| المقال المنشور في الميدان الأربعاء 10 يناير 2007 |
|
|
|
المقال المنشور في الميدان الأربعاء 10 يناير 2007 بعنوان : (مرض) شراء مستحضرات التجميل هوس شراء مستحضرات التجميل" صرعة الإسراف في استخدام مستحضرات التجميل والإكسسوارات " ذلك المرض القاسي المسنزف لموارد المصريين، في وقت هم في أمس الحاجة إليها. إن صناعة مواد وأدوات التجميل أصبحت رائجة في مصر والعالم العربي وفي كل أنحاء العالم تقريبا بشكل لم يحدث له مثيل في العصور السابقة .البنت تتزوق ، تتبختر ، تغير الماكياج كل صباح ومساء. تتفنن في أن تبدو أحلى وأجمل وأكثر إثارة، وربما أكثر غرابة، أو أن تكون مختلفة، والموضوع - فعلا ـ يصل إلى حد الهوس بدءا من كيلو البودرة وطن أحمر الشفاه إلى البساطة الساحرة، ولكن في النهاية فإن هذه الصناعة الرائجة، والتجارة الرابحة لا تهدأ، بل تستمر وتشتعل وتمتلئ من وراءها جيوب، وهي تبدو على وجوه معروفة أو وجوه جميلة غير معروفة، على صفحات المجلات المصقولة، وفي إعلانات التلفزيون المبهرة، الجرائد، الإنترنت، في الشارع، في السينما، وعلى قارعة الطريق ، بنات من الجنة حوريات يضعن تأثيرات لها فعل السحر تغري البنات بالتجربة، وتثير غرائز الرجال على مختلف أعمارهم ، تبدو البوصة عروسة ويتشكل الحلم من الفضاء، شباب، نضارة، حيوية، رغبة وجمال دائم (لا يزول) ـ هكذا تقول الإعلانات. ترى ما الذي يمكن أن يحدث إذا ما اختفت تلك المستحضرات السحرية المسحورة (فجأة) كما اختفى (البنزين) فجأة من محطات البترول في أوربا ؟!… ماذا تفعل البنات والستات من غير البودرة وأحمر الشفاه؟ ، الكحل والريميل وطلاء الأظافر، ناهيك عن الصابون المخصوص والمعطر الذي ينعم البشرة، وناهيك عن الرموش الصناعية وسبراي الشعر. إلى آخر تلك القائمة من عدسات تلون العيون إلى الأزرق والأخضر والأظافرالتي لها شكل ساحرات هوليوود. معظم الناس يحتاجون إلى صابونة من التموين أو من الدكان تحت البيت أو شامبو من الصيدلية المجاورة ؟ لكن الحقيقة العارية هي أن معظم الناس ـ بالتحديد الجنس اللطيف ـ (على الرغم من أن الرجال يكحلون عيونهم ويطلون أظافرهم بطلاء شفاف في بعض البلاد العربية) يحتاجون إلى GEL للشعر والى أدوات ماكياج وإلى أشياء أخرى غريبة وجديدة . لقد صار شراء كل تلك الأشياء (ضرورة حياتية) مثل شراء الأكل والشرب، ومثل شراء مستلزمات البيت الأساسية، لاغنى عنها. هناك الموسوسين بشكلهم، بصورة جسدهم، الذين يأخذون المسألة جد إلى حد الهوس. فيصرفون ما يملكون ويقترضون ما لا يملكون، وينفقون الوقت في الشراء، التحضير، وفي التجميل نفسه، في عملية التغطية، عملية الظهور بمظهر مختلف تماما عن الواقع. أي إن الآنسة أو السيدة إياها ستكون لابسة قناعا، لأنها غير تلك التي صحت من نومها في الصباح إلا إذا كانت قد نامت بمكياجها؟؟؟ وهذا أسوء بالطبع . تحكي سيدة أمريكية قائلة أنها تصرف كل أسبوع اكثر من 100 دولار على الشامبو و(الكونديشينر) فقط، تقول: "أخرج في الأسبوع عدة مرات، فقط لشراء مستحضرات التجميل، خاصة تلك المتعلقة بالشعر. أنا لا أتمكن من الدخول إلى صيدلية أو سوبر ماركت بدون شراء مستحضر تجميل، أنا موسوسة أبحث عن الأفضل دائما .هناك آخرون يشترون ما يريدون وما لا يريدون من كتالوجات يطلبونها عن طريق البريد أو الإنترنت، وتكلفهم مبالغ طائلة، تقول سيدة أنها تصرف بجنون لتغطي منطقة من وجهها لكي يبدو أكثر بياضا من باقي الوجه ، جربت كل مستحضر جديد في المحلات، ولم يفلح أي منهم إطلاقا، خاصة إذا وضعت الطلاء أو المسحوق ثم انهمرت دموعها أو انهمر المطر المشهورة به أوربا وأمريكا، ومن ثم فهي تبحث عن مستحضر مقاوم للمطر ( ووتر بروف ـ يعني ) ولا تفكر تلك السيدة أنها تخجل من تورطها في هذا الفعل القهري، وتقول بشيء من الإحراج (أعتقد إن الباعة يظنون أنني مجنونة ؟!.. ). والرجل ليس مستبعدا من الأمر، فهناك (جون) الذي يذهب إلى محل تلو الآخر ومن صيدلية لأخرى باحثا عن علاج لحب الشباب. ويقضي ساعات ويصرف ما يفوق الـ 120 دولارا أسبوعيا على تلك المستحضرات ، علما انه لا يمتلك مثل هذا المبلغ، وهو يصف سلوكه بأنه وسواس قهري لا يستطيع ولا يتمكن من مقاومته ، ومن هنا بدأ عنده إحساس طاغ بالقلق والتوتر النفسي العالي إذا لم يذهب في رحلاته المعتادة للبحث عن حل وعلاج لحب الشباب هذا. ووصلت حدة الوسواس إلى درجة أنه اضطر إلى السرقة لكي يحصل على علاجه عندما لم تكن لديه موارد للإنفاق على بشرته ؟!.. أما هوس شراء الملابس والإكسسوارات فهو بالطبع مكلف للغاية ومضيع للوقت جدا. لكن من المثير أن البعض يتجنب تجريب الملابس التي يشتريها في المحلات نظرا للضيق الذي ينتابهم من الظهور أمام المرايا المختلفة العاكسة والكثيرة، لكن هناك من يدمن على الذهاب إلى تلك المحلات !.. محلات الملابس والإكسسوارات ، يجرب ويحتار ثم يختار ـ فقط ـ لا لكي يبدو في أجمل زينة فقط، وإنما ليلفت الانتباه ويدير الرؤوس. يعتقدون أن الأمر محض اكتئاب وانعزال وخوف من مواجهة الآخرين . لكن إذا ما صارح المريض أو المريضة أحد أقربائه سيكون محرجا للغاية ـ ببساطة لأن هذا الاضطراب الجسدي غير شائع وغير معروف. إنه اضطراب مثير للاهتمام يجب أن يخرج إلى النور. حتى يعرف المصابون به ماذا أصابهم ، فالكثيرين قد يستمدون من معاناتهم في صمت، خجلة، محرجون، منعزلون وغير مفهومين. كانت أمراه متزوجة منذ خمسين عاما لم تخبر زوجها مطلقا عن قلقها ووسواسها الشديد بخصوص مظهرها، كان ذلك بمثابة حاجز سميك وقوى بين الزوجين، فالمرأة تفكر وتنشغل وتنزعج كثيرا بالأمور التي تخص مظهرها وشكلها، ولم تتمكن قد من مشاركة الهم مع زوجها ويظل الأمر سرا لا يذاع ولا يباح به إلا إلى الطبيب . وأهم سبل العلاج يعتمد على البوح لغير الطبيب لأن سرية العرض هي أهم جزء من عملية الاضطراب، لكنهم دون مساعدة لا يجرءون على الكشف عن سرهم لان الأمر ينطوي على ما يشبه (الإذلال). وعلى خلاف ما يعتقد فإن الاضطراب موجود لا يشخصه الأطباء بسهولة، ويحتاج إلى صبر وجهد ومهارة خاصة للإجابة على أسئلة مركبة معقدة قد تستدعي بحوثا وجهدا ليس بالهين أبدا . |
| < السابق | التالى > |
|---|