اهلا بكم في موقع الدكتور خليل فاضل

ما رايك ؟

الوسواس القهري
 

اخر اخبار الدكتور فاضل



حضر د. خليل افتتاح الاحتفالية المقامة بدار الأوبرا المسرح الصغير بدعوة من المجلس الأعلى للثقافة وذلك يوم الأحد 18/11/2007 وهناك التقى بعلي أبو شادى رئيس المجلس والوزير فاروق حسنى ، والشاعرين أحمد عبد المعطى حجازى ومحمد إبراهيم أبو سنة 
 
الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي يلقي كلمته
 


دعت رابطة الأخصائيين النفسيين المصرية (رانم) www.epranam.org   الدكتور خليل فاضل ليلقي كلمة في الجلسة الخاصة بالواقع العربي يوم الاثنين 19 نوفمبر 2007 الساعة 12 ظهراً في إطار المؤتمر الإقليمى لعلم النفس الذي يعقد في الفترة من  18/11/2007  إلى  20/11/2007  بفندق ميريديان هليوبوليس القاهرة 18-20 نوفمبر 2007
 


أفردت صحيفة الأهرام المصرية صفحة كاملة للدكتور خليل فاضل عرضت فيها آخر دراساته عن التعليم في مصر، وجاء ذلك في صفحة 27 المخصصة للشباب والتعليم يوم الإثنين 12 نوفمبر 2007، تحت عنوان في أول دراسة نفسية: مثلث المحنة في أزمة التعليم المصري ـ 1 الطالب2 المدرس3 النظام التعليمي
 


صدرت عن دار (ميريت) للنشر مجموعة قصصية للدكتور خليل فاضل تحت عنوان -
شادي عبد الموجود

 


صدرللدكتور خليل فاضل
عن دار ملامح
كتاب النفس والجنس والجريمة
 


عرض آخر منشورات د.خليل فاضل
شادي عبد الموجود

 

القائمة البريدية

قم باضافة بريدك الالكتروني حتى يصلك كل جديد الموقع






المتواجدين حاليا بالموقع

عدد زوار الموقع حتى الان



 



RSS Feeds

الأب حَبّة أسبرين يأخذها الأولاد بالتليفون إذا أصابهم صداع طباعة البريد الالكتروني



الأب حَبّة أسبرين يأخذها الأولاد بالتليفون إذا أصابهم صداع

بقلم د. خليل فاضل

المقال المنشور في جريدة الميدان الأربعاء 6 ديسمبر 2006

Image مما لاشك فيه أن مصر تعاني الآن من مشكلة تزيد يوماً بعد يوم، أننا قد  أصبحنا مجتمعاً يفتقد إلى الأب بمعناه الأرحب والأشمل والأفضل، يفتقد إلى وجوده النفسي، المعنوي والمادي،  بل والنوعي المتميز مقارنة بأجيال مضت مع التسليم بكل المتغيرات الاجتماعية (التي تسمى بالحراك الاجتماعي) وبكافة التغيرات الكونية، الاقتصادية، السياسية. فالطفل المصري لا ينتظر أكثر من أن يتربى في كنف والديه (وجود أبيه شخصاً وموضوعاً) وهذا حقه لا ينازعه فيه أحد ولا يمكن مناقشة أهميته تحت أي دعوى.

المسألة ـ للأسف  بدأت و منذ منتصف السبعينات تقريباً تأخذ منحنى خطيراً مهماً ، بل و قاسياً إلى درجة الوجع .. لقد أصبح غياب الأب نفسياً وجسدياً علامة فارقة للطفولة المصرية ، ولجيل المراهقين والشباب الحالي (تحديداً هؤلاء الذين ولدوا في السبعينات والثمانينات).  

ذلك أب .. ليست له أي وظيفة أسرية سوى بذر بذرة الحمل، بمعنى إيداع الحيوان المنوي في رحم امرأته من أجل ذرية صالحة أو طالحة، أب .. يكمل (أبوّته) تلك.. قبل ولادة أطفاله. وبعدئذٍ ينهيها.

أب .. أبوته، تعني ـ فقط ـ شأناً بيولوجياً محضاً، يبذر البذرة ولا شيء آخر.. ربما في عطلته السنوية التي يأتيها شهراً أو شهرين كل سنة أو كل سنتين، حتى وهو موجود في إجازته تلك، يكون مزعجاً للنظام الذي تعودت عليه الأسرة  بدونه، ويكون أيضاً غائباً نفسياً لا يكسب ولا يكتسب الاحترام في محيطه، وكأنه بنك متنقل ، أب (مختصر)، (مختزل)، لا يمكن أن يكون والداً، لكنه ـ مجرد أداة فعل للحمل.

أب لفعل واحد فقط، أب مع وقف التنفيذ، لا هو أب (جديد) ولا هو والد (قديم)، هو بصراحة (لا أب)، لا يترك وراءه أثراً يقتفى ، ليس له ظل إذا انتصب واقفاً في الشمس، أو مشى بعرض الطريق، لا يعرف أولاده ولا يعرفونه كأب فعلي يمارس الوالدية الصحيحة وأحياناً و بدون مبالغة قد ينسى أسماء أولاده و مدارسهم ! أب.. مفترض. أنه الذكر المُوّلد لذرية تفتقر إلى التربية وإلى عطاء الأب الفعلي..

سيكولوجياً ـ الأب حبة اللقاح، أب خيالي، (فانتازي)، يتصوره الرجال والنساء كفحل يلقح امرأته في زياراته العابرة، ورمز للعلاقة الجنسية الخاطفة (الناجحة)، هو كسوبرمان أو الرجل العنكبوت لطفلة صغيرة في غرفة صغيرة وبيت ليس به إلاّ الإناث و العرائس الصغيرة، هو من يمكن أن يتخيله الأولاد والبنات وهم يلعبون (بابا ده لازم يكون راجل كبير وضخم بحق وحقيق الرجل الأخضر Incredible Hulk ).

      بشكل أو آخر هذا الأب هو نتاج مؤكد لعصر العولمة والتكنولوجيا والمعلومات، ونتاج للهجرة الذكورية إلى بلاد الواق واق. هو حتى لو كان (صعيدياً) يبني المدن الواقعة وراء البحار والصحارى، أب (مودرن) ، أو أب (ما بعد الحداثة)، أب (شجاع) وجديد جرئ يتحمل الوحدة ويتجرع الصبر ويقطع المفاهيم القديمة للأبوة بسكين بارقة في الظلام ، سكين قاتلة للأمان.

      أب ابن عصر السوق المفتوحة. أبو (الكاش) والتحويلات البنكية التلغرافية، أب عبر الهاتف والموبايل والفاكس والكاسيتات التي يحملها القادمون. أب تباع أبوته وتشتري كأي سلعة ،  (فهو قد يشتري من يحلّ محلّه بالهدية والكلمة الحسنة أو بالمال، تمشياً مع مبدأ ـ الصحة لمن يدفع أكثر – ماتخافوش خالكم هيربيكم ، هسمَى الولاد على اسمه و اسم عيلته ، والبنات على اسم مراته و أخواتها عرفاناً بالجميل ) ، أب بالقطعة يمكنك التعامل معه كحبة أسبرين إذا داهمك صداع تتناول علبتها من فوق الرف. وطبقاً لمبدأ الحداثة فإن ذلك الأب يمارس أبوته دون رجولة، ودون قواعد يفرضها النوع. أب مثالي لنوعية من الناس  يعتقدون بأن الرجل في البيت ، إما ليس له لازمة أو أنه جزء من مشكلة كبيرة . ولكافة الأسباب السابقة فإن الأب حبة اللقاح يمثل موجة من موجات المستقبل ، يمثل أقلية لها وزن نمت بسرعة في مصر يمكن تصورها بحوالي (30%) ومع كل سنة تمر علينا فإن هناك أطفال يولدون أكثر لآباء حبة اللقاح.

وهكذا وكأن الأزواج وزوجاتهم في كثير في الأسر قد ابتعدوا مسافات ومسافات ، كَمَن كل منهما في دائرته المغلقة، الأب في غربته التي أصبحت فيها الوحدة و الاكتئاب تونسانه ، انتزعت منه الوحشة والحساسية ،  وصار في مكانه النائي ذلك، يشحذ التحيات والهمهمات. يتوحد مع مباريات كرة القدم، أو الجلوس على مقاهي (ديكور) أو محلات (الفول والطعمية) ، تصغر الوطن وتختزله جداً في صورة تتهشم بسرعة. وهي زوجته  أغلقت عليها أبوابها ، نامت مع أحزانها وأولادها تضم أو لا تضم صورة الرجل الحاضر الغائب، المفقود، تتغضن ملامحها، وتفقد النضارة وعندما يعود وتلتقي الدائرتان تتماسان في أشكال شبه مستحيلة مستغربة وغير متحققه إنسانياً. المشكلة إذن أن تلك الوالدية الناتجة عن (الأب حبة اللقاح)، والأم الحاضنة لأولادها في دائرتها المغلقة ، تزرع في المجتمع مفاهيم مبتورة عن الوالدية والأسرة والزواج، والأسرة (هي التي تأسر أعضاءها إليها ولا تدعهم ينفكون عنها لا بالهجرة ولا بالشرود)،  و(الزواج) يعني أن يكون الرجل والمرأة زوج للآخر ، معه حوله لا يمكن أن يتحقق من على بعد) إذا اختل بعض أو كل ذلك تزعزعت أركان المجتمع واختل المفهوم الأسري الموحد المتوحد القوي والشامل.  

يهتز مفهوم الوالدية، ويتصدع مصطلح التربية وبعد أن تطول هجرة هذا الأب حبة اللقاح ، يتعوّدها ، ويفقد اسمه معناه ، تتغير ملامحه وتبتعد تشكيلته الاجتماعية والنفسية عن روح امرأته وأولاده... المصيبة الكبرى التي وقعت هي أن بعض - إن لم يكن أغلب هؤلاء الأولاد- لا يرون ضرورة أو احتياجاً لهذا الأب.. ونجدهم يصابون باضطرابات نفسية اجتماعية تتمحور حول الإحساس بعدم الأمان وفقدان الثقة بالنفس،  هنا ينبغي أن نناقش مفهوم الأبوة ومعنى الوالدية في مجتمعنا وإمكانات تصحيحها أو تيسيرها أو تفادي آثارها السلبية في ضوء القسوة الاقتصادية البالغة التي تطحن الناس، والشهية المفتوحة جداً للأولاد على كل ما هو مثير من موسيقى وموبايلات ودروس خصوصية وسفر للخارج وملابس ماركتها عالمية (Designer).

      كل سنة تمر بنا يتراكم ويكبر وجود الأب حبة اللقاح في مجتمعنا ، ويحتل حيزاً من ثقافتنا ومسلسلاتنا وفننا الرفيع. عضوياً ـ هذا الأب ـ متخفي، لبس طاقية الإخفاء ومضى يسعى... يحتل لا مكان، وهو كذكر وَلاّد يحتل مساحة كبيرة ، يلقي ببذرة، يزيد بذوره ويزيد من الكثافة السكانية ويمضي، وكأنه المقصود بتلك الأغنية التي لاقت نجاحاً ورواجاً في وقت ما في أول الألفية الثالثة 2003-2004 (بابا فين؟!) يغنيها أطفال تركوا لوحدهم فلا نرى في مشهد الفيديو كليب، لا أم ولا خالة ،  وإنما عيال يمرحون ويرقصون  ، ثم سائل متسائل في التليفون (بابا فين؟...) فعلاً (بابا فين؟!).

وإذا تخيلنا أننا سنؤلف أغنية تناسب مفهوم الأب حبة اللقاح لوجدناها تدور حول: أين بابا.. عايزنى صحيح؟ فين هو .. مسافر.. شافك وأنت صغير.. هيجيلك وأنت كبير.؟!

ـ بيحبنى !! طبعاً و فخور بيك ؟

ـ طيب هو مشي ليه؟!

ـ عشان يجيب فلوس؟! فلوس كتيرة قوى...

وهو شخصية فيلمية كارتونية مضحكة ومبكية في آن واحد، ولا يمكن أن ننسي فيلم (عرق البلح) للراحل رضوان الكاشف الذي صور فيه ببراعة نزوح كل الرجال عن القرية التي تركت لنساء متعبات منهكات نفسياً وجنسياً.. ومعهن مراهق وعجوز، وعندما عاد الرجال ، عادوا مشوهين مضطربين وعاجزين نفسياً وجنسياً،   أحياناً ما يتأصل مفهوم (المرة الدكر) التي تربي وتدافع وتحمي وتقاتل الأسود والأبقار في مجتمعات  ضاعت واهترأت فيها القيم.

      إن فلسفة الأب الغائب نفسياً وجسدياً أو أيهما، أصبحت سائدة  في الخطاب الثقافي اليوم ، ومعظمهما للأسف ـ قد أصبح ـ يعتمد على النصح والوعظ والإرشاد ، أو على التفكير الرغائبي (التمني ـ الحلم ـ الابتعاد عن الواقع قدر الإمكان وإنكاره والعبث به)، (وإيه يعني ما هو الأم بتقوم بدور الأب وخلاص) وقد يقود الخطاب إلى تبرير متدني مثل (قضا أخف من قضا) (أب غائب أحسن من أب فاسد أو من أب ميت ؟!  وهكذا).

      بمعنى آخر تغيرَ الموضوع؟،، وأصبح الأمر جد خطير لأن الأولاد يضيعون فيه، لا نركز عليهم وعلى مستقبلهم ،  وإنما نتجه إلى مناقشة أحوالنا نحن. هنا يصبح القلق العميق  متجذراً فينا ، وكأنه لا توجد مشكلة، ولا يوجد أطفال يعانون ولا توجد أجيال قادمة يتهددها خطر التفكك والشرذمة.

      ربما لم يعد لنا سوى إعادة تعريف الأبوة وفق منظور اجتماعي مهشم ،   نتساءل ما هو دور الأب البيولوجي لأي طفل؟! هل كان مستعداً للعب دورة الحقيقي كوالد، مربي ومسئول؟! بمعنى آخر،  جلّ ما نخشاه هو تصدع مفهوم الأبوة ، كما تصدعت مفاهيم أخرى منها (المعلّم) و(المهندس) و(الأستاذ) و(الدكتور) ،    وارتمت تحتها فئات لا تدري كنهها أو ماهيتها، هل يصل الأمر بطرح حاد وجرئ [ليس كل الذكور رجال وليس كل الذي يخلّف أب].. هل أصبح الأب عاملاً زواجياً تولد له أطفال ليربيهم الآخرون (الأم ـ الجدّ ـ العمّ ـ الخال وربما الجيران؟!) وهنا تنزع من الأمر روح النص، فلا يوجد أب، ويوجد آخرون يلعبون دور الأب..؟!

الأب يعني في المفهوم الأسري، الاجتماعي والتربوي، الرجل الذي يعرف كيف يربي أولاده في مواجهة (أسرة قد تتكامل بدون الأب)، بصرف النظر عن عيوبها، نواقصها التي تنطبع على كل فرد حسب حاله ونوعه ونوعيته! ويصبح الأب حبة اللقاح عدوانياً على الذرية وعلى شكل الأسرة بل ومؤسساً لمفهوم (اللامبالاة والأنامالية).

وإذا سَرَى مفهوم الأب حبة اللقاح وانتشر ،  وإذا صرحت النسوة أنه لا لازمة إطلاقاً لعودة ذلك الأب فإن الأمر  يحتاج إلى مراجعة شاملة


 
< السابق   التالى >