|
|
|
المصريون المحدثون.. وأوجاع الروح والبدن
يمثل الدكتور «خليل فاضل»، بنبوغه وتميزه، وتعدد قدراته ومواهبه، واحداً من أنضج النماذج العلمية والوطنية، التي قدمها «جيل السبعينيات» لبلاده. ففضلاً عن تخصصه الأساسي، كطبيب نفسي بارع، فهو فنان مبدع، وكاتب قصة مرموق، وصاحب رأي سياسي نافذ، يرتكز علي تاريخ سياسي حافل وممتد، منذ سنوات طلب العلم وحتي الآن. وفي كل جهود د.فاضل وكتاباته، إنما كانت تصدر عن انتماء حقيقي لمصر، ولشعبها، وانحياز واضح لطبقاتها الفقيرة والمعذبة، وإحساس عميق بمعاناة ناسها وآلام أهلها، ورغبة صادقة، في وضع خلاصة دراسته وعلمه وتجربته لمساعدتهم علي اجتياز محن الدهر، واحتمال أدران الروح والبدن، بعد أن تكالبت عليهم الأحزان والهموم، وأثقلت كاهلهم أحمال حياة شديدة القسوة، بالغة الضراوة، تقتل فيهم إنسانيتهم وإحساساتهم البريئة النبيلة! وقد قدم د.خليل فاضل للمكتبة العربية عدداً متميزاً من دراساته النفسية ـ الاجتماعية، التي تربط بين التحليل السيكولوجي والدراسات السوسيولوجية، في إطار رؤية فكرية شاملة، تسعي جاهدة لوضع الإصبع علي موضع المشكلة.. فهو يؤمن بأنه من الضروري فتح «الجرح الجمعي، جرحي وجرح أبي وأمي، والناس كلهم».. فـ«مهما كان حجم الألم، سنكون علي مستوي الأزمة، وسنتعرف علي أنفسنا. نعم: نحن المصريين سنلم وجعنا بأيدينا».. فالغاية إذن من استخدام مبضع الجراح في يد الدكتور «فاضل» ليس التسلية، ولا التشفي، ولا استعراض المعرفة وعمق الثقافة، وإنما، وبالأساس، لكي تكون هذه المعرفة سلاحاً من أسلحة شفاء المجتمع، وبرئه من أمراضه.. تلك الأمراض التي توحشت- علي كل المستويات- وصارت خطراً ينهش في كيان المصريين وسلامتهم النفسية والجسدية، ويدمر قدرتهم علي العمل والإبداع والإنتاج، ويصادر علي الأمل في أن يكون مستقبلهم أفضل من حاضرهم وماضيهم، كما نسعي ونتمني.
ولأن «وجع المصريين»، وهو عنوان آخر ما صدر حاملاً اسم «د.خليل فاضل»، قد
فاق كل قدرة علي الاحتمال، وصارت آلامهم عصية علي الاستمرار دون دواء
ناجع، وضع د. «فاضل» في صفحات كتابه ذوب وجدانه وعصارة فكره وإحساسه بوطنه
ومواطنيه فهو ليس كتاباً ككل الكتب، تقرؤه ثم تطرحه جانباً وتغفو قرير
العين، علي العكس تماماً فهذا الكتاب كتاب مؤرق، يسحب النوم من العيون،
ويضع بديلاً عنه أرقاً لا ينتهي، ويملأ العقل بالتساؤلات التي تحتاج
لإجابات حول أسئلة المصير: ما الذي حدث في «مصر المحروسة» فبدل أمنهم
خوفاً، وراحتهم تعباً، وجعلهم غير آمنين علي يومهم وغدهم؟!.. وما الذي دفع
بنا وبالمجتمع إلي ما يسميه حالة «الفوضي الاجتماعية والأخلاقية الشديدة»،
حيث تجتاح الشخصية المصرية تبدلات عارمة، ويجنح المجتمع إلي التفكك والعنف
والفساد والتسيب؟!.. لماذا انتشرت إصابات المصريين «رجالاً ونساء»
بالاكتئاب؟ لماذا ينتحر المصري، الذي اشتهر بتقديسه الحياة، فيهرب منها
ومن تحدياتهم إلي الموت؟!.
و«ما الذي يدفع بالمصري إلي حافة اليأس؟» علي شاكلة ما نراه الآن، وما
جريرة النظام السياسي، من جهة ومسئولية المثقف الأناني، «أي نقيض (المثقف
العضوي)»، الذي حولته عبقرية المصري الساخرة من عنصر النخبة، الـ«elite»
إلي «الأليط»، المتعالي، متورم الذات، انتهازي المسلك، فيما وصلنا إليه من
تردٍ؟! ولماذا تفككت الأسرة المصرية، صمام الأمان للمجتمع، بعدما تحول دور
الأب من أب مربٍ إلي «أب بالقطعة»، فاقد الدور والوظيفة؟!.. ولماذا يتراجع
دور المرأة في بلادنا، رغم أنها أصبحت «وزيرة وعالمة وقاضية ومأذونة
أيضاً»؟! وما مسئولية نظام التعليم البائس، الذي يذوي فيه دور المدرس
القدوة، والمدرسة الحاضنة، ويزدهر دور المدرس «التاجر الخصوصي»، والمدرسة
«المول»؟!.. ذلك، أن «حوت النظام التعليمي»، كما يقول الدكتور «فاضل»، في
مصر الآن: «هو محصلة حتمية لحال المجتمع، وما حدث ما هو إلا تأصيل وتقنين
للفردية».. حيث «تتولد لدي كل الشرائح المجتمعية سمات، أقلها التربص
والتحفز، الاستعداد للقفز فوق الأسوار وفوق الآخرين، عدم الانتماء، انعدام
روح الفريق وفقدان التماسك واللحمة».... إلخ.
وفي مثل هذه الأحوال، التي تعكس اهتراء نظام سياسي شائخ. وفاسد وفاشل ومستبد، ينضح المصريون بوجع لا حد له.. وجع عميق يخبط في الروح والوجدان والضمير، يزيده التردي الاقتصادي والثقافي والسياسي بشاعة ونهشاً في الأعماق. وجع يقود إلي مخاصمة الحياة، والانتحار بالهرب إلي ماضٍ انتهي ولن يعود، أو إلي عالم وهمي يخلقه دخان المخدرات والإدمان، أو بوضع حد لحياة بائسة يائسة، هي الموت بعينه.. ويبدو من أفلت من هذه المذبحة حزيناً مترهلاً، فاقداً الهمة غير قادر علي الإبداع، يسير مكّلماً نفسه، علي حافة الجنون، بعد أن أعيته الحيل في مواجهة قسوة الوجود، وظلم الأوضاع الرهيبة المحيطة، المصنوعة بفعل فاعل مع سبق الإصرار والترصد! «وجع المصريين» إذن ليس كتاب ككل الكتب. إنه سطور من لهب وألم وغضب وأمل كتبها قلم واعٍ، يصدر عن فكر عميق، يريد أن يقدم لبني جلدته ما يعينهم علي المواجهة والصمود والمقاومة، وعبور لحظة اليأس إلي فضاء التحقق، وتجاوز محنة الانكسار إلي رحبة الانتصار إنه ليس كتاب ندب وعويل، بقدر ما هو سفر للفهم والإدراك، وقيمته العلمية والمعرفية، كما يكتب د. «عبدالباسط عبدالمعطي»، عالم الاجتماع المعروف، وعن حق ـ «تأتي من أنه ينفي، وعلي نحو قاطع، أن أوجاع المصريين، نتائج وراثية لجيناتهم أو إنتاج لخصائص شخصية اكتسبوها مع الزمن. إنها أوجاع حصاد سياسات مجتمعية في بعديها العام والقطاعي، والتي لا تزال تحاصر غالبية جموع المصريين، فأخلاق الناس وقيمهم وتصرفاتهم ما هي إلا نتاج طبيعي- شبه حتمي- لأحوالهم من المعاش، وفرصهم المجتمعية، خاصة المشاركة في صنع القرارات التي تهم مصيرهم ومصير مجتمعهم |
| < السابق | التالى > |
|---|