ما رايك ؟

الصرع
 
طباعة البريد الالكتروني


وجع المصريين... قراءة مضحكة مبكية في أحوال أبناء المحروسة

القاهرة – أمينة خيري
رحلة بحث عن «الشمبانزي الاجتماعي» الموجود في المصريين ويسكنهم ويتحرك حولهم. هذا الشيمبانزي الذي شكل كياناً مستقلاً يمكن تسميته بالكيان «المبهظظ». هذا الكيان «المبهظظ» (من الكلمات التي قفزت حديثاً على ساحة الكلمات العامية المتداولة في مصر، وتعني «مشيّ حالك»)، هو الذي صارت له الكلمة العليا في التفاصيل اليومية الكبيرة والصغيرة في حياة أبناء المحروسة في الألفية الثالثة. إنها ببساطة المحاولة الناجحة التي بذلها استشاري الطب النفسي والكاتب الدكتور خليل فاضل ليفهم «وجعه ووجع الناس في بلاده» في كتابه الصادر حديثاً تحت عنوان «وجع المصريين».

عملية تشريح مزعجة وإن كانت بالغة الواقعية تجري على مدار 312 صفحة من القطع المتوسط، للتوصل إلى الأسباب والعوامل التي أدت إلى استفحال الأزمة المصرية الإنسانية والأخلاقية والسلوكية والنفسية المستفحلة التي تهدد كيان المصريين، والتي يطلق عليها فاضل اسم «التربص الاجتماعي». هذا التربص هو الذي جعل الشخص العادي يفقد الثقة في نفسه وأهله وأصدقائه، حتى بات يعدّ أصابع يده بعد أن يمدها للسلام على آخر. وهو التربّص الذي يتنكر خلف عبارات مثل «معلهش» و «حصل خير» و «خليها عليّ»... وغيرها من العبارات الزائفة الزئبقية التي تتبخر وقت الجد، لتترك الطرفين وهما على وشك التهام بعضهما بعضاً، لسبب بسيط وهو اعتياد استسهال دفن الرؤوس في الرمال واعتياد العجز المكتسب من واقع شديد القسوة والتلون.

ويعتبر فاضل أن الأسرة هي المحور الذي يدور حوله «وجع المصريين»، فهي المنظومة المصرية التي خدشت وصدمت وجرحت في شكل غير مسبوق منذ منتصف سبعينات القرن الماضي. يقول: «أصبحت الأسرة المصرية نرجسية للغاية لخوفها الشديد على نفسها وأولادها، فعقمتهم ولفتهم في ورق «سيلوفان» وأقامت سوراً حديدياً على باب الشقة».

جروح عدة يضع فاضل يده عليها: اعتبار المراهقين قنابل موقوتة، سعي لا يتوقف وراء لقمة العيش، أولاد وبنات تعدوا الـ30 ومازالوا يعيشون مع «ماما» و»بابا» في البيت. أما الأب فهو حبة لقاح، في حين تعيش المرأة المصرية حالة اكتئاب متواصل مع تواري أنوثتها مع النكد وعدم الإنصاف الاقتصادي والاجتماعي.

ويبتكر فاضل نظرية جديدة في علم التنشئة من واقع المجتمع، وهي «تربية الخمس دقائق»، إذ لم يعد وقت الأب والأم يتسع لتربية الأبناء لأكثر من ذلك. والطريف أن وقت الأبناء كذلك لم يعد يتسع لأكثر من ذلك للتربية، فـ «التعليم» – إن صح التعبير – يستغرق الوقت كله. يقول فاضل: «إن موت النظام التعليمي في مصر هو محصلة حتمية لحال المجتمع. الجميع يسعى إلى إصابة الهدف بقليل من الجهد وكثير من الغش، ومن ثم يتولد لدى الجميع الاستعداد للقفز فوق الأسوار وفوق الآخرين».

وكان من الطبيعي أن ينتج عن ذلك الاهتراء التعليمي ما يسمى بـ «عرض الثانوية العامة» الذي جعل عيادات العلاج النفسي متخمة بطلاب قبل ملاقاة «بعبع الثانوية» وبعدها، بالإضافة إلى وسواس الامتحانات القهري وغيرها من الأوجاع التي تنقل المؤلف إلى فصل بالغ الخطورة والطرافة في آن، وهو «أوجاع أجساد المصريين». ويمكن لأي مراقب أن يعرف ويتأكد إن حياة غالبية المصريين تتمحور حول الصحة والمرض، والطبيب والأدوية. وهي دائرة يرى فاضل إنها مقصودة إلى حد كبير، إذ يجد البعض في المرض «ونساً» له حيث يلتف حوله الأهل والأصدقاء.

ويعتبر فاضل صحة المصريين النفسية قضية أمن قومي، خصوصاً ان الواقع المصري الحالي يدفع إلى الجنون، ما يعني ان «الوطن في حاجة إلى علاج نفسي حقيقي حتى يصحّ المواطنون».

وفي ختام الكتاب، يشير فاضل إلى المواطن المصري جمال الدولى الذي لقب قبل سنوات بـ «مختل الإسكندرية»، والذي ملأ جدران مدينة الإسكندرية كتابات وشعارات منها «هو متر الوطن بكام؟!». ويعلق فاضل قائلاً: «يااه شوف المجنون عندنا لما اتكلم قال إيه؟!».

الكتاب أهداه فاضل إلى «الغرقى في قاع البحر والنهر، إلى المحترقين داخل القطارات والمسارح، إلى الموتى على شواطئ الهجرة، إلى كل الموتى على قيد الحياة». أخيراً، حتى وإن لم يتمكن فاضل من التوصل إلى الملامح والمعالم الدقيقة لهذا الكيان «المبهظظ» الذي يسكن المجتمع المصري، فقد تمكن على الأقل من لفت الانتباه إلى قدرة المصريين المذهلة على التعايش تدريجياً مع ظروفهم مهما كانت مبهظظة
 
< السابق   التالى >