|
عندما يكون الجنون حلاً .... |
|
|
عندما يكون الجنون حلاً .... بقلم د. خليل فاضلالمقال الذي نُشر في (الميدان) الثلاثاء 29 نوفمبر2006 شعرة هى تفصل بين الواقع والخيال، بين الصدمة والكذب وبين العقل والجنون، ويقولون في المسلسلات و الأفلام الأبيض وأسود أنها شعرة: ساعة تروح وساعة تيجي، بمعنى أن المسألة قد تكون دورية، تتأثر بما يحدث في البيت، الأسرة، الحي، المدرسة، المجتمع، الدنيا. شعرة تفصل بين بولاق الدكرور (التى كانت تسمى الصين الشعبية من 30 سنة والآن ليس لها اسم)، حيث الناس يسلمون على بعض من شبابيك البيوت في العمارات المتقابلة، و بين الدقي الحي الغني، مسافة تسيرها البنت على الأقدام لتكون في نادى الصيد. (و الأمرـ بالطبع ـ ينطبق أيضا على الزمالك وبولاق أبوالعلا ، العباسية و هيلوبوليس ....وهكذا).
كانت حنان (بالطبع هذا ليس اسمها الحقيقي)، خائفة إلى درجة الموت، هُيئ لها أن الناس في شوارع القاهرة يطاردونها عن طريق المحمول، كل يتابع مع الآخر، وكأنهم رجال الأمن المدربين بأجهزتهم اللاسلكية، يجرون كما في الأفلام وفي مواكب المسئولين، و السيارات التى عادة ما تجرى وتسرع، و تعمل (غرز) أو تلعب (أتاري)، تبطئ من سرعتها عمداً، ليس دعوة لها للركوب، أو من باب المعاكسة، لكن سعياً إلى الأذى، تنفيذاً لمؤامرة محكمة، محكومة ومحددة، لها هدف وميقات، حتى وصلت حنان إلى العيادة النفسية، اعتقدت للوهلة الأولى، أنهم هناك ـ في العيادة ـ سيحكمون عليها، بالموت، بالسجن، بالعذاب (هو فيه عذاب أكتر من كده ...!!!). هكذا قالت لنفسها. جلست على الكرسي المقابل للطبيب النفسي. لم تطمئن إليه كلية،ً غير أنها ارتاحت لتوجيهاته بضرورة إبعادها عن (المجتمع)، وإدخالها إلى مركز للنقاهة و العلاج. كانت تعبانة جداً، منهكة للغاية ومرهقة إلى أبعد الحدود، سألها الطبيب النفسي عن حالها؛ فأجابت: باحس، كإن مخي مفتوح ومفضوح ومكشوف على الناس، مفشوخ على العالم كله، نعم، زي ما يكون فيه محطة إذاعة بتذيع الأفكار ليل نهار، وتعلن عن كل أســــراري، أحلامي وآمــــالي .... أصل الموضوع يعني كده بشكله العام، لا يخرج عن وسواس قهري شديد (أفكار متسلطة قهرية، عارف إنها غلط، تعذبك، وتضغط عليك، عارف إنها غلط، لكنك غير قادر على التخلص منها، وكمان تتمحور حول الدين أو الجنس)، إما اكتئاب، وما أدراك ما الاكتئاب في مصر، أو أن تصيبك لمحة أو لسعة أو نوبة من الحساسية المفرطة ... الشك الفظيع، أو العظمة اللي على الفاضي ( وطبعاً إنت شايف كل حاجة صح وفلّ الفلّ، وتنكر أي أمراض وأي اضطرابات، ببساطة لأنك شايف معظم الناس حواليك كده .. يا نهاااااار أبيض ؟؟؟. نمسك المزاج الشكاك ؟ Delusional Mood اللي هو ممكن يكون عند صاحبتنا؟ عَرَض له صفتين: الأولى يصطلح عليها بالحالة الضلالية أو مجموع الرغبات والإحباطات، الآلام والانهيارات، يعني الإحساس بأن كل شيئ مريب ومدبر و مخطط له، وأن ثمة أمر ما يجرى في الخفاء، و ان الغرض هو إيذاء الشخــــص المستهدف (المريــــــض). أما العرض الثاني فهو (إذاعة الأفكار Thought Broadcasting )...(حاجة كده زي الشيخ حسني في فيلم الكيت كات لما قعد يذيع كل أسرار الحارة، وهو مش واخد باله إن ميكروفون العزا مفتوح وإن كل الحارة وبتسمع كل حاجة ـ فضيحة بجلاجل يعني). شعور صعب جداً يحس فيه المريض بإنه (عريان) (مفضوح) ليست لديه أسرار، كل ما يكتم فلا يقال، معروض ومُذاع . هذين العرضين أساسين في تشخيص مرض فصام العقل ـ السكيدزوفرينيا SCHIZOPHRENIA ، و يأتي بعدئذٍ السؤال الصعب؟ هل هو مرض نعاني من أعراضه؟ أم نعاني منه عند التعرض لضغط اجتماعي فقط بمعنى أن يكون (جنوناً اجتماعياً)، أي أن الضغوط الاجتماعية الشديدة تؤثر سلبا على التوازن الكيميائي العصبي في أوقات الذروة، مما يتسبب في ظهور أعراض فصامية (لها رائحة الجنون) تستدعي العلاج و الراحة و الابتعاد عن مصادر التوتر... لكن لماذا تأخذ المسألة شكلاً دورياً (حكاية الشعرة دي التى بتروح وتيجي ؟؟؟؟؟ )، ربما لأن البذور و الأصول موجودة منذ الطفولة ... هنا يتخذ المرض العقلي مسمى (تشخيص) من سمياته العديدة هوس وسكيدزوفرينيا وجنون، والتي لها كلها أكثر من معنى. ولكثرة القيل و القال، و لتضخم حجم النظريات و الاجتهادات في هذا المجال الصعب المظلم،غالباً ما تغيب الحقيقة، فمع كل هذا التقدم العلمي لم يزل العلم والعالم، غير قادرين حتى بأحدث الأجهزة على التنبؤ بما سيحدث، ولا على تحديد ما كان، لأنه ليست هناك وسيلة (هنا والآن)، منظار أو سماعة أو تحليل يكشفان سر الجنون، معناه، و كينونته. لا يمكن لكل هذا أن يكون أو يتحقق إلا من خلال التواصل؛ فيكتسب المريض والمرض أهمية لأهله، لنفسه و للناس، فلربما ظن الناس في بعض كلامهم أنهم أيضاً ـ إلى حد ما ـ مجانين، مما يثير الذعر لديهم، لكن في كل الأحوال، يثبت بالدليل و البرهان أن الاضطربات الانفعالية في الطفولة تكاد تكون عاملاً أساسيا ومحركاً لنوبات الجنون المختلفة في الكبر، فها هى حنان (وهذا بالطبع ليس اسمها الحقيقي) ـ تعمل في محل ملابس جاهزة، و البنات اللاتي يعملن معها ينظرن إليها باحتقار (هكذا تحس هي)، وهي تقول (كإنهم بيقولوا كلام جوُايا، وبعدين يحصل ربط في دماغي، أتشتت وأحاول أثبت عقلي على كل اللي بيتقال، لكن يا أنجح يا أقشل وأُحبط وأيأس قوي). حنان غير متزوجة، عمرها 35 سنة تعددت علاقاتها (حوالي 10 علاقات ذكورية)، أحبت شخصاً ما، وضعت في جعبته كل آمالها، قالت لنفسها (لو اتجوزته هوصل معاه لمستوى اجتماعى معين، زي ما تقول كده هيشدنى لفوق يعني، أبقى كويسة بيه، بعد كده ..... وبعدين وللأسف، ألاقي العلاقة بتفشل، و تمر سنين وسنين، ولا أقولش لحد باحبك، ولا حد يقول لي باحبَك، ولا أصرح لِحَد بحُبي من الخوف، الخوف من الفشل والحسرة، الهم والغم والإحباط) . أم حنان صعيدية و أبوها دمياطي، غرقانة في الإحباط، تعرضت لإهانات شتى في المدرسة، كل أعراض الإهانت منذ الصغر، تعتقد (...) أن بعض المدرسين في مصر محتاجين إلى علاج نفسي مكثف (نظراً لمل تعرضت له من قسوة واسقاط وسوء معاملة بسبب وبدون)، كانت أمها تمنعها من الذهاب إلى المدرسة، لكي تغسل لها حاجياتها فلا تتمكن من الذهاب للتدريب الرياضي (ألعاب قوى ـ حتى تقوى وتثعر الغُلب والظلم والتحرش ـ ولم يكن الأمر مجرد ضلالة، لكنه ـ ربما ـ كان رغبة دفينة في التفوق الجسدي، بعدما أحست بالفشل في التفوق الشخصي، أو العاطفي، أي حاجة يعني )... المهم توفي الأب، وعندما سئلت حنان عن مهنة أبيها قالت (تاجر مخدرات!!!) .... قعد في السجن 5 سنوات، و اتسجن كمان قبل ما اتولدت، نشأته هو كمان كانت غلط، أبوه كان بيبعته يجيب له مخدرات، وكان بيطرده من البيت لو مالقاش. هنا نشأ الأب كمشروع تاجر مخدرات منذ نعومة أظفاره، اغتيلت براءته، وخَلَق جو المجتمع، الجيران، البوليس، التربية، السجن، كلام الناس ... اعتقاداً مستمداً من الواقع و من الحقيقة، اعتقاداً شبه راسخ بأنهم مطاردون، قالت حنان: (يا دكتوور يا دكتووور باحس إننا في مافيا كبيرة)، كان الأب ـ وهو صغير ـ يختلس القليل من المخدر لنفسه ليجمعه ثم يبيعه حتى يتمكن من الإنفاق على نفسه.في المدرسة كانت حنان مضطرة للبحث عن مصادر أخرى للدخل حتى لو كانت من الاقتراض لأجل غير مسمى من بنات الذوات في المهندسين ونادي الصيد، (لإن بعض المدرسين أرادوا لها أن تأخذ دروساً خصوصية عندهم)، لكنها ـ و لضيق ذات اليد لم تتمكن، سئلت حنان مباشرة عما إذا كانت (مجنونة)... ابتسمت في انهزام شديد وقالت (أنا تعبانة نفسيا قوي، اتعرضت لشبه اغتصاب كذا مرة، لبست قصير ومودرن (ستايل) واتصاحبت على ولاد وبنات دخلوني نادي الصيد، ما هو محطتين من بولاق الدكرور يا دكتور، شعرة بتفصل الحي عن الحي ده، والمصحف الشريف كنت باوازي عيال نادى الصيد بلبسي البسيط لكن الشيك والملفت قوي ـ ما هي شطارة يا باشا ... المهم وبكل الطرق الممكنة، اتعزمت على أعياد ميلاد وأكلت الجو، حاجة كده زى (خللى بالك من زوزو) هاهاهاهاي. حنان (مرة أخرى هذا ليس بالطبع اسمها الحقيقى)، لا تجالس الآن إلا الأطفال وكبار السن (ويمكن الصُم والبُكم كمان)، تعرضت لإهانات و إنتهاكات لا حصر لها من أعضاء في الأسرة ومن أولاد الحي، كل ذلك شكل تهديداً لتطوير (الأنا) لديها مما خلق نواة للرعب و الخوف والإحساس العام بالاضطهاد، بجانب اغتيال الطفولة بكل ما تحمل عندها ؟؟؟. أدت كل تلك الصدمات بدءاً من وظيفة الأب (كتاجر مخدرات)، إلى (سجنه) والتبعثر ما بين الحي الشعبي و الحي الراقي، وخطورة العلاقات داخل النوادي والتعرض للاغتصاب والحمل والإجهاض أكثر من مرة ... أدى كل ذلك مع العوز و الفقر، ضيق ذات اليد و الإنهاك المتوالي و المستمر إلى ما يصطلح عليه بـ "الشعور الفصامي" مما يطبع سلوك (حنان) وغيرها من النماذج البشرية بتفسخ الوجدان، الفكر، والشخصية، والذي يؤدي بدوره إلي عملية التغريب والانسحاب من النفس الحقيقية ومن المجتمع، وتأتي أشدّ صور الاضطراب عنفاً: التناثر Disintegration والذي يتفكك فيه الإنسان بشكل شديد وعميق، يعبر عنه العامة بأنه (اتبعتر ـ أوـ بس اسكت لابعتر كرامتك، وهكذا تتبعثر الكرامة بفعل القهر الاجتماعي، لا بسبب المرض أو تعكر كيمياء المخ العصبية.من المهم جداً ـ هنا والآن ـ أن نستمع إلى (المُصاب العقلي)، بصرف النظر عن أن الحالة فصامية Schizophrenic أم لا. لأنه وفي معظم دول العالم، أغلب الأطباء النفسيين لا يسمعون ولا ينصتون ولا يعطون وقتهم الغالي والثمين لا للمريض ولا لأهله، يندفعون إلي احتجازه وحقنه وكهربته، ونحن هنا لا نعارض الأسلوب الكيميائي في العلاج، بقدر ما نعارض استخدامه عشوائياً، تلقائياً، دون أدنى تمهل أو تأمل أو تفكير. في فيلم [دون جوان دي ماركو] مثل [جون ديب] دور المختل عقلياً، المصاب بهوس وفصام في التفكير معتقداً أنه [دون جوان] الذي تقع في حبه كل النساء، وكان يتقمصه زياً وصوتاً وحركات، حتى أنه وقف على سطح بناية مُتهيئاً للإنتحار، مما دعا الشرطة إلي وضع الطبيب النفسي [مارلون براندو] في صندوق كهربائي متحرك، حتى وصل إليه وأقنعه بما يشبه الحيلة بالعدول عن فكرة الانتحار، والذهاب معه إلى المستشفى، نجحت الخطة وأصر الطبيب في الفيلم على عدم إعطاء المريض أية عقاقير حتى اللحظة الأخيرة، لدرجة أن كل أطباء المستشفى لم يتفهموا وجهة نظر [مارلون راندو] في الفيلم وعارضوه بشدة، عقدوا لجنة استماع وتحقيق في الأمر، وقتها أعطي الطبيب [براندو] قرصاً واحدا للولد حتى يخفف أو يخفي أي أعراض لخيالات عشق، وبالتالي بدا طبيعياً رائعاً رائقاً مما أدهش اللجنة، كانوا معتقدين بأنه سيكون مخبولاً، المهم أن الفيلم بجانب كل ذلك يطرح أمراً شديد الخصوصية، هي أن ذلك العاشق المهووس قد نقل الفرحة وحب الحياة إلي الآخرين وأولهم طبيبه. في حالة [حنان] التي سبق شرحها، أعطيت الدواء اللازم، لم تربط بقميص الأكتاف، لم تعنف ولم تحجز وقتاً أطول، خرجت إلي بيتها وعملها، عولجت وتأهلت في بيئتها ومجتمعها.نعم حنان لم تشف نهائياً بمعنى أنها مازالت هشة، قابلة للإنجراح بسبب الظروف الضاغطة عليها لكنها تمشي وتسير وتعقل الأمور، من هنا يكتسب [الجنون] في المجتمع أبعاداً لايمكن تجاهلها. |