صدر للدكتور خليل فاضل بمجلة الديمقراطية موضوع الشخصية المصرية في صحتها وعلتها
الشخصية المصرية في صحتها وعلتهاد. خليل فاضل يجد المصري نفسه محاصرا بكم من الأغنيات والأمثال والأقوال والأشعار تمجده وتسمو به إلي أعالي الجبال, ونجد المطربات العربيات الجميلات تتسابقن إلي إرضاء غروره ودغدغة حواسه الوطنية بأغنيات ذات رنين أصيل وجميل مثل( أنا المصري) للطيفة, والتي تمتد فيها كلمة المصري بطول الحنجرة وعرضها, تتنامي علي أوتار الآلات وفي جوفها, تتضخم وتزداد فخامة مع تقنيات الصوت الرقمية المدهشة, ولا يفوتنا أن نذكر محبوبة الشعوب الناطقة بالعربية( نانسي عجرم) وهي تغني للمصري( وكل مصري الله عليه), مما دعا أحد الماكرين للتساؤل وهل أيضا( كل هندي وكل صيني وكل انجليزي, مثلا.. الله عليه؟), أم لأننا بالفعل كما شدت نانسي( ملوك الجدعنة) ربما.. إلي الأناشيد القومية التي تدعوالمصري( قوم يا مصري مصر دايما بتناديك) إلي آخر كل تلك الترنيمات والأهازيج التي ترددت في الإذاعات والأبواق ومكبرات الصوت, مما دعا أحد الخبثاء إلي تحوير مقولة مصطفي كامل( لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا) إلي( لو لم أكن مصريا لحمدت الله علي ذلك), ليس انتقاصا من قدر مصريته تلك, ولكن إحساسا بعدم جدواها وأنه لو أصبح أفريقيا أو آسيويا لربما انتفع بوطنيته تلك, ولرسم لها ملامح تنعكس علي شخصيته, وتنبثق من بعض ذلك ومن أكثر منه, علامات وإشارات وطقوس ترتمي في وعاء الشخصية المصرية, تنصهر في بوتقتها, مع فرعونيتها, قبطيتها, عروبتها, إسلامها, إفرنجيتها, عثمانيتها, مماليكها, صعيدها, سواحلها, لتبلور هذا السؤال الملح لماذا نبحث الآن عن ملامح, أبعاد, مكنونات, أشكال, صور من ماض سحيق إلي ماض قريب, وحاضر معاش, إلي مستقبل مرهون بحسابات شتي وقوي تتربص بالأنا المنفوخة تلك للمصري, في ظل تحولات إقليمية شرسة للغاية يزكم أنوفها البارود, ويعمي أعينها الدخان, ترتج أحشاؤها بفعل الإنفجارات, تلتمع مع قنابل الليزر والمجازر والتعذيب والاغتيالات, نعم لقد أصبحت فلسطين وأصبح العراق في حضننا, وفي ظل تحولات عالمية رهيبة لا تخفي عنا مؤامراتها الدقيقة, إلي تحديات اقتصادية بالغة تمتد من الأفراد إلي الموارد الأساسية, ومن الحي والشارع, إلي البحر والجو والبر, من البورصة إلي سوق المال, إلي العالم كله بأسره. هنا تدخل الشخصية المصرية إلي الفرن, تلين كما يلين الحديد, ثم تسقط في بئر الثلج لتصبح أقسي من الفولاذ!!! ولنا أن نتساءل أين هي تلك الشخصية ما هي أبعادها ما مدي صحتها, وأين تكمن علتها, هل في خلوها من الأعراض, أم في إيجابيتها المختبئة, في مناعتها ومقاومتها للسقوط, أم في قدرتها علي استخدام قدراتها ومقدراتها, لكي تنمو وتستثمر في البشر أكثر ما عندها وأغلي ما في قلبها!. سؤال العصر في2006 من نحن بالفعل, ماذا نفعل, ما الذي حل بنا, كيف ولماذا؟! رغم كل محاولاتنا للرصد والكشف والتحليل والغوص وسبر الغور, تظل المبهمات ويظل الغموض! لكن لنا شرف محاولة الاقتراب من هذا الشأن العصي علي الفهم حتي لوبدا واضحا كالشمس. نعيد السؤال بصيغة أخري: هل هناك- بالفعل- خصوصية لنفسية الإنسان المصري؟هذا موضوع خاص جدا, خاص بكل المقاييس لأنه يتناول أدق وأصعب مكونات الإنسان, نفسه, المرآة التي تعكس كيمياءه, روحه, انفعالاته, وحياته بشكل عام. نعم هناك خصوصية لنفسية الإنسان المصري ببساطة لأن المصري يتكون من عجينة تتمازج فيها مكونات كثيرة متنافرة ومتناغمة متقاربة ومتباينة, تاريخ وحضارة, سياسة وعلاقات داخلية وعربية, طريقة خاصة في التعبير, لغة الجسد, التلويح بالأيدي, طريقة الكلام, الصياح, الصراخ, البكاء, الضحك, إلقاء النكت, النواح, البوح, إمساك الكلام, الوجوم, الحزن الشفيف وذلك الدفين, الألم الذي يعتصر القلب, والذي يشد الرقبة والرأس, الإبداع بكل صوره, العنف بكل أشكاله, الطيبة والسماحة, الغلظة والفظاظة, التوتر اليومي الذي كاد أو بالفعل أن يصبح عادة, فقدان الأمن والأمان, التشتت والضياع, الأصول والثوابت, القيم والمحبة, التواجد والهجرة, الجنون والمجون, الشروخ التي بانت في ظهر البلد, والتجاعيد التي ظهرت علي وجه الشباب, الفرحة والبهجة, التدني في الذوق ومحاولة التمسك بالرقي في المعاملة والفن, الفلوس وما جلبته من مصائب ومن غنائم, انعكاسات التغيرات في مظاهر الشوارع والنجوع والقري, الأطباق الهوائية اللاقطة( الدشات) وهوائيات التلفزيون, ماء الترعة وماء النهر ماء البحر. كل هذا وأكثر مما لا يتسع له المجال, يشكل القاعدة الرئيسية لخارطة النفس في مصر. بالنسبة للمرض العقلي, فلا دليل علي أن مصر تخرج عن الإطار العالمي الذي يحددها بـ1 إلي2.5% من عدد السكان. في الاضطراب النفسي, هناك ظواهر تشير إلي ازدياده أوعلي الأقل عدم الاستحياء في طلب المعونة والإرشاد والعلاج. مما قد يفسر ظاهرة الازدياد, لكن يكاد الكل يجمع أن ثمة تغيرا ما, تغيرا ملموسا محسوسا ظاهرا وباديا للعيان, في العيون في الخلجات, حول العينين وعلي الجبهة, تغير في السلوك الحياتي المعاش يدركه الذي يأتي ويمضي, الذي يقترب ويبتعد.إن النفس المصرية قد تغيرت, ربما ليست الصورة قاتمة وربما إنها إحدي إفرازات عصر العولمة في العالم ككل, لكن ولأن مصر والمصريين لهم سمات تسهل قراءتها, فمن ثم تكون عملية التعرف علي خطوطها المتعرجة وعلاماتها الإيجابية والسلبية سهلة. هل بلدنا علي الترعة تغسل شعرها, هل جاءها اكتئاب يستلزم حبة مبهجة أو صدمة مؤثرة, أم أنها( مش ناقصة), أم جاءها نهار لم يستطع دفع مهرها. هل الحلم أمر مشروع البوح به؟ هل الرومانسية عيب خطير؟ أم أن النفس المصرية قد أصبحت عجينة ياسمين مخلوطة بزيت كيماوي, سببته مخصبات التربة وحر الصيف الذي فاق الحدود؟ ليس هناك مجال للشك أن لعجينة الياسمين تلك عبقها, لكنه ليس نفس العبق الأول الأخضر الفواح, فما هي الأسباب يا تري. هذه هي محاولتنا هنا لرصد توتر الزهر وحزن الورد ونقاء التربة, ربما بشيء من التفاؤل الحذر والضروري. السمات النفسية للشخصية المصرية:هي محاولة فعلا ولن تكون غير ذلك. ربما تكون تلك المحاولة محاورة وقراءة للشخصية المصرية. هل هناك حقا سمات نفسية محددة للشخصية المصرية أم أن الأمر محض مستحيل! مما لاشك فيه أن هناك خصائص وسمات يختص بها الإنسان المصري دون سواه, وهذا ينطبق علي الإنجليزي والمغربي مثلا, كما في كل شعوب الأرض. هل التعميم واجب, وهل هناك ضرورة للتحديد!التعميم بشكل مطلق غير علمي, ولكن تحديد السمات والصفات الغالبة ضرورة لابد منها. لكن قبل كل ذلك يجب التركيز علي أن الشخصية المصرية تحديدا- متغيرة- وبسرعة, عبر العصور والأزمان, عبر المكان وفي مختلف الأحوال ومن ثم فإن محاولة رصدها وتأطيرها( هنا والآن) محاولة شاقة, تكاد تكون مثل محاولة الإمساك بالزئبق. إذن ما هي الشخصية! إنها ذلك النظام الدقيق المتماسك, المتفرد الديناميكي لمجموعة الصفات الثابتة نسبيا- والتي يمكن التكهن بها أيضا- للسلوك الإنساني وللتفكير البشري, تلك المكونة للإنسان الفرد في تفاعله مع الآخرين, والمؤسسة لاستجاباته المختلفة لشتي المؤثرات الاجتماعية المحيطة به. وبصرف النظر عن الخصائص الشخصية لكل فرد, فإن أمر تحديد' الشخصية' يحوي فيما يحوي خصائص المزاج الذكاء والطبع. سنقوم هنا بهذه المحاولة علي أساس بعض النظريات المعروفة في طب النفس وعلومه, واضعين في الحسبان أمور التاريخ, الثقافة, السياسة, الاقتصاد, الدين, الاهتمامات, وكذلك القدرة علي التكيف والبعد الجغرافي.* المصري انبساطي بطبعه وهو أيضا انطوائي, بمعني آخر أن الظرف يخلق جوه النفسي العام من فرح ومرح وابتهاج( ليست كل الشعوب كذلك, والإنجليزي مثلا خير مثال علي ذلك), كذلك فإن الظرف يجعله يحزن ويكتئب وقد ينبسط وينطوي في فترة زمنية قصيرة, وقد يكون انبساطه هذا متصلا مرضيا بمعني أنه نوع من الحيل الدفاعية( الإنكار-Denial), فقد يضحك علي المحزن ولا يبالي بالذي يدعوللترقب والحذر( تكوين عكسي). كل تلك الأمور تعتمد إلي حد كبير علي الاتجاهات الداخلية والخارجية: الداخلية بمعني عالمه الخاص, رؤاه, أحلامه, خيالاته( فانتازياه), العوامل الوراثية التي تجري في دمه وتشكل طبعه, والخارجية بمعني درجات تفاعله وردود فعله تجاه الحدث صغيرا كان أم كبيرا, ومدي توحده بما يستمتع به داخل بيته, في عمله, في الشارع وفي الوطن عموما.غير أن هناك أنواعا من الشخصية تمثل أبعادا عميقة للغاية. ومن ثم يمكن فحص مسألة' الانبساطية' كطبع في الشخصية لا' كحالة فرح', وذلك من خلال رؤيتها كمنظومة نفسية علي درجة عالية من الدقة لسمات ليست لها أبعاد محددة مثل الاختلاط بالآخرين, النشاط الاجتماعي, الحيوية, الاندفاع, والسيطرة الوجدانية علي المحيطين: يبدومن تلك الملاحظات العامة أن الإنسان المصري بدأ, أو عله فعلا, فقد تلك الانبساطية التلقائية, أو عله بالفعل فقد منظومتها الداخلية الدقيقة فترك نفسه نهبا لما يحدث حوله, يستسلم له, ينهش فيه فيضحك إما سخرية من الآخرين, أو من نفسه, وقد يضحك في أسي أسود, وقد ينبسط ويضحك عاليا لكن لفترات محدودة, في محاولة للشفاء من أمراض المجتمع وتوحش العلاقات الإنسانية حوله, وكذلك التشبث الشديد بالماضي أو الحلم الغريب بالمستقبل المزدهر الذي- يمكن- أن تستمر فيه الانبساطية أطول, وتكون فيه الانطوائية مجرد انعطافة.* المصري عاطفي, رومانسي في آماله وأحلامه, رومانسي جدا في حبه لمصر( وكأن مصر هي الكون كله), ورغم المنغصات يتمسك, أو يحاول التمسك بهذه الرومانسية, لكنه تدريجيا يفقد الثقة في أحلامه وفي عاطفته, فنجده يصفع من أصدقائه, يهزم, ويحزن, وتدريجيا لسلب عاطفته حتي يصبح خشنا وفظا, يائسا وفاقدا للحلم.* المصري صبور وكأنه الجمل, يحب اجترار أحزانه وأفراحه, يحزن, وينفجر فجأة, يتحمل حتي لو كان رقيقا, يخاف المستقبل ويخشاه ويعمل له ألف حساب, يتألم بشدة ويخشي الزمن وتقلباته, في داخله إحساس دفين بعدم الأمن والأمان, ولا يثق في الآخرين بسهولة علي الرغم من أنه- أحيانا- قد يصدق, رغبة في التصديق, أو رغبة في الهروب.* المصري طموح, يسعي ويجتهد ويبتكر وينفعل, لكنه- أحيانا- ما يصاب بالبلادة نتيجة الإحباط المستمر والفشل المتكرر, رغبته في تحقيق ذاته عالية, وإذا ما اصطدمت بالظروف والعقبات تألم ونعي نفسه وقعد في ركن ينزوي ويمضغ أحزانه.* المصري يتفاعل مع البيئة المحيطة ويشارك فيها, يغني مع المغني, يرقص مع الراقص, يضحك مع المضحك, يقف احتراما للوحة تشكيلية, وقد ينحني لمن يعلمه فنا وذوقا, يحتضن الآخر- غير المصري- خاصة في مجالات الفنون والآداب, يقدره ويحترمه لكنه لا يتمكن من أن يغفر له الخطأ الجسيم تحديدا إذا كان في حق مصر ومكانتها, هناك من يتصور مصر المنشأ فقط وقد تكون, وهناك من يتصور أن كرامة مصر هي نوع من الشوفينية وأن المصريين حساسون للغاية. في الحقيقة أن كل الشعوب تعتز بأوطانها, لكن المصري بشكل عام له خصوصية أنه يحمل الشمس بين ضلوعه والنيل في عينيه, وهو يفخر بذلك دون مبالغة, يعلن للدنيا في حب أنه( مصري.. كريم العنصرين), قادر علي التعامل مع الجماد بخصوصية شديدة تثري داخله. فإذا ما تأملنا بناءه للسد العالي والأهرامات, للأوبرا والآثار, حفره للقناة, لمجري العيون وتشييده للقلعة, بناءه لمدن عربية كاملة والنهوض بكل مؤسساتها. لو تأملنا أعمال الصبية من فلاحي الحرانية, ولو تأملنا حولنا للاحظنا أن المصري يمزج عرقه ونفسه بالجماد ويظهر فيه جليا, علي الرغم من أن أعمال المقاولات السريعة والمشبوهة قد طغت علي جمال العمارة, فبدت بعض البنايات الجديدة صماء دون روح, ينطبق الأمر كذلك علي الذوق الفني في مجال الأغنية, الطرب والمسرح, وهي انعكاسات لنفسية هذا الشعب.نلحظ في المصري ارتباطا عميقا بأغنيات محمد منير ابن النوبة ذات الأصل الحضاري كمصر الفرعونية, ونجده يتعشق مع أداء لطفي بوشناق التونسي للتواشيح والطرب الأصيل. المصري يتذوق دائما, وأحيانا لا يحسن التذوق, حسب مزاجه, يتذوق الأكل والعلاقات الحميمة, الألوان, الطبيعة, الموسيقي, النكتة والحب بكافة أشكاله. المصري لا يتمرد لكنه قد يضحي بكل شئ- فجأة- إذا مست كرامته, ولا يفوتنا هنا التنويه بأن الفترة الأخيرة تحديدا شهدت بعض التنازلات خارج الوطن وربما داخله لآخرين يملكون القوة والمال.تهون علي المصري نفسه جدا حينما يهون الوطن في المكان الذي يعمل به, المصري ممتد ورحب كالصحراء, وصحراؤه ليست فظة ولا تنجب أجلافا بل فيها رقة السماء التي تظللها بندف القطن المتناثرة علي صفحتها الزرقاء, وهو معطاء كأرضه السمراء أخضر كزرعها. يقدس الأسرة وتماسكها, يحترم القيم, لكن مما لاشك فيه أن ثمة تحولات قد حدثت في الفترة الأخيرة أثرت علي درجة هذا التماسك, فحدث نوع من الاغتراب العائلي, وأصبحت لزوجة العلاقات وتمحورها حول المادة معوقا للاقتراب, تناثرت ثلة الأصدقاء, اختفت نقرات الأصابع من علي الأبواب, غنت الأجراس الإلكترونية, توارت الطيبة والمحبة لمصلحة التوجهات العملية من الحصول علي فائدة أو فوائد ما, يلتم الشمل وينفرط بسرعة, أصبح يلتهم طعامه بسرعة, يشرب مشروبه وماءه بسرعة, يجري بسرعة, يقود سيارته وموتوسيكله ودراجته بسرعة, ييأس بسرعة, يمل بسرعة, يفقد صبره بسرعة, يتألم بسرعة, ينزعج بسرعة, يفرح بسرعة وتنطفئ الفرحة لديه بسرعة, كل هذه التوترات السريعة الناتجة عن توتر العصر وتعقدات الحياة, تشابكها, ماديتها وفقدانها للروحانية والرومانسية, أدت الي تغيرات شتي في السمات الشخصية لنفسية الإنسان المصري, وهو بحسه القديم وتاريخه المتأصل, بالجينات المختلطة والمركبة, بحضاراته المتعاقبة, بفرعونيته, إسلامه, قبطيته, عروبته, هذه التشكيلة ليست ترفا ولا مجرد فسيفساء كثيرة الألوان, وإنما هي قاعدة ثرية غنية توحي بضرورة أن هذه السمات ستظل تتأرجح وتتماوج علي أرضية سخية, وإن كان عطاؤها مختلفا ومتبدلا وفق ما يقتضيه الحال. ما بين الكينونة الثابتة والصيرورة المتغيرة!هل نحن بحاجة- فعلا- لأن يكون لدينا فهم لبناء الشخصية المصرية وتحديدها؟!! إذا كان في الأساس موضوع الشخصية- عموما- مازال عصيا علي الفهم مثيرا للجدل. ويعود السؤال الملح: هل لتلك الشخصية كينونة ثابتة أم أنها صيرورة متغيرة, ولماذا يتلهف الناس وراء هذا الفهم أو ذاك!! إن مفاهيم الشخصية المختلفة ما هي إلا لتيسير لفهم عام لتجارب الحياة التي نمر بها وسلوكنا الذي نسلكه حيال أمور شتي, لا يمكن لنا عامة, وتحديدا في مصر أن نراها, الأمر لا يحتاج إلي نظرة واحدة, ولا إلي تعريف ثابت أو جامد, لكنه يحتاج وبالفعل إلي تصور ديناميكي متطور يستوعب داخله كيانات وتطورات وأحداثا ومتغيرات تمر بها مصر كمصر, ومصر كجزء من العالم العربي, ومصر كجزء من الكون ككل, وهذا في حد ذاته كثير, فاعل ومتفاعل, إيجابي وسلبي في آن واحد, ولكي نكون أكثر تحديدا.لنا أن نحدد تعريف الشخصية عامة إذا ما أردنا تطبيقه علي المصري! نعني الشخصية من منظورنا, تلك العوامل الذاتية الداخلية المركبة التي تجعل سلوك الإنسان ثابتا متسقا مع ثقافته العامة والمباشرة مع محيطه الفردي والجماعي, مرنا دون مبالغة, محافظا علي مكنوناته وقابلا للتغيير وفق الظرف الزماني والمكاني, وإذا طبقنا ذلك علي( شخصية المصري) لوجب القول أنه ولا بد أن يكون مختلفا عما عداه, أي عن( غير المصري), وهذا ما يدعونا إلي تأمل بعض النماذج داخل الوطن المصري وخارجه, تلك التي لا تقلد الغربي فقط وإنما تذوب فيه ذوبانا بحيث تضيع هويتها الأصلية أو تكاد, لنا أن نتأمل شخصية المصري: من(1) المنظور النظري, أو(2) بمعني خصائصها المتميزة أو غير الطيبة. من المنظور العام البسيط الذي يعني الاشتراك في منظومة من المعتقدات والعادات والتقاليد والسمات التي تظهر جلية في تفاعلات الحياة اليومية: هذا التطور يكمن في لحمة اللغة ومفرادتها تلك العامية المنطوقة, أو تلك التي تستخدمها أجهزة الإعلام المختلفة, أو تلك يكتب بها الأدب, وهي أيضا تلك اللغة التي تنظم وتبسط العالم الاجتماعي, فتظهر نسق القيم وسلوكيات الناس في عملهم وزواجهم, أفراحهم وأتراحهم. في مصر الآن أكثر من أي وقت مضي مشكلة نفسية لفظية, قبح لفظي, عنف حواري, كلمات صدئة ومفردات مفزعة تنبع من قلب البيئة التي تلوث هواءها كما تلوث وجدانها.شخصية المصري تغيرت وفقا واستجابة لتغيرات بيئته المحيطة, تلك البيئة التي تشكل في مجملها ذلك الجو المحيط الذي يترعرع فيه الطفل وينشأ: البيت, الأسرة, الجيران, الحي, الأقارب, المدرسة, الشارع, المجتمع, الوطن. يكبر محيط تلك البيئة مع الإنسان في نموه وتطوره من الطفولة إلي المراهقة, ومنها إلي الشباب والكهولة. يتأثر فيما يتأثر به بعفة الألفاظ ونظافة اللسان( فمن يستخدمون السلالم والمصاعد للطلوع والنزول, يعلو صوتهم وسبابهم إلي داخل الغرف المغلقة, ومن يتعاركون في الشارع أو يصرخون في سياراتهم يؤذون المسامع ويخدشون الحياء, دون إحساس ودون إدراك بأن ما يفعلونه تلوث أخلاقي لفظي في منتهي القسوة). ناهيك عما يدور من حوارات يكون فيها الشتم نوعا من الاستمتاع دون اعتبار لصفته النابية, يمتزج بالضحك والمزاح علي المقاهي وفي الـCoffeeShops, وكذلك في النوادي, علي نواصي الشوارع, وأمام محلات التيك أواي. يدخل في إطار كل هذا الصخب, علي نحومقنن غزو داخلي من أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة, يتأجج بانتشار الفضائيات وغزوها لخصوصياتنا, فنجد مسوخا تؤذي البصر بأشكالها, تعكرت بالماكياج الثقيل, وحوارات في برامج عشوائية ومسلسلات هزيلة, تضعف النفس وتكسر صفاءها, كما نسمع أغنيات ثقيلة الدم, فجة المعني, تائهة لاهثة, فنري فيما نري من تتلوي وتتأوه وتتعري علي الأرض وفي الفراش وأحيانا في الفضاء.من خلال كل ذلك قد نري الولد الصغير وهو يحب رؤية خاله( علي سبيل المثال لا الحصر) وتقليده, أو محاكاة أبيه بالتلفظ بالأسوأ ليثبت أنه رجل, نجده يشب متعلما اللغة حديثا وطوله لم يتعد الشبرين, طويل اللسان, بذيئا يؤذي من حوله, وهم بدورهم يؤنبونه ويعنفونه, غير مدركين أنهم قد شكلوا نواة وعيه وخلقوا له بيئة ملوثة اللفظ والحركة والمعني لينشأ كما يروه وأنه ابنهم وليس لغيرهم, وقد أصبح ملحاحا عنيدا ومخجلا. في الثلاثين سنة الأخيرة, حدث نوع من الإغتراب اللغوي لصالح اللغات الأجنبية خاصة الإنجليزية الأمريكية, وظهر ذلك بينا علي المحلات وفي إعلانات الكباري والشوارع والميادين وكذلك صفحات الصحف, كما حدث خلق مفردات جديدة غريبة مثل( أبرون) في قول لشاب بالجامعة الأمريكية بمعني المعاناة من حالة بارانوياParanoidState أي( الإحساس بالاضطهاد وبالخوف وبالإنزعاج وبالجزع من أصدقائي ومن الغرباء), وهي حالة نفسية معروفة لدي بعض المرضي النفسيين, لكن تعقدات الحياة اليومية, الصوت العالي, العراك, الشجار, الازدحام المروري, الشك في الآخر والارتياب في مقاصده, أدي إلي ظهورها, بل إلي تزايد حدوثها, الازدحام, الاحتكاك, الاكتظاظ, الاعتداء علي مساحات الآخرين,( فإذا كان الشارع الواسع مختنقا بالسيارات والمسئول يمر مع الضباط بأجهزتهم اللاسلكية يمنعون المرور, يلوح أحدهم من نافذة سيارته في الهواء تعبيرا عن الغضب, فإذا بالآخر الذي علي يساره يتصور أنه يتوعده فيجزع ويصاب بحالة من الهلع قد تؤدي إلي أعراض جسمانية شديدة), إذا تكررت تلك التجربة وذلك المشهد عدة مرات مع أشخاص حساسين فإن الأمر قد يتطور إلي حد تكوين ما يصطلح عليه بالشخصية الاضطهادية أوالبارانويةParanoidPersonality فإن اضطرابه يعني الكثير, بمعني أن المشكلات السلوكية والاجتماعية التي تحيط باضطراب الشخصية غالبا ما تكون معقدة, مركبة وتختلف عن( سمات الشخصية) وخصائص الفرد المصري, ومن هنا فإن اضطراب الشخصية نتيجة ضغوط الحياة المادية, النفسية, الحسية, الانسانية, والعيش وسط كل التناقضات الممكن تخيلها من إباحية شديدة إلي التعصب الديني الأقوي إلي حالة التربص والإستنفار والتحفز لكل ما هوآت مما قد يحدث أعراضا قد تكون في منتهي الإثارة وأيضا في منتهي الإحباط, لمن يتعامل معها سواء كان في البيت أوالعمل, الشارع, أو حتي في إطار العلاج مما يخلق حالة مشحونة بالارتباك والترقب والإنتظار. عودة إلي الشخصية البارانوية التي نجدها تحيل الأمور إلي ذاتها مع حساسية مفرطة تجاه الآخرين ودرجة من الشك العالي في أغراضهم ومقاصدهم. إن لب التفسير هنا هو عملية( الإسقاط), فبعض الناس تكون ردود فعلهم لمجريات الحياة اليومية, مبالغا فيها بدرجات متفاوتة من الإذلال والإهمال, بل والاضطهاد إلي حد السحق تحت الأقدام, البعض يعاني من أفكار ثابتة مبالغ فيها, فيها لوم للآخرين, هشاشة زائدة ورغبة جامحة في الدفاع عن تلك المعتقدات ذات الأصل الضعيف والجذر اللين والتربة الخصبة, وكثيرا ما يحدث لدي( المصري)( ردود فعل بارانويةParanoidReactions) نتيجة حالة الإجهاد والتوتر, القلق, الضغط النفسي الدائم والمستمر, الجمعيات, الديون, عدم القدرة علي الوفاء بالإلتزامات, إلي آخر تلك القائمة الاجتماعية, بجانب تولد ردود الفعل تلك في إطار المرض العضوي, بمعني الإصابة بأمراض القلب, الصدر, ارتفاع ضغط الدم, الفشل الكلوي, الإصابة الكبدية بفيروسC, وما يحيط ذلك من مشكلات وتحليلات وزيارات وتكاليف مرهقة للغاية, في بلد تئن فيه الخدمات الصحية, وترتفع فيه أسعار الأدوية لدرجة مفزعة مع تهاوي خدمات التأمين الصحي بسقفها الواطئ أصلا. الشخصية المصرية من المنظور الشخصي للإنسان الفرد, تتفاعل مع ما يحيط بها من متغيرات وأحداث خاصة تلك المؤلمة( حوادث وكوارث إنهيار العمارات- العنف الطائفي- الموت غرقا في العبارة- الموت حرقا في قصر ثقافة بني سويف وفي قطار الصعيد- نزيف الأسفلت ومسلسل حوادث الطرق الذي لا ينتهي- فزع وهلع أنفلونزا الطيور- أزمة القضاة- توترات الشارع). هنا وجب التدقيق في المثلث: تفسير الشخصية وتأويلها ومحاولة فهمها:1- نظريا.2- عاميا( الشائع).3- شخصيا( فرديا).من أجل فهم الشخصية( الطبيعية) وتلك( المضطربة), وكيفية تحول هذه من تلك وهكذا, وأيضا لفهم ما يتبع ذلك من سلوكيات وأفكار ومعتقدات, كذلك يجب فصل القول تحديدا بين تلك الشخصية المضطربة في خضم الحياة اليومية للمصريين, أي هؤلاء الذين بيننا وحولنا, وهم بالفعل مضطربو الشخصية دون أن يلجأوا إلي( حقل العلاج النفسي), وبين هؤلاء الذين تسوء أفعالهم فتضر بمحيطهم البيئي والاجتماعي بشكل حاد يدفع إلي طلب العون علاجا وكيفية للتعامل معهم, وفي أقل الحالات لتفادي شرورهم. مما لا شك فيه أن المجتمع المصري في حراكه الحي وتفاعله الشديد, يتحرك بلا حدود تجاه محاور مجهولة يري ظاهرها في صورة( العشوائيات: بكل ما تحويه من تكوين شخصية للمصري مختلفة فيها فظاظة, نزع حساسية, عدم احترام, دعك, هدر, دوس بالأقدام, فقر مدقع, حرب من أجل العيش مغموس بالعرق والدم والصبر وممزوج بالتراب), وكذلك في صورة النقيض( المجتمع المخملي: الرائق, المختل توازنه, الضائع في بحور الجنس المحرم, الترحال, المخدرات, الخمر, اللهو, العبث, صخب العيش, الأمراض النفسية المستفحلة, ضياع الهوية والتشتت واللهاث وراء الاستغفار باستخدام موفور المال للزكاة وعمل الخير, ثم معاودة المجون بشكل أوبآخر), حسب قول الصحفي اللبناني حازم صاغية( بين الثقافة والتعريف بالهوية مشكلة دائمة).ثقافة المصريين علي اختلاف مشاربهم مرتبطة بهويتهم وبشخصيتهم وهي بدورها متناقضة مع بعضها البعض ومع نفسها بل وللأسف لا يربط بينها رابط, في المثال السابق بين النقيضين الميسور المنفتح المفتوح, فيلات وقصور وتلك تحدث في أكواخ وأعشاش( المخدرات, زنا المحارم, اللغة القاسية, استباحة أعراض الآخرين, القسوة البالغة, من إهدار كرامة الآخر وعدم احترامه بل دهسه والتنكيل به, العنف المعنوي والمادي, الجريمة.. فإذا نظرنا إلي صفحة الحوادث في أي صحيفة يومية لوجدنا أن جرائم القتل وهتك الأعراض والمخدرات تنال من الفئتين نيلا ساحقا وتنشر عبئها علي الفئة( ولا نقول الطبقة) التي في المنتصف: تلك الفئة المحافظة الهادئة نسبيا, التي تقبض علي الجمر في محاولة لتجنيب أفرادها وأولادها ويلات الفئتين الشاردتين, لكنها لا تنجومن الشظايا والخطايا واللعب بالنار, يمتد في صورة غزو تدميري للشخصية ولكينونة الأسرة وهي تكافح للحفاظ علي بنائها وتماسكها, لكنها عبر الشره الاستهلاكي, الإغراء المتعمد, ثقافة الرغي: موبايل وانترنت ودردشة إلكترونيةChatting زهو ألوان الملابس في فاترينات المولات والأسواق التجارية المقتطعة من الخليج وأوروبا, ثقافة بورنو الجنس والعنف, تقع الفئة الوسطي في جحيم الشد والجذب, عض النواجذ, السقوط والتضحية, تهرب من الصراع أحيانا بالمرض( الجسدنةSomatisation) حيث يتخفي المريض وراء أعراض جسدية بحتة, ذلك يعني ببساطة تلك الأمراض العضوية ذات المنشأ النفسي أو تلك الاضطرابات التي تظهر في صورة جسدية في حالة تكون فيها أعضاء الجسد سليمة لكن لا تعمل بصورة مشابهة, وهي كذلك محددة ومفسرة بنظرية الأعضاء الضعيفة مثلما الأسطورة اليونانية التي كان فيها( كعب أخيل) هو نقطة ضعفه الوحيدة إذا ما رماه رام بسهم قتله. هذه النظرية قريبة إلي الصحة في حياتنا اليومية المعاصرة بشكل كبير, فإذا تعرض شخص ما إلي ضغط شديد وإذا تزايد هذا الضغط واستمر لن يصيب إلا العضوالضعيف الذي قد يكون( أسفل ظهره- جلده- شعر رأسه).. إلي آخر تلك القائمة التي قد تنال الجنس فيصاب الإنسان بالعطل والاضطراب, في حين أنه سليم تماما من الناحية العضوية, لكن أداءه يكون ضعيفا مضطربا ومرتبكا, ومن ثم تتأثر العملية الجنسية فتخفت رغبته. وهو أيضا غضب مكتوم مكظوم مرتد. أما اضطراب الشخصية الهستيري ويعد الأكثر شيوعا لدي المصري( أو الشرقي عامة). نري مايصطلح عليه بـ( زملة الأعراض الهستيريةHystericalSyndromes), وهي ما تجمع بين(1) اضطراب الشخصية الهستيري(2) الحالات الانشقاقية(3) الهستيريا التحويلية(4) الرغبة في المرض وإدمان معاودة الأطباء,(5) تعاطي المرض بل وإجراء العملياتSt.LouisHysteria(6) الهستيريا الوبائية التوتر والقلق الهستيري(7) الهستيريا العامة.نجد في الحالة(3)( الهستيريا التحولية), منتشرة لدي المصريين, نضرب لذلك مثالا لحالة لامرأة متزوجة عندها بنت واحدة تعيش في حي شعبي, لزوجها محل شركة مع آخر, يضربها, يتعاطي الحشيش بكثرة, له علاقات نسائية خارج إطار الزواج, لا يشاركها شئون البيت المادية, عصبي المزاج دوما. تحملت المرأة ذات الأربعة والعشرين ربيعا العبء سنة بعد الأخري, حتي فاض بها الكيل في السنة الرابعة, وإثر خناقة بشعة ضربها فيها زوجها ضربا مبرحا وسب أهلها ودينها, أصيبت بـ( شلل هستيري) نال النصف الأيسر من جسدها, ولما ذهبت إلي المستشفي الحكومي( شرطها) الدكتور المتدرب بالمشرط لتنزف, لكي يثبت أنها لا تحس, ونقل لأهلها جهله الطبي قائلا أن الأمر ممكن يكون( اشتباه جلطة), مما أدخل الروع في قلوبهم, تم فحصها جيدا وخضعت للتحليل النفسي العميق, بدأ العقل الباطن يتخلي عن الأعراض رويدا رويدا حتي استطاعت المشي ثم استخدام يدها بشكل طبيعي. ولكن هل من الممكن أن تشترك زملة الأعراض السبعة التي ذكرناها سابقا في قاسم مشترك أعظم, نعم, لعل الإنشقاق أو التصدعDissociation بحيله النفسية الدفاعية( ميكانزماته) هو الأقرب إلي تلك الصفة, فهو كما يقول العامة في لغتهم اليومية( بيفصل) أي يهرب من واقعه الجحيمي إلي عالم آخر من صنعه وفي قلب خياله, فمن يهيم علي وجهه في الشارع بلا هدي, أو تلك التي تهذي بكلمات غير مفهومة, وما شابه ذلك من سلوكيات مردها إلي كيفية التعامل مع الواقع المعاش, بكل لوعته وميوعته, بل ومرارته, ومع صراع كل الأضداد يحدث انشقاق الوعي, وبالتالي فإن نواح معينة من الفكر والسلوك تلغي, وتتأصل القدرة علي( الفصل). وهي خاصة موجودة لدي الناس جميعا لكنها تكون بمثابة( نزعة طبيعية) بل وعلامة مسجلة لدي كل حالات الهيستيريا.. بجانب حالات( جسدنة), ربما لا يوجد لها مثيل في كافة بقاع الأرض. أعراض غريبة لا تمت للمرض الحقيقي بصلة, دوار ودوخة عجيبة دون أي سبب, إلي حالات متعارف عليها يشترك فيها الوسواس القهري والخوف المرضي( الفوبيا), وكذلك التوتر والقلق الشديد من الإصابة بفيروسC توحدا مع الأب الذي أصيب به, إلي الإيدز خوفا علي الحياة وارتباطا( بعلاقة جنسية غير مشروعة), إلي الإكتئاب وتمني الموت, الخوف من السقوط, الخوف من العمي( المرتبط بمفاهيم مضللة عن ارتباط ممارسة العادة السرية به).. إلي آخر تلك القائمة الطويلة ذات الأساس الكامن في الأمور الاجتماعية, الشخصية, والنفسية. القديم يموت والجديد لا يستطيع أن يولد:عودة إلي الطبقات بشكلها الحالي المتداخل مع بعضها لدرجة تدعو أحيانا إلي وصفها بالشرائح أو الفئات, بمعني رؤيتها وتحليلها في الحالة المصرية من منظور الثقافة العامة والثقافة المباشرة, فالثقافة المباشرة اختلاط الناس ببعضهم( أحدهم كان موظفا كبيرا في شركة عملاقة, وكان شيخه وملهمهHisMentor ميكانيكي سيارته, ونحن هنا إذ لا نحقر من شأن الميكانيكي أو قدره الإنساني, لكننا نتساءل عن إمكانياته الثقافية التي أهلته لإرشاد هذا الموظف فيما يخص بيته وماله, تربيته لأولاده وعلاقته بزوجته! حتما فإن ذلك الميكانيكي ببعض( الكاريزما, وكثير مما تلقاه من أفكار عبر شرائط الكاسيت وفي خطب ودروس الزوايا, وعبر الفضاء التليفزيوني والاجتماعي, تخطي حدود الطبقة, والجغرافيا, فانتقل بعلاقته مع الآلة( موتور السيارة) إلي عقل الرجل).من هنا يحدث الخلل في الشخصية المصرية, نتيجة الخلل في وظيفة الضبط الاجتماعي, وكما يقول النقيب فالوظيفة الأولي للثقافة هي التمكين( أي التوسع والانتشار والمزج والتركيب) في الحالة المصرية كان( الدين الأصولي) و(الغربنةWesternization) هما السائدين, أما دور مجلات مثل( أحوال مصرية) والديموقراطية) وجرائد مثل( المصري اليوم) ومسارح مثل( الهناجر- السلام- القومي) يظل محدودا للغاية وهوما يفسر انفصال النخبة( القضاة, الصحفيون, كفاية, المدونون)عن باقي الشعب, وهو ما قد يفسر أيضا أنك لو طلبت من متظاهرين ضد اجراءات الدولة في معالجتها لإنفلونزا الطيور أن ينضموا لمظاهرة للمثقفين في ميدان طلعت حرب( حركة أدباء من أجل التغيير- مثلا) لانفضوا من حولك ولا سار واحد منهم وراءك. إذن هي الشخصية المصرية التي تتشابه مع ذاتها حسب مصالحها, مستوي طبقتها الاجتماعية, نطاقها الثقافي العام, وثقافتها الفرعية, وارتباطا بالمصالح كما في حالة( العاملين بالبنوك, الشركات المتعددة الجنسيات التي ملأت مصر بعمال النظافة المعروفين بالـCareService والذين ما يأتون من الريف, كذلك تلك الأسر التي يرتبط وجودها بمن يعولونها في دولة معينة( الكويت) مثلا أو في السعودية, واختلافهم عمن يكون أهليهم في أوروبا أو أمريكا.إن الأزمة تتلخص بالضبط في حقيقة أن القديم يموت, والجديد لا يستطيع أن يولد. في هذه الفترة الفاصلة, تظهر الكثير من الأعراض المرضية. ننتقل في محاولاتنا الشاقة تلك للبحث داخل الشخصية المصرية لنقرأ سويا ما كتبه شاب تعرف إلي خدمة الإرشاد النفسي تحت عنوان( من أنا) بعدما طلب منه ذلك.( أنا شخص بسيط متغير يحلم ويحاول في إيجاد معني لحياته, يحب الناس ويخاف منهم ويأخذ فترة ليقتنع بحبهم دون خوف, أحاول دائما الخروج من الأزمات, حياتي ليست مستقرة كلما انتظمت في فترة سرعان ما تسقط مرة أخري, أحب الموسيقي والغناء والرسم, أغني في أصعب أزماتي النفسية وفي الحب أيضا, أرسم ولا أرسم أو لا أقتنع بما أرسمه, أحاول التغيير والتغير طوال الوقت لما أرسم الحياة أفضل, احتاج للتقرب إلي الناس وأخاف منهم ولكني أحاول, أحب الصراحة ولو كانت جارحة لأنها تضع المرء أمام نفسه من الآخرين, أكره الخيانة بحجم معناها وتوابعها, أحب الأطفال وبراءتهم لأنهم في اعتقادي لم يكتسبوا في أعمارهم الصغيرة سلوكيات البشر الشريرة, أكره السلطة بكل أشكالها لأنها تفقد الإنسان إنسانيته وكرامته وحريته, أحب النور والشعب والبحار والصحراء وكل شيء ليس له نهاية, أحب التأمل لأنه ينقي النفس ويجعل الإنسان يري ما وراء الأشياء من معان, أكره القسوة والدم والزحام والضوضاء, فكلها أشياء تؤدي إلي الجنون, أحب الصداقة الصريحة الخالية من أي مصالح سواء مادية أو معنوية والتي تبني علي العطاء المتبادل والحب, أحب المجتمع وأكره بعض سلوكياته والتي تحمل في طياتها التناقض والفوضي واللا مبالاة والتبعية, أتعاطف مع الفقراء لما يقع عليهم بين قهر واستغلال دون وعي, أحب أبي وأمي وأخواتي وأبناء أختي وأخاف عليهم جدا برغم ما تسبب فيه أبي وأمي من أزمات, إلا أنني أحترمهما وأحبهما وألتمس لهما الأعذار لعدم وعيهما, أكره الصمت والعجز والضعف, أخاف من المستقبل طول الوقت, متكاسل دائما أمام نفسي, أهمل في حق نفسي وصحتي ومظهري, لا أثق في نفسي بقدر يجعلني أندفع به مع الناس في محاولة لحل الأمور, عندما أقترب من الناس أجرحهم دون قصد!! لا أثق في الناس بسرعة وأتعمق في رصد تصرفاتهم ومدي طبيعتها والتحقق من زيفها, أكره من لا يتعامل بطبيعته ولا أحب التعامل معه) هذه المدونة المركبة المتشابكة, ربما كان خير ما نختم به هذه الدراسة, فهي تعكس نواح من شخصية المصري الآن في الألفية الثالثة( الخوف من الآخر- عدم الاستقرار- الصرامة- كره السلطة- كره الخيانة..). ومنها ننطلق إلي محاولة تطبيق الأسس الخمسة لقياس الشخصية كما هو متعارف عليها عالميا فهي:(1) الإنبساطية: الثرثرة, الطاقة, توكيد الذات. (2) التوافق: الحنان, التعاطف, الحب. (3) الضمير: مراعاته, التنظيم, الدقة, الحق. (4) العصاب: الثبات الإنفعالي, التوتر, المزاجية, اعتلال المزاج. (5) الانفتاح علي التجارب الجديدة: الذكاء, الثقافة, الاهتمامات, الاستبصار, القدرة علي الرؤية والابداع.من خلال كل ذلك نجد أن أمورا قد تراجعت بشكل كبير, وأخري تقدمت دون تشاؤم, لكن يبدو أن المزاجية والضمير هما أساس الشد والجذب في أبعاد الشخصية المضطربة هنا والآن. |