 نشر يوم الجمعة 5 يناير 2007 في ص 2 باب (7 أيام) المخصص لكبار الكتاب مقالا للدكتور خليل فاضل 
التعصب..وفلسفة الإنكار بقلم الدكتور خليل فاضل يدعونا الجدل العام الدائر في مصر الآن،ربما إلى الخوف والإحساس بعدم الأمان وفقدانه من صورة أو مشهد أو خبر إلى تأمل ما جرى، ما يحدث، وما يمكن أن يكون. كما في العلوم النفسية والسياسية كما في أمور الدين والاقتصاد, وكما في كل ما يخص الأمور الحياتية عامة, تبقى حقيقة واحدة كبري, ناصعة ساطعة كالشمس ألا وهي أن أخطر الناس قاطبة هم أولئك الذين يعتقدون انهم يعرفون الأفضل والأنسب والأصلح للآخرين, نعم هناك من يحاول فرض تعريفه للأشياء على الناس, تعريفه هو وفهمه هو على الواقع بكل قتامته وعبثه, وأحيانا بكل ميوعته ولوعته وغرابته, في كل هذا قد يشترك المتطرفون: أصحاب القوة, النفوذ, المال, السجانون, وأحيانا الزوج, الزوجة, مدير الإدارة, كبير القوم, مدير المدرسة,رجل الدين، وحتي الطبيب المعالج, إلى آخر القائمة. معظم هؤلاء يحاولون وينجحون أحيانا في فرض تعريفهم للأشياء، بل ويعيدون بكل جرأة إعادة تعريف البديهيات, يرغبون في فرض تعريفهم للواقع وللحقيقة أيا كانت مُرّة أو عارية... يفرضونه على الدنيا, كل هؤلاء ينكرون وبشدة أنهم على المستوي الواعي واللاواعي ـ حقيقة لا يرغبون الا في السيطرة على الآخرين, وفي قضم كرسي السلطة قبل الجلوس عليه, والإمساك ببقوة بتلابيب مناطق السيطرة والنفوذ،بأي شكل وبأي طريقة بمعني أعمي، بقلب ميت وبسلاح فتاك, وهم في كل موقع وفي كل مناسبة يبررون ذلك بأنهم وحدهم ـ الذين يملكون المعرفة الواسعة والعلم الغزير, والخبرة والحكمة التي تؤهلهم ـ من وجهة نظرهم لمعرفة الحقيقة وفرضها فرضا قسريا خالصا على الآخرين, حتي لو كانوا خارج حدود بلادهم, فما بالك بهؤلاء الذين يعيشون بينهم تحت سقف واحد. ونحن أمام سطوة الكلمة وقعقعة السلاح أحيانا نجد انفسنا في حالة من القهر خوفا من فناء الذات والجسد, ونخاف ـ أيضا ـ خوفاً مرضياً مرعباً رهيباً من عذاب القبر؟؟؟ ونحن أيضا في خضم حياتنا إليومية العادية الروتينية المزدحمة المتأججة نبحث عن لقمة العيش المغموسة بالهم والدم والعرق والدموع، في خضم كل هذا ننسي ذلك القلق المستمر العميق داخلنا, وتظهر على قسمات وجوهنا علامات البلاهة والعقم والعجز وعدم القدرة على الفهم, فهم الأولويات المتحورة حول الصدق والحقيقة أيا كانت هي جارحة ومثيرة للتعب والاشمئزاز أحيانا, هذا العجز وتلك البلاهة هما اللذان يقودان أولئك إلى إحكام السيطرة وفرض تعريف الأشياء علينا دون مبرر, ومن ثم فإن صوراً كثيرة للانتحار (الأخلاقي, القيمي, الانساني والجسدي) تتناثر هنا وهناك, كورد النيل العابث الطافي على سطح مياه راكدة آسنة لا تجري ولا تروي. نعم. هؤلاء الذين يحاولون فرض آرائهم ورؤيتهم بأي شكل, يغذيهم احساس نرجسي قاس, يؤججه حماس فردي يمتزج فيه حب الذات بحب الجماعة, فتختلط الأمور ما بين الصالح الخاص والعام, فتختفي أو تتخفي المصلحة الحقيقة وراء دوافع فردية لأناس يعوزهم الإحساس بالأمن والأمان؛ فيهاجمون الحابل بالنابل في حالة من الفوضي ظاهرها التنظيم, تقترب إلى حد كبير من شفا الجنون حيث لا مجال للمناقشة أو الفهم لأن ثنائية التفكير الاحادي صماء: أبيض وأسود, ليل وظلام, كفر وإيمان, هكذا دون مواربة ودون أدني مساحة للتفكير, وكأنه خط القطار الذي لا يتعرج ولا يحيد ولا يتوسع لا أفقيا ولا رأسيا, بل لا يتوقف عند محطة أو محطات, كل همه أن يأخذ في طريقه البشر مستغلا أحزانهم وآلامهم, مآسيهم ونقاط ضعفهم, يغذي كل ذلك فساد الآخرين, الذين هم من ناحية أخري يمهدون الطريق ويرصفونه للفكرة الصلبة المتصلبة والمتعنتة. الحل. من وجهة نظرنا لا يكون فقط بالتصدي لهذا الطرح، ولا بالحوار فقط, لا لشيئ إلا لأن القطار لا يمشي الا على خط واحد, يكون الحل بتقوية مناطق الضعف لدينا، تقوية النفس والذاتى وإحياء الضمير، المحافظة على نظافة اليد واللسان، هنا يكون في إمكاننا قهر الحُجة, ليس بالحُجة فقط, وإنما بالثراء الداخلي, والغني الرائع الذي لن يجعلنا فقط في موقع الروعة، والنظر من الشرفات على الحدائق والسحب, لكن أيضاً في امتلاك تلك القدرة النادرة الساحرة على النظر إلى الأرض اليابسة وهي تنتظر لمسة الاخضرار.
|