتلق علاج أنه ليس مريضاً) بدليل أن زوجته فى اعترافها وهو التاريخ المرضى الشخصى للقاتل: كان يعمل أسبوعاً ويتوقف شهراً عن العمل أو (حسب الظروف). عدم تحقيق الذات فى وظيفة أو عمل منتظم ينزع عنه الحساسية والالتزام ويجعله هشاً أحمد كانت أحواله متغيرة ، فترة يصلى بانتظام فى المسجد يؤذن ويؤم المصليين، منتهى العبادة ، منتهى الالتزام الدينى، منتهى التقوى، ولذلك ارتبط أيضاً باقتناء السيف رمز الجسارة والقوة والتراث، ثم فترة أخرى – والكلام لزوجته- يقف على ناصية الشارع يفرض إتاوة على السائقين، ويجلس على المقاهى حتى الساعات الأولى للصباح، هناك يلقنونه علقة ساخنة ثم يعود للمنزل (منتهى الصياعة والتشرد والظلم والاستهانة)، وتتسائل الزوجة لا أدرى سر هذا التقلب الذى يحدث كل صيف (إذن فهناك عامل كيمائى بخلايا المخ العصبية تضطرب فيها مواد معينة، وهى تعرف بحالة هوس الاكتئاب الدورى مع تحفظنا على التشخيص لأننا لم نفحص القاتل. التاريخ الاجتماعى للأسرة أن الزوجة تعمل موظفة فى المحكمة براتب 750 جنيه شهرياً وأنها انتقلت بحاتهم السكنبة من غرفة ضيق فوق السطوح إلى غرفة ....فى منزل أسرته ثم فى السنوات الخمس الأخيرة بنت الزوجة غرفتين على سطوح المنزل (وأصبح منزلاً جميلاً وجاء طفلى الثالث عبدالرحمن 10 أشهر). إذن هناك استقرار مادى اجتماعى لكن هناك ضغوط شديدة لايمكن انكارها فى الحالة المصرية فالمناطق الشعبية كالبراجيل وأوسيم تقع على نجوم القاهرة المتلألئة المتوهجة الغنية الفاجرة ممثلة فى المهندسين. لم ينتبه أحد أن كل صيف ربما بسبب حر القاهرة الشديد وازدحامها وضغوط الامتحانات وهوس الصحافة واحساس الناس بأنهم لا يدرون إلى أين هم متجهون يجعل (الحالة العقلية غير المشخصة قابلة للانفجار فى ومضة جنون يفيق منها القاتل، فيبكى وهو يعود إلى وعيه وهو يمثل الجريمة على مسرحها، من ناحية أخرى رأى الناس دموع رجال الشرطة المتهمين دائماً بفظاظة القلب واللسان وثقل اليد والحذاء رأوهم يبكون وهم يستمعون لرواية الأم، هذه هى الحالة المصرية العاطفية جداً، المتناقضة بين عشية وضحاه، البعيدة عن مانشيتات الصحف وعن التوك شو فى الفضائيات الصاخبة. نأتى إلى تلك الضلالة المميزة (الإعتقاد الخاطئ الذى لايقبل الشك) أن أولاده لديهم قوة خارقة (وهذا قد يفسر عدد الطعنات بـ 40 طعنة لكل ضحية) هذه القوة الخارقة لابد من التخلص منها، وهى فى مرة أخرى تمثل (غزواً) وهو ما يمثل إحساساً قاسياً بعدم الأمان وفقدان الثقة الأساسية والخوف من بكرة، موجود لدى معظم الناس، لكن عندما يترسخ لدى لدى شخص لديه موجات هياج موسمية وسلوكيات متناقضة يتحول إلى رعب وكابوس إلى قتل وأشلاء ودماء، استمر الطعن ساعة ونصف (اختصرت عذابات فكر مصرى مضطرب) وكانت طويلة جداً على أجساد أطفال. فى هذا الإطار لا يمكن أن ننسى ذلك الأب بمنطقة النزهة بمصر الجديدة الذى تناول السم مع بناته الثلاثة فماتوا جميعاً بعد وفاة (الابن الأخ)وفى حالة (عبدالناصر إبراهيم مؤذن ومقيم شعائر الدين دون روحانياته،، قتل 4 من بناته السبع تفاوتت أعمارهم من 3 إلى 15 سنة طعناً بالسكين تحت دعوى كراهيته للإناث، ومدرس المنيا الذي أنهى حياته وأولاده الأربعة وجلس إلى جوار جستهم يبكى فى هيستيرية. إذن فنحن أمام الأب المصرى الغائب المُغيّب (هذا إذا نحيّنا مسألة المرض العقلى جانباً) والقاتل له وهو يضع أولاده على حجره، صورة فى برواز توضع على الحائط، تحمل فى اليد، تحفظ فى المحفظة، صورة للجرائد والمجلات صورة من أجل الصورة. هنا من الممكن أن نفهم كيف لأم إسلام وياسمين وعبدالرحمن ( تلك التى كانت أماً وأباً)، تلك التى فقدت فجأة، فى طرفة عين الأب المفترض وفقدت كل الأبناء، فقدت الأسرة لبنة ونواة المجتمع المصرى الجديد فى عصر قانون المرور الجديد، والضرائب العقارية وقانون الاحتكار العجيب. مصر اكتئاب الوزير النزيه وتربع البلاى بوى على عرش القرارات التنفيذية على جثث أطفال البراجيل.
د.خليل فاضل
القاهرة 20/6/2008
اعرض جميع مقالات الكاتب |
| < السابق | التالى > |
|---|