ما رايك ؟

الصرع
 
طباعة البريد الالكتروني


akhbar_elyoum.jpg
 
تبدد الحميمية
 
يرصد الدكتور خليل فاضل،‮ ‬وهو طبيب نفسي،‮ ‬عالم في مجاله،‮ ‬ومثقف بارز،‮ ‬عدة ظواهر في المجتمع المصري ضمنها كتابه المهم الاخير‮ (‬وجع المصريين‮) ‬كل ظاهرة تحتاج إلي توقف طويل،‮ ‬غير انني اتأمل رصده لفقدان الحميمية بين الناس والذي يصاحب فقدان الرغبة في الاقتراب من الاخر،‮ ‬بل الخوف منه ايضا،‮ ‬من الممكن ان يكون الصديق بصحبة صديقه‮ ‬غير ان ما ينقصهما الحميمية،‮ ‬كذلك الرجل وامرأته في اشد لحظاتهما خصوصية،‮ ‬الابن يأكل من نفس الطبق مع ابيه،‮ ‬غير انهما يفتقدان الحميمية،‮ ‬يتساءل خليل فاضل‮: ‬هل يمكن ان يحدث هذا؟ وسرعان ما يجيب،‮ ‬نعم هذا ما يحدث في مصر الان‮. ‬لا يعني الاقتراب الجسدي والمكاني الحميمية،‮ ‬الحميمية شيء اخر تعني التوحد النفسي والمشاركة الوجدانية العميقة،‮ ‬وهذا ما يفتقده الناس في مصر الان،‮ ‬كانت الحميمية تقرب المصريين من بعضهم البعض،‮ ‬وتأكيدا لرؤية الدكتور خليل فاضل اذكر طرق المصريين في التقرب من بعضهم البعض والتعرف،‮ ‬خاصة عندما يسأل احدهم الاخر الذي لا يعرفه‮: ‬انت من اي بلد؟ وعند ذكر‮ ‬البلد،‮ ‬يسأله علي الفور عن شخص ما،‮ "‬تعرف فلان ؟" ‬ويجتهدان في استحضار الغائب،‮ ‬لا حظت هذا في القطارات،‮ ‬في اماكن الانتظار،‮ ‬عيادات الاطباء،‮ ‬الحدائق العامة،‮ ‬الارصفة المحيطة بالأضرحة،‮ ‬الان يبدو الناس فرادي بل ان كثيرين يتحدثون إلي انفسهم في الشارع بدلا من ان يتحدثوا إلي الاخرين،‮ ‬يحدد المؤلف بداية هذه الظاهرة في الثمانينات من القرن الماضي،‮ ‬تحول الجميع إلي مشاهدين بدلا من ان يكونوا متفاعلين،‮ ‬متشاركين في لعبة جماعية،‮ ‬صار الجميع انعزاليين يميلون إلي الوحدة يشاهدون التليفزيون في صمت،‮ ‬يقرأ كل منهم الجريدة في عزلة،‮ ‬بل ان بعض الازواج اصبح يتجنب العلاقة الطبيعية،‮ ‬اصبح كثيرون يكتفون بذواتهم،‮ ‬رجالا أو نساء،‮ ‬احيانا يقترب طرفان من درجة الحميمية لكنهما يخافان الاقتراب منها أو الاندماج فيها،‮ ‬هذا مجرد ملمح من التحولات العميقة التي يرصدها المؤلف باقتدار وصراحة جارحة في كتابه الذي يصدره باهداء مؤثر،‮ ‬إلي الغرقي في قاع النهر والبحر،‮ ‬الاشلاء والعظام المعجونة بحديد وزيت المركبات ودم الاسفلت،‮ ‬المحترقين داخل القطارات والمسارح،‮ ‬الموتي علي شواطيء الهجرة وفي عربات الترحيلات،‮ ‬إلي كل الموجوعين لفقدان هؤلاء،‮ ‬وإلي كل الموتى علي قيد الحياة،‮ ‬اهدي هذا النص الصريح والقاسي‮.‬
 
< السابق   التالى >