ما رايك ؟

الصرع
 
طباعة البريد الالكتروني


الطبيب النفسي خليل فاضل يوقع كتابه "وجع المصريين"
 
bawaba.gif
        
إلي الغرقي في قاع البحر والنهر.. الأشلاء والعظام المعجونة بحديد وزيت المركبات ودم الأسفلت، المحترقين داخل القطارات والمسارح.. الموتي علي شواطىء الهجرة وفي عربات الترحيلات، إلي كل الموجوعين لفقدان هؤلاء.. وإلي كل الموتي علي قيد الحياة.. يهدي الدكتور خليل فاضل كتابه "وجع المصريين".
يقع الكتاب في 317 صفحة من القطع الصغير، متضمنا ستة فصول تتناول موضوعات مختلفة لكنها تشترك جميعها أنها تصب في "أوجاع المصريين" .


يأتي الفصل الأول بعنوان "الشارع لنا" يرصد فيها المؤلف مشاهدات مصرية عامة، متناولا صدأ الكلمات وقبح الألفاظ، تلوث الوجدان، وتأثير كل ذلك علينا، وفي الفساد القيمي ينقر علي صدر مسألة بالغة الحساسية من معني ومفهوم الذوق الفني، الأخلاق، المادة، الجنس..ويتوقف د. فاضل أمام انشقاق الهوية، ويغوص في "الخوف من الحميمية" متسائلا لماذا فقد المصريون أغلي ما امتلكوه وهو الاقتراب من الآخر وتبادل المشاعر معه، بل وتبادل كل الأشياء البسيطة؟.
يقول الكاتب "لقد أصبحنا مشاهدين بدلا من أن نكون متفاعلين متشاركين في لعبة جماعية أو حوار يشمل أكبر عدد منا، صرنا انعزاليين نرتاح إلي الوحدة ونستأنس بها، نشاهد التليفزيون في صمت، نلعب ألعاب الفيديو والكمبيوتر، في عزلة نقرأ الجريدة، نلعب الكوتشينة، لكن نادرا إن لم يكن مستحيلا، ما نتحاور، نتناقش، نقترب من بعضنا البعض ككل في حميمية زائدة".
يتناول الكتاب كذلك "أولادنا الذين نسيناهم" أطفال الشوارع، الفساد الأخلاقي، التربص الاجتماعي بالآخر.
ويتحدث د. فاضل عن المثقف "الإليت elite " ذلك المصطلح الذي تحول عبر سخرية المصريين إلي "الأليط" أي المثقف المتعالي، قائلا "أن البأس كل البأس في ألا يطابق المثقف بين ما يضمر وما يعلن. ألا يسمي الأشياء والمواقف بأسمائها، فلا يزايد أحد علي أحد. ولا أظن المصريين إلا من الذكاء بحيث يمكنهم من التعرف علي المثقف الأليط من المثقف العضوي الذي تعنيه بلاده وطموحاتها وهزائمها، بقدر ما تعنيه طموحاته وهزائمه من زاوية أنهما شىء واحد. وكما نري جميعا فإن نموذج الأليط يسود الحياة السياسية والثقافية حولنا، إذ يمكن فرز نخبة لم تجن مصر ولا المصريين من نخبويتهم شيئا".
 عواصف الأسرة المصرية ـ  مشكلات أسرية لها حلول 
 
العواصف التي تعترض البيت المصري يتصدي لها المؤلف في "الأسرة وأحوالها"، ويغوص في مشاكلها فيناقش ظاهرة الأب الحاضر الغائب، متحدثا عن الأب "حبة اللقاح" الذي ليس له وظيفة أسرية سوي بذر بذرة الحمل من أجل ذرية صالحة أو طالحة، يبدأ أبوته قبل ولادة أطفاله وبعدئذ ينهيها، ويؤكد المؤلف أننا أصبحنا مجتمعا يفتقد إلي الأب بمعناه الأرحب والأشمل، مجتمع يفتقد إلي وجوده النفسي، المعنوي والمادي، بل والنوعي المتميز مقارنة بأجيال مضت.
خلافات السنة الأولي للزواج وما يليها من سنوات يتمركز حول ذلك الاختلاف بين التوقع وبين ما هو متاح، بين المتوقع وبين أداء كل من الزوجين قدر طاقاته، هذا الفارق يؤدي إلي انزعاج، احباط، ضيق، وعندما لا تتحقق توقعات الزوجين قد يصابا بالتعاسة والاكتئاب، من ناحية أخري فقد يهمل أحدهما أو كل منهما الطرف الآخر.
وعن سنوات المراهقة الشاقة يؤكد المؤلف أن المراهقون في مصر قنابل موقوتة، فما هو متاح في عصر العولمة والانترنت يجعل هناك صراع بين ما هو ديني، أخلاقي، نموذجي، أسري، صراع بين البحث عن الفضيلة وبين التفوق والاستمتاع بالحياة.
ويتناول مشاكل الزواج في مصر، والعنوسة، وطلاق الأقباط، ويعرج المؤلف علي الأسباب التي تدفع بالمرأة المصرية لطلب الطلاق أو الخلع معلنة أن "ضل حيطة.. ولا ضل رجل".
"يا ما أبواب مقفلة، علي بلاوي متلتلة"، يعلن المؤلف أن الشجار المزمن بين شركاء العمر مجرد واجهة لأمور أخري، بمعني أن يكون هناك سبب آخر غير الأمور المادية، تدخلات الأهل، ضغط العمل، مذاكرة الولاد .والدروس الخصوصية، نجد هنا أن السبب الأهم بل ربما يكون السبب الوحيد هو الادعاء بأن العمل والبيت والأولاد لا يتركون أي وقت لممارسة الحب والافتقاد إلي دفء عش الزوجية.
 يتناول د. فاضل الزواج العرفي وانتشاره بمصر، عارضا لإحدي الدراسات التي تؤكد عدم قصور الزواج العرفي علي الطلاب كما يحاول البعض الترويج لذلك، لكن الكثيرون الآن يتزوجون عرفيا بسبب فشل الزواج الأول وعدم القدرة علي تحمل تبعات زواج ثان.
وعن أطفال الطلاق يوضح المؤلف أن الطريقة الحادة التي تناولها المصريون واعتمدوها في صراعاتهم الزوجية من منع رؤية الأطفال أو تشويه الطرف الغائب، أدت إلي ظهور جيل من الشباب مأكولة الحواف، فاقد الثقة بنفسه، مشوش وغير واضح المعالم.

محنة التعليم والتربية
 "التعليم والتربية" عنوان الفصل الثالث وفيه يقول المؤلف أن ما بين سنة سادسة ابتدائي وعودتها واختلاف المناهج وتعديلها، إلي الجامعات الخاصة، المعاهد الجديدة، التعليم عن بعد، إلي كل تلك الكثافة اللامعقولة من دكاكين الشهادات الخاصةالتي تعلن عن نفسها، أصبح التعليم في مصر في محنة، أزمة متفاقمة تكاد تصيب مثلثا متساو الأضلاع: المدرس، الطالب، والأهل.
ويتحدث عن العنف المدرسي موضحا أن المدرس يتعرض للقهر ويمارسه علي الآخرين في ذلك الهرم الوظيفي مما يحدونا إلي العودة لمصطلح "تدوير القهر" أي أن كل منا يقهر الآخر فيخرج غضبه وكبته حنقه وغيظه ويصب ما في جعبته علي الآخرين.
ويتناول بعبع الثانوية العامة ووسواس الامتحانات، موضحا أن القصور في عموم مصر يأتي في أن الامتحان صار الهدف والأمل والمفصل وعنق الزجاجة، ولا شىء قبله أو بعده!
ويفتح د. فاضل ملف المدارس الأمريكية في مصر، وخطورة تواجد مؤسسات ثقافية أمريكية وغيرها علي أرض الوطن، حيث تغزو المناهج الأمريكية الطلاب المصريين في بيئتهم في حين أنهم يأتون من بيئة وثقافة وحضارة مختلفة.
أجساد المصريين وأوجاعهم ـ   كتاب يروي هموم كل هؤلاء  
"يمشي المصريون منهكون، يتساندون علي بعضهم البعض، يتكئون علي أكوام من الروشتات وأوراق التحاليل، الأشعات، يمضي المصريون يسعون في الأرض متعبون يحملون كدهم وهمومهم فوق رؤوسهم وعلي جباهم، يتكدسون علي عتبات المستشفيات وخارجها ينتظرون الفرج والشفاء أو ينتظرون موتاهم".
يتناول د. فاضل في الفصل الرابع "أوجاع أجساد المصريين" العديد من الموضوعات عارضا بعض من أمراضنا، أزمة الجهاز المناعي، التلوث، مرض السكر، وانتشار أمراض القلب.
ويوضح أن الصحة ليست الخلو من الأمراض، بل هي كلمة محيرة ومعظم من يعتبرون أنفسهم أصحاء ليسوا بذلك وبعض من يعانون من أمراض معروفة يعدون أصحاء نسبيا، إذن فالصحة ليست تلك الأعضاء السليمة أو الأفكار المعقولة لكنها مصطلح شامل يتعلق بالانسان ككل، فالصحة تعني صحة النفس والجسد والوجدان، مؤكدا احتياجنا إلي معلمين لفن الحياة أكثر منا إلي أطباء.
ويصرح المؤلف أن الحكومة لم تتخذ إجراء واحدا يشير إلي أنها استجابت لنداء الاستثمار في الصحة من أجل مستقبل آمن لملايين المرضي، ولكنها في كل صغيرة وكبيرة قد استجابت لخصخصة المرض والعلاج بل والمرضي أنفسهم..ويتناول الكتاب كذلك أزمة التأمين الصحي، بارونات الدواء، وأخيرا الجنس ومشكلاته.
 ما بين الجنون والانتحار
 "الصحة النفسية" عنوان الفصل الخامس الذي يؤكد فيه المؤلف أنه لا أحد محصن ضد الجنون، ولا مناعة لأحد ضد انهيار أو انكسار نفسي، بمعني أن في أعماق كل منا بذرة الجنون أو نواة الاضطراب النفسي التي إذا توافرت لها الظروف نبتت وتفجرت، وإذا كمنت ظهرت في صور وأشكال مختلفة ومتباينة.
يرى د. فاضل أن "نفسية المصريين" قضية أمن قومي توجب الاهتمام بها جيدا دون هوادة أو استخفاف، خاصة في ضوء ارتفاع نسبة الاصابة بالاكتئاب لدي المصريين، والذي يؤكد المتخصصون صعوبة الشفاء منه، بل إنه مرض نفسي قد يتطور للجنون! ، ويعلق أن الأمر يحتاج إلي علاج نفسي حقيقي للوطن حتي يصح المواطنين.
 

ويفرد الطبيب النفسي عدة صفحات للبحث في أسباب انتحار المصريون، متسائلا ما الذي يدفع بالمصري إلي حافة اليأس؟ ويوضح أن هناك فلسفة تكاد تكون مشتركة بين كثير من المنتحرين (إذا ما كنتش نافع لنفسي هابقي نافع لمين، أحسن أستريح واريح..) هٌب تنطلق الرصاصة، يتم القفز من البكونة، السقوط إلي قاع النيل، الموت علنا.
 إدمان الخنافس والباذنجان
 لعل أكبر وجع للمصريين هو تفاقم مشكلة إدمان المخدرات، كما يقول المؤلف في الفصل السادس والأخير "إدمان المخدرات" حيث يصل حجم الإنفاق السنوي علي المخدرات بمصر إلي 25.6 مليار جنيه.
ويوضح الكتاب أن هناك سبع مواد إدمانية ظهرت في سوق إدمان الفقراء، أحدثها وأغربها إدمان شم قشر الباذنجان، إدمان الخنافس التي تضاف إلي قائمة إدمان النمل والصراصير، أما ثالث المواد الإدمانية فهي عظام الحيوانات الأكثر تعفنا بعد طحنها وسفها، والمادة الرابعة هي قشرة السيراميك الناعمة بعد طحنها وإضافة مواد مخدرة عليها. هناك أيضا مرهم "الهيموكلار" حيث يتناوله المدمن في ساندوتشات، وإدمان الرائحة الكريهة للجوارب المتعفنة، بالإضافة لإدمان البنزين عن طريق الحق وإدمان الجاز.يناقش الفصل كذلك العلاقة بين الخلل الأسري والسلوك الإدماني، ولماذا ينتكس المدمنون.. وبسرعة؟.

أخيرا نقرأ من خاتمة الكتاب:
"فاكر مشهد الجزار في فيلم "مافيا" لما قال لأحمد السقا وهما في المكان الغريب ده زي الجراج أو المخزن (غريب أمركم أيها المصريون، تؤمنون بأشياء لا وجود لها مثل الحظ والحسد) فاكر المشهد ده، فاكر نبرة صوت الجزار في المشهد ده، بنفس النبرة دي بالظبط، واحد كويتي كلمني وكنا بنحكي عن مصر وقد إيه بنحبها، بنفس النبرة دي بالظبط قالي "مصر قاسية عليكم وانتم اللي بتحبوها، هي ليست لكم وليست لأحد غيركم يا مصريين".

 
< السابق   التالى >