الولايات المتحدة عند نقطة الغليان: حين يتآكل نسيج الأمة

الولايات المتحدة عند نقطة الغليان: حين يتآكل نسيج الأمة

كتب محمد مساهل في «المصري اليوم» 30/1/2026 تقريرًا عن تآكل نسيج الأمة الأمريكية، استنادًا إلى «النيويورك تايمز»… لم تكن أمريكا يومًا مجتمعًا سهلًا أو منسجمًا بالكامل، لكنها كانت تمتلك دائمًا ذلك «الغراء» الأمريكي الغامض الذي يعيد لصق الشقوق كلما اتسَّعت. كان هناك شعور عام بأن النظام، رغم صراعاته، قادر على إعادة إنتاج نفسه. لكن ما يرصده فريدمان يتجاوز لحظة اضطراب عابرة؛ إنه يشبه اللحظة التي تهتز فيها قِدْرٌ فوق لهبٍ عالٍ، يعلو فيها البخار، وتبدأ الانفجارات الصغيرة على الجوانب، قبل أن يغلي كل شيء ويطفح. فهو يقول ما يهمسه كثيرون في الداخل الأمريكي: نسيج الأمة يتآكل، والحلم الأمريكي لم يعد قادرًا على إخفاء الشقوق التي تتسِّع كل يوم.

إن الأمر لا يتعلق بحدث واحد، ولا بانقسام حزبي عابر، بل بعملية تراكم طويلة تصل الآن إلى ذروتها. أمريكا اليوم منقسمة إدراكيًا، وجدانيًا، ومعلوماتيًا، وأصبح الأمريكي يعيش في عالم معرفي مختلف تمامًا عن جاره؛ كل منهما لديه «حقائق» منفصلة، و«واقع» موازٍ، و«أعداء» مختلفون. وما كان يُسمّى في الماضي «الجدل السياسي» تحوّل إلى معسكرات مغلقة، تتحرك بدوافع خوف، وغضب، وإحساس بالتهديد الثقافي، وهذه هي بيئة الغليان النموذجية.

قد يبدو الحديث عن «نسيج الأمة» تعبيرًا أدبيًا، لكنه في الحقيقة وصفٌ دقيق لبنية اجتماعية ونفسية معقدة؛ فالنسيج ليس مجرد مؤسسات، بل هو منظومة عميقة من الثقة المتبادلة، والحد الأدنى من الاتفاق حول ما هي الدولة، وما معنى المواطنة. وحين تتآكل هذه العناصر، يبدأ المجتمع في التفتت مثل قماشة تُسحب منها الخيوط واحدًا بعد الآخر.

وما يرصده فريدمان، ويلاحظه كثيرون في الداخل الأمريكي، هو أن هذه الخيوط تتقطع بالفعل؛ فالصراع لم يعد بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري فقط، بل بين رؤيتين متعارضتين جذريًا للبلد نفسه: هل هي أمة مهاجرين مفتوحة، أم قلعة بيضاء مقفلة؟ هل هي ديمقراطية تعدّدية، أم دولة قومية ذات هوية محدَّدة؟ هل هي دولة قانون، أم دولة تنفجر فيها المؤسسات تحت ضغط الغضب الشعبي؟

وتزداد الصورة قتامة حين ننظر إلى البُعد النفسي للحظة الراهنة؛ فالمجتمع الأمريكي يعيش حالة إجهاد عصبي جماعي؛ الأعصاب مشدودة، الحساسية عالية، والإحساس بالخطر منتشر. كل حدث صغير قادر على إشعال ترند، وكل فيديو قادر على إشعال مدينة. إنها «سيكودينامية الغضب» حين يختلط الخوف بالامتعاض، ويشعر الفرد بأن وجوده الثقافي أو الاقتصادي مهدّد، فيتحول إلى حالة دفاعية شرسة.

وليس من قبيل الصدفة أن تتعرض المدن الكبرى، مثل نيويورك وشيكاغو وسان فرانسيسكو، لتراجعٍ واضح في الشعور بالأمان؛ فصور النساء والرجال وهم ينتقون طعامًا من الشوارع في ظل موجة المشردين والمهاجرين الجدد، ليست مجرد مشاهد إنسانية، بل مؤشرات على تغيرات بنيوية عميقة في علاقة المواطن بالدولة. كيف يمكن لمواطن أمريكي أن يشعر بالطمأنينة حين يرى مؤسسات الدولة عاجزة عن السيطرة على الحدود، وعن احتواء أزمة المهاجرين، وعن معالجة التشرد، وعن وضع حل حقيقي لمعادلة «الثراء الفاحش مقابل الفقر الفاحش» التي انفجرت في العقد الأخير؟

ولعل أخطر ما يشير إليه فريدمان هو السؤال عن قدرة الدولة نفسها. الولايات المتحدة، رغم قوتها الاقتصادية والعسكرية، تبدو اليوم كدولة منهكة بالصراعات الداخلية، وبالاستقطاب الإعلامي، وبالاقتصاد الذي يزداد تفاوتًا، وبثقافة السلاح التي تجعل أي خلاف مرشحًا للتحول إلى مأساة. إنه الإنهاك الذي لا يظهر فقط في السياسة، بل في الشوارع، وفي المدارس، وفي الجامعات، وفي المستشفيات؛ الإنهاك الذي يجعل الأميركي العادي يشعر بأنه يعيش في بلد بلا بوصلة.

إن الأزمة ليست فقط اجتماعية أو سياسية؛ إنها أزمة خيال. فالحلم الأميركي نفسه يواجه اختبارًا قاسيًا؛ كان هذا الحلم يقوم على ثلاثية بسيطة: العمل الجاد، الفرصة المتاحة، والحياة التي تتحسن مع الوقت. اليوم لم تعد هذه الثلاثية مضمونة، ولم يعد العمل كافيًا لضمان الاستقرار، ولم تعد الفرص متاحة للجميع، ولم يعد الناس واثقين أن حياة أبنائهم ستكون أفضل من حياتهم. وهذا هو أخطر ما يمكن أن يصيب أمة بُنيت على فكرة «الأمل» أكثر من أي شيء آخر.

الولايات المتحدة عند نقطة الغليان… لكن السؤال الأعمق هو: هل تمتلك القوة الأخلاقية والنفسية لتخفيض النار قبل أن يفيض القِدْر؟

Leave a Reply

Your email address will not be published.