ما رايك ؟

الصرع
 
طباعة البريد الالكتروني


كارتيلات المعمار بين جسدي المقطم وسوزان تميم
المصري اليوم ـ 9 سبتمبر 2008
 بقلم  عزت القمحاوي   

هناك العديد من الاختلافات بين سوزان تميم (المطربة تحت الإنشاء) التي لقيت مصرعها في دبي، وضحايا صخرة الدويقة المجهولين، الذين لم يتحدد عددهم حتي كتابة هذه السطور، وربما لن يتحدد أبداً؟
التباين رهيب في مستوي حياة الذبيحة التي جابت العالم، وبين حيوات المدفونين أحياء لم يروا يوماً يحلفون به. لكن ما يهمنا اختلافات الموت.

لسوزان أرباب وعشاق وهيبة إمارة هشة، أمنها مثل عود الكبريت، لايحتمل تمرير جريمة واحدة، لأن ذلك يعني تدميرها، بخلاف بلد مثل مصر، كان قوياً بما يكفي لتلقي كل طعنات عشاقه المزيفينsozan.jpg.
عشاق سوزان ومن استجارت بهم، وكرامة إمارة دبي كلها، عوامل ستحمي دمها من الهدر، وقد يتم تحديد الجناة، لكن جريمة الدويقة، ستمر وكأنها ليست جريمة علي الإطلاق؛ فالمهدرة حياتهم لن يضاروا أكثر إذا أهدر موتهم، وسيكتب البعض بتواطؤ مقرف ضد غفلة موظفي المحليات، ثم ينتهي الأمر.
لكن هذا التدليس يجب ألا يصرف انتباهنا عن حقيقة اشتراك ضحايا انهيار الجبل مع سوزان تميم في كونهم جميعاً ضحايا توحش النهب العمراني، الموصوف خطأ بـ«الاستثمار العقاري»..
هذا النهب راكم ثروات سريعة نتنة كالروث تغري بالانحراف، بينما المال المتبل بالعرق لايصنع هذه الجرائم، فلم نسمع بمثل هذه الفضائح في عائلة عثمان أحمد عثمان أو مختار إبراهيم. لكن المليارات السهلة المحصودة من أرض توزع بالمجان مثل غنائم الحرب هي التي تغري بالتوحش في الاستمتاع والتوحش في الإيذاء بلا ضرورة.
ليست سوزان تميم الأولي، ولن تكون الأخيرة، في طابور فنانات يقعن في حبال الاسترقاق الذي ينتهي بالاغتيال المادي أو المعنوي، طالما استمرت فراشات الفن في الانجذاب نحو أصحاب الثروات الفجة التي لم ينضجها الكفاح.
ربما كان بوسع سوزان أن تختار مصيراً آخر، لو لم تحلق بإرادتها حول لهيب الاقتصاد المافياوي، بينما يتم إلقاء القتلي المجهولين مقيدين في أتونه، فلا خيار لديهم إلا أن يركبوا قوارب الموت إن قرصهم الجوع وتطلعوا إلي فرصة عمل في أوروبا،
أو عبّارات الموت إن هم شبعوا قليلاً وأرادوا أن يعتمروا، وليس أمامهم إلا أن يسكنوا هذا الجرف الخطر في منشية ناصر، أو تحت أسلاك الضغط العالي في شبرا الخيمة،
بينما الصحراء الآمنة والأصلح للبناء موقوفة لصالح منتجعات الجولف والمنتجعات المائية التي تتخير سكانها من اللصوص والعائدين بشقاء العمر من الخليج، وتفتح أفق التطلع، وشراهة المنافسة علي سكني الفيلات المسورة.
في السبعينيات أدين الشعار الإعلاني «انسف حمامك القديم» باعتباره دعوة إلي السفه، وإثارة التطلعات الطبقية، وأدينت الإجراءات الاقتصادية التي قلبت أوضاع المجتمع وجعلت من البيه البواب وحضرة المحترم الزبال عنوانين للمرحلة. والآن ننتبه إلي أن البواب والزبال قوي عمل شريفة، وصل التحامل عليها في الأفلام حد المبالغات الكاريكاتيرية قبل أن نبتلي بمن لا يلوثون أيديهم بأي عمل سوي جمع الغنائم والقتل.Dweiqa.jpg
ومع ذلك فعلينا ـ نحن الممرورين ـ أن نشابك أيدينا علي صدورنا في أدب، وألا نشوه هذه الكارتيلات التي توصف بـ «الصروح الاقتصادية»!
أي صروح وأي اقتصاد يدور كله حول المضاربة علي الأراضي وحديد التسليح لقصور لن نسكنها، وسيراميك مخصص لحمامات سباحة تخطف كوب الماء من فوق شفاهنا، بينما يدعونا المستحمون ـ في الإعلان الوقح لتنظيم الأسرة ـ إلي تحكيم عقلنا لنشرب كلنا!
أي قهر هذا الذي يتعرض له أصحاب الضمائر في دولة مخطوفة لصالح حفنة تعد علي أصابع يد واحدة؟!
سبق أن طرحت وطرح غيري مأساة تحكم الدولة المخطوفة في الظهير الصحراوي للعاصمة في مشرقها (التجمع الخامس والشروق) وفي مغربها (٦ أكتوبر) وخطورة تحريم هذه الصحاري علي الفقراء، حيث لا يستطيع شراء قطعة أرض فيها إلا مليونير.
وهذا هو السبب الرئيسي في تبوير الأرض الزراعية التي توالد فوقها عشوائيات يلعنها النظام وخاطفو الدولة في كل صلاة، ويتأففون منها، ويهدرون الملايين مرة بعد مرة في بناء المساكن البديلة، ثم يبشروننا بإزالة المنازل العشوائية بعد أن تكون قد أكلت الأرض والأسمنت والحديد «المحتكر».
ولايمكن لمن يراقب هذا السلوك إلا أن يفكر في ساقية تعيد إلقاء مياهها في النهر.
هذا خراب شرحه يطول، لكننا الآن بصدد دم طازج جديد في كارثة الدويقة، وهي البداية فحسب، بسبب استقرار الدولة المخطوفة في غيبوبتها، وتوحش الخاطفين الذين تنافسوا علي جسد المقطم قبل أن يتنافسوا علي جسد سوزان تميم.
تطاحن الكارتيلات الخليجية والمصرية علي الجبل الجيري الهش، وحركة البناء الهستيرية فوقه تهدد بانهياره الكامل، وقد جفت حلوقنا من المطالبة باحترام تقارير اليونسكو التي أكدت أن الأبراج التي تبني في مواجهة القلعة سيتسبب وزنها في رفع مستوي المياه الجوفية مما سيؤدي إلي انهيار أكبر أثر إسلامي بمصر. وها هي النذر، صخرة الدويقة هي بداية الكارثة التي يقودها رأسمال لا يرعي حرمة لبشر أو أثر.
وقد أصبحنا كلنا عالقين تحت الأنقاض، ولن تنفعنا الموبايلات في الاستغاثة لأن الهاتف الذي نطلبه قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة.

 
< السابق   التالى >