ما رايك ؟

الاكتئاب ...
 
طباعة البريد الالكتروني


تشخيص المرض المصري
كتاب يجمع آلام رجل الشارع

نائل الطوخي
 
image001.jpg
 
لا يمكن لأي قارئ أن ينتهي من قراءة كتاب وجع المصريين لخليل فاضل بنفس النفسية الرائقة التي بدأ بها. الكتاب الصادر عن منشورات خليل فاضل، يتحدث، كما يبدو من عنوانه، عن الوجع، عن المناطق الحساسة في الجسد المصري الحديث الذي أصبح هشا للغاية، وأصبح مخترقا من جميع الأوبئة والأمراض الاجتماعية، مخترقا بالهواجس والمخاوف التي في أحيان كثيرة لا تجد ما يدعمها، مخترقا بالخوف من الاختراق بالتحديد، أي متقوقع حول ذاته لا يسعي نحو الآخر أو يحاول تفهمه، لأن هذا الآخر يتم تصوره علي أنه الشيطان، كل هذا يمكن أن يصيب أكثر القراء تفاؤلا بالإحباط الشديد.

من هذا التقوقع، الانغماس في الذات والخوف من الآخر يبدأ الكاتب كتابه، لينتقل علي الفور إلي قضية أطفال image004.jpgالشوارع، وكأن هذا الهم هو نفسه ذاك. يذكر جميعنا قضية أطفال الشوارع التي ثارت منذ عامين تقريبا. يفتتح فاضل الفصل المخصص لأطفال الشوارع بعنوان لافت، التوربيني وإخوانه.. أولادنا اللذين نسيناهم. يحكي عن النظريات التي لاحقت إثارة القضية: (فجأة خرجت كل النظريات من جراب الحاوي (التسرب من التعليم، الأمية، التفكك الأسري)، وفجأة أيضا جاء الحل (هانمسك العيال دول كلهم ونحطهم في البوكسات ونوديهم لأهاليهم _ أين هم الأهل وهل لديهم أي إمكانية، وبعد إيه؟ وليه؟ وبأمارة إيه؟) سعي الكاتب في عرض هذه القضية، هو الفهم: نريد أن نفهم، لا أن نصرخ أو نبكي أو نندب ونتحسر، نولول ونقطع هدومنا، أن نقرر ما الذي سيفيد من؟ وأين؟ وكيف؟
الحل موجود، ولكنه غير ظاهر من تحت طبقات الفساد المصري المقيم: أين هو كشف حساب المجلس الأعلي للأمومة والطفولة مفصلا. أين هي كل تلك الجمعيات الأهلية التي صارت عائلية في معظمها تتلقي المنح والمعونات من الاتحاد الأوروبي وغيره، أين هي وزارة الداخلية بكافة كوادرها، ولماذا يقتصر الربط الإلكتروني لقاعدة المعلومات علي رخص المرور وبطاقات الرقم القومي. نحتاج إلي قاعدة بيانات قوية ودقيقة تدرج فيها كل الأسماء للأطفال الغائبين وغيرهم مع كافة تفاصيلهم وأن تربط الشبكة بطول وعرض مصر.
الكاتب يقوم بتشخيص الأمراض المصرية، في أحيان كثيرة لا يقدم العلاج، وإنما يكتفي بالتحليل، التحليل الذي يستمد مصادره من أماكن كثيرة، من الصحف مرورا بالأفلام والأغاني وحتي إلي المدونات. وأحيانا ما يبالغ الكاتب في مخاوفه، من ذلك الخوف الذي ينتشر عبر صفحات الكتاب من قيم المجتمع الغربي و قيم الاستهلاك ، وأحيانا ما يستسلم لمعلومات تبدو غير أكيدة وغير قابلة للتيقن، من ذلك المعلومة التي تكررت بأن % 75 من استخدام المحمول في مصر الآن يتم بغرض الرغي !
هل أضحت الدعارة معلما من معالم الشارع المصري؟ يحكي لنا الكاتب عن بنت ( 16 سنة) فصلت من مدرستها بعدما عرفت المديرة بأنها كانت تدير شبكة دعارة للقاصرات العذراوات لحساب رجل أعمال انفتاحي، كما يقول، ولكنه لا يتوقف عند المدلول المباشر للخبر، وإنما يتجاوزه إلي ما هو أبعد، إلي الفصام الذي انتاب المصريين. المنطقة التي أتت منها الفتاة هي منطقة شعبية تسكنها الطبقة المتوسطة، المدرسة في قلب الحي المكتظ بمقاهي الإنترنت ومحلات الملابس والسوبر ماركت الذي يبيع شيكولاتة مستوردة غالية ، أما رجل الأعمال فهو سادي يتلذذ بفض بكارة القاصرات فض العذرية هنا يدل علي نرجسية مريضة يريد فيها إثبات الرجولة وكسر لحاجز السن . ويتسائل المؤلف : هل نحن من وجهة نظر الطب النفسي أمام حالة انشقاق للهوية؟.. يكمن الخلل في تصدع الشخصية وتفككها، تلك النماذج تتعامل مع واقعها بشكل عادي جدا لا يثير الشك إطلاقا... وهكذا تكون حبوب دافئة قادرة علي إقامة علاقات متعددة مع نماذج بشرية مختلفة دون خوف أو فزع.... وهذا يعني اغتيال البراءة عمدا، يبعني الفصل القاطع بين حياتين، فقدان الذاكرة التلقائي غير المعتمد لأحداث ووقائع مشينة مع الاستمررا في حياة عادية وكأن شيئا لم يكن .
كما شرح فاضل، فإن هذا يرتبط بالرغبة التي تنتاب المصريين في الهروب من هويتهم، يتضح هذا من مظاهر عدة، كما يعتقد الكاتب: صبغ الشعر بلون شاذ دون داع، أو اقتناء موبايل غريب الشكل دون الحاجة إليه حقا.. إجراء عملية تجميل للجسد وترك النفس مشوهة. والتشوه يصل إلي المثقف بطبيعة الحال، فمن أستاذ جامعي يكتب التقرير عن زملائه وطلبته، إلي كاتب لا يتورع أن يبلغ جهات الرقابة والأزهر عن كتابه التافه كي يحظي بالشهرة التي ينتظرها، والنتيجة هي وجود نخبة لم تجن مصر من نخبويتهم شيئا، ويتم توظيفها في سبيل الحصول علي المزيد من المال والمناصب والمجد. الأمل الوحيد المتبقي لحل تلك المشكلة العويصة من وجهة نظر فاضل لا يكمن في إجراء عاجل، وإنما تدريب نفسي طويل: نزع تلك الأقنعة التي نرتديها، ولو أدي ذلك إلي نزع الجلد والنزف من أجل إعادة بناء وترميم الأنا (النفس) المعذبة والمنخورة.
من حكمة بسيطة قلة ممارسة الحب.. وراء معظم الخلافات الزوجية يدخل الكاتب إلي عمق البيت المصري، وفي عمق خصوصيته. يبدأ فكرته بشكل ساخر: إذا سألنا الأزواج متي احتضن رجل زوجته وقبلها قبلة رائعة، ربما في المطبخ أو في الصالة لدي عودتهما من زيارة، متي أمسك بيدها.. لكانت الإجابة (هه!) . الجنس يتحول في حياتنا الزوجية، كما يقول الكاتب، إلي جنس عند الطلب ويتحول الزوجان إلي ممثلين يؤديان دوريهما، تزيف المرأة مشاعرها وتمثل الاستمتاع ويتألم الرجل من هذا الادعاء. في موضع آخر، يتصل بصحة المصريين، يشير الكاتب إلي التناقض الحاد في الادعاء المصري بخصوص الجنس، فبعد أن دأب الرجال المصريون علي التفاخر بفحولتهم وادعاء أنها خاصة ولها شهرة عالية، ولم تخل أحاديثهم من حوار حول الجنس والمرأة والقوة البالغة. انتقلت أحاديثهم للاسف عن (الضعف) (العطل)، (عدم القدرة)، (الفشل)، (القصور)، (الفتور)، (خفوت الرغبة) ، وعرفت مصر ظاهرة اللجوء إلي المقويات بل إلي المشايخ لفك الربط. ونصيحة الكاتب هنا هي بسيطة للغاية: يحتاج الأمر إلي جو من الجنس الخالي من الاحتياج والأمر والنهي والطلب، وخفض درجة التوتر، والاستمتاع بجسد الزوجة لا التركيز علي إثبات الرجولة.
تفكك الأسرة المصرية لم يعد له حدود، الطلاق ونشأة أطفال معقدين بسببه هو أبرز المظاهر، ولكن هناك ما هو أسوأ من الطلاق، محاولة خداع الذات بين الزوجين والإيهام بأن كل شيء علي ما يرام، بينما الشرخ يتفاقم، وبينما الغربة تنمو بين الزوجين إلي حد أن تسأل الزوجة نفسها من هذا الرجل الذي ينام بجوارها علي السرير. من هنا ينتقل المؤلف إلي مشكلة الطلاق بين الأقباط، وينقل شهادة عن مواطن قبطي اكتشف بعد الزواج إصابة زوجته ب اكتئاب ذهاني مزمن ومحاولتها الانتحار أكثر من مرة، ولم يستطع اللجوء إلي الطلاق بسبب تحريم الكنيسة، غير أنه يناشد الدولة ألا تترك المسيحيين للعقلية الرهبانية التي لا تحترم الحياة في القرن الواحد والعشرين وتتشدد في تفسير الآيات ، كما ينقل الكاتب عن كريمة كمال في كتابها طلاق الأقباط حالات مؤسفة، مثل سيدة مسيحية تتهم نفسها بالزنا كذبا لكي تتخلص من الزواج، وزوج اتهم زوجته بالزنا لنفس السبب. الدرس المستفاد بسيط جدا، ينبغي التخلص من كل الادعاءات التي تصاحبنا طول حياتنا الزوجية، وكشف الجرح للهواء أفضل كثيرا من تركه يتقيح.
الثانوية العامة من أبرز مشاكل البيت المصري حاليا. وفي كتاب يحمل عنوان وجع المصريين لم يكن ممكنا للكاتب ألا يتطرق إلي ذلك الرعب السنوي ، خاصة بعد صرعة التنافس من أجل تجاوز الأرقام القياسية في المجموع، وبعد أن أخذت كليات القمة بالتبعية تزيد في مجموع المتقدمين، وهو ما سبب مشاكل نفسية جملة للأبناء. ولكن الأكثر خطورة هو العنف المدرسي. دراسة أعدها أحمد زايد عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة تثبت أن 30 % من طلاب المدارس في مصر مارسوا أشد أنواع العنف، في صوره المختلفة، منها الضرب والركل والقذف بالطوب والشتائم والاستهزاء. ودائرة العنف لا تتوقف هنا كما يؤكد الكاتب: المدرس أيضا يتعرض للقهر ويمارسه علي الآخرين في ذلك الهرم الوظيفي مما يحدونا إلي العودة إلي مصطلح تدويرالقهر.. أي أن كل منا يقهر الآخر فيخرج غضبه وكبته وحنقه وغيظه، ويصب ما في جعبته علي الآخرين: فالمدرس مثلا مقهور من زوجته وأولاده، والكل يطالب بالمزيد، وهو بشكل أو بآخر يقهر تلاميذه ويغشهم داخلا في لعبة الدروس الخصوصية.
يتوقف الكاتب قليلا، وهو يتحدث عن مشاكل التعليم، عند المدارس الأمريكية المنتشرة في مصر الآن، والتي تمثل حصان طراودة داخل القيم والحضارة المصرية، كما يلمح المؤلف، ويضيف بلهجة حادة، وعاطفية قليلا ربما: إن الأمريكان العاملين في مصر ليسوا خالصين وليسوا الأفضل، لكنهم هجين مهاجر يقترب من المرتزقة اللذين بلا قيم، وبالتالي فإن شخصياتهم تنطبع علي أولادنا. يبدو الكاتب مؤمنا بالثقافة والقيم المصرية تماما، لذلك يري أن خطورة المناهج والنظم التعليمية الامريكية علي الطلاب المصريين تكمن في أنها تغزوهم في بيئتهم، في حين أنهم يأتون من بيئة وثقافة وحضارة وأسر مختلفة تماما عن البيئة الأمريكية.
يتذكر الجميع حالة الطالبة آلاء، التي كتبت في موضوع التعبير بالامتحان ضد الرئيس بوش، فما كان من المصححين إلا أن جعلوها ترسب في مادة اللغة العربية، وهو ما كان سببا في غضبة شعبية هائلة. يلجأ الكاتب هنا إلي التحليل النفسي ليحلل كلا من الغضبة الشعبية ومن محاولات امتصاصها: مع بروز حالة آلاء إعلاميا علي مستوي الوطن، بلغ التوتر الانفعالي للناس درجة عالية، لكن الاء فلتت من القمع تلقائيا، لأن لب الشعور الاضطهادي هنا البحث عن مخطئ أو ضحية، فلا المصحح ولا كل موظفي التربية والتعليم حتي الوزير يتمكنون من حمل وزر العدوانية المتراكمة داخل الناس.
وفي النهاية يتم حل الأزمة بشكل فج للغاية. يشير وزير التعليم علي والد آلاء التقدم للسماح لابنته بدخول الدور الثاني في امتحان اللغة العربية. يضيف فاضل محللا الموقف: والمغزي هنا واضح: إقرار أن آلاء مخطئة، وإقرار بأنها رسبت، وبأنها تتظلم، وبأن الدولة قوية ومهيمنة وستسمح لها بدخول الدور الثاني، أي هروب من مأزق وموقف متأزم، هروب سلبي جعل وجه وزارة التربية والتعليم أكثر انبعاجا.
يتطرق الكاتب إلي صحة المصريين وأمراضهم الشائعة، السكر وضغط الدم والتهاب الكبد الوبائي وغير ذلك، ثم يفرد فصلا للصحة النفسية، ونظرة المصريين للمجنون، رغم أن الجنون يسكنهم: ربما يفسر ذلك عدم اهتمام المصريين مؤخرا بهؤلاء الذين يهيمون علي وجوههم يحدثون أنفسهم، أو يصرخون في المارة، ربما لأن المجنون داخل كل منا يتعاطف مع ما يحدث، أو علها تلك الخشية المرعبة من الوصول إلي تلك الحالة التي تجعل الصمت مخرجا، وربما لأن غرابة المجنون المطلق في الطريق العام قد انحسرت وفقدت أهميتها. هكذا يكتب المؤلف تحت عنوان نفسيتنا.. قضية أمن قومي . ويشير إلي حالة جمال الدولي الذي كان مشجعا لنادي الاتحاد السكندري وملأ حوائط الإسكندرية بشعاراته وآراءه حتي انتهي به المآل إلي الجنون. وإلي حالة البنت التي تشكو من الموت قائلة: أنا باروح علشات انام، وبنام مش عشان هانام، بنام عشان هاموت، باحس ان بابا ماشي معايا، باخاف من الجنون، ساعات كتير باصرخ بيني وبين نفسي واقول (يا مثبت العقل والدين.. ارحمني).
ويؤدي هذا من أقصر الطرق إلي انتحار المصريين. الكاتب يعرض حالات من الانتحار بين المصريين في السنوات الأخيرة، منها حالة عبد الحميد شتا التي أشعلت الرأي العام وقتها، يسأل نفسه عن القواسم المشتركة بين انتحار المصريين، يصل إلي الألم النفسي واليأس والتناقض والازدواجية، يحكي الكاتب عن ثلاث شقيقات جميلات سكبن علي أنفسهن الكيروسين بعد أن اكتشفت صعوبة الحياة. هذا بالنسبة لمستوي اجتماعي متدن، ولكن أيضا بالنسبة للطبقات الميسورة، فالمستقبل لا يقل إحباطا: مصري مسلم تعدي العشرين عاما، أمه أمريكية مسيحية لم تسلم، أدمن المخدرات بكل أنواعها واستقرة علي البودرة، حدث ما حدث في 11 سبتمبر من تفجيرات وتدمير لبرجي مبني التجارة العالمي، قفز عاليا في الهواء إلي أن لامست يده سقف الغرفة وكأنه يود أن يطاول السماء، انتشي وصفق، طرب وفرح، لم يكن ذا انتماءات سياسية ولم يكن مقتنعا بفكرة الدين والتدين لكن الحدث الجلل كسر صمته... أمريكا التي لا تصاب بمكروه، العفية القوية التي لا يطولها أحد.. ضجربت.
النماذج التي يعرضها الكتاب أكبر من أن ترد في مساحة كتلك، يتبقي فقط الانطباع القاسي والمحبط بأن مصر الآن تسير في طريق مجهول، وأن لا شيئ ـ سوي معجزة ¬ يمكن له أن يوقفها عن المضي في هذا الطريق.



الكتاب: وجع المصريين
المؤلف: خليل فاضل
الناشر: منشورات خليل فاضل
 
< السابق   التالى >