حضرت إلى العيادة النفسية اليوم سيدة ريفية جميلة وبسيطة، دخلت الزواج بقلبٍ أبيض، تخيلت أن بيت زوجها سيكون سترًا وسندًا. لكن الذي استقبلها لم يكن الزوج وحده، بل أيضًا أم قاسية وبيت عائلة مغلق على الرحمة، لا مصروف في يدها، ولا إحساس بأنها إنسانة لها قيمة. كلما طلبت مصروفًا سمعت الجملة المُهينة: «ما أنتِ بتاكلي وبتشربي وبتنامي… احمدي ربنا». كأنها متسوّلة في ملجأ، لا زوجة وشريكة حياة.
بالتدريج بدأت الفتاة تتكسر من الداخل. دخل عليها الاكتئاب مثل الليل، وهي حامل في شهرها السابع. تحتاج إلى الأمان والاحتواء، ومن حولها يدفعونها ناحية الانهيار والجنون… هربت إلى بيت والديها، تبكي الأم وتسألني: «نطلّقها يا دكتور؟ لكنها حامل!». والسؤال نفسه مرعب، لأننا أحيانًا ما نتعامل مع الزواج كأنه سجن مؤبد، حتى لو كانت المرأة تنهار عقليًا.
في بيوت كثيرة في مصر، قد يكون العنف إهانة يومية، أو تحقيرًا مستمرًا، أو حرمانًا ماديًا، أو سيطرة تخنق الروح، حتى يصل الأمر إلى كسر نفس شابة إلى درجة أن عقلها لا يعود قادرًا على الاحتمال.
وأخاف جدًا من مجتمع يدخل فيه الطفل بين مطرقة أب قاسٍ وسندان أم مكسورة نفسيًا، ثم نسأل بعد سنوات: ما الذي حدث لهذا الجيل؟
في مصر، خصوصًا في الريف وبعض البيئات الشعبية، لا يتزوج رجل من امرأة فقط، بل أحيانًا تتزوج المرأة «منظومة كاملة»؛ أمًّا، وأختًا، وخالة، وعمًّا، وتقاليد قديمة، وقوانين غير مكتوبة، ونظرات مراقبة. وحين تبدأ المشاكل الزوجية، يتحول الخلاف إلى ما يشبه «المحكمة العائلية المفتوحة»، حيث يتكلم ويُحاكم الجميع، بينما يضيع الزوجان نفسيًا وعاطفيًا وسط هذا الزحام الخانق. لذلك ليس غريبًا أن ترتفع معدلات الانفصال والخلع في البيئات التي يختنق فيها الزواج داخل بيت العيلة.
المشكلة ليست في «الأهل» في حد ذاتهم؛ فوجود العائلة قد يكون أحيانًا مصدر دعم واحتواء وحب حقيقي، لكن الكارثة تبدأ حين يتحول هذا الدعم إلى سيطرة، ويتحول الابن المتزوج إلى طفل صغير يعيش تحت جناح أمه، لا يستطيع أن يقول لها «لا»، ولا يحتمل أن يغضبها؛ فيترك زوجته وحدها تدفع الثمن النفسي كله. هنا تدخل الزوجة بيتًا لا تشعر فيه أنها «سيدة بيت»، بل موظفة تحت الاختبار، مطلوب منها أن تثبت حسن السلوك والطاعة والتحمل والصبر، وأن تعمل بصمت، وأن ترضي الجميع، وأن تختفي احتياجاتها الإنسانية تمامًا. ولو اعترضت، تصبح «وقحة»، ولو بكت تصبح «مدَّلعة»، ولو طلبت الخصوصية تصبح «خرَّابة بيوت».
وفي كثير من هذه البيوت، خصوصًا حين يكون الزوج هو «الولد الوحيد»، تتعامل الأم مع الزوجة لا باعتبارها شريكة حياة لابنها، بل باعتبارها منافسة على قلبه ووقته واهتمامه. هنا تبدأ حرب باردة.. تعليق جارح، مقارنة بالأم، مراقبة الأكل، التدخل في تربية الأطفال، فرض أسلوب الحياة، التحكم في الخروج والدخول، بل أحيانًا التدخل حتى في العلاقة الحميمة نفسها بشكل غير مباشر؛ فتشعر الزوجة بأنها مُراقبة طوال الوقت، وأن أي خطأ بسيط سيتم تضخيمه وتحويله إلى دليل على فشلها الأخلاقي أو التربوي أو الأنثوي، ليتحول البيت إلى بيئة خانقة تولد القلق والاكتئاب والاحتقان النفسي المزمن.
والريف المصري تحديدًا يحمل تعقيدات إضافية، لأن فكرة «كلام الناس» ما زالت حاكمة بقوة. المرأة هناك كثيرًا ما تُربَّى على أن الصبر على الإهانة فضيلة، وأن عودتها إلى بيت أهلها فضيحة، وأن المطلقة تحمل وصمة اجتماعية حتى لو كانت مظلومة. لذلك تستمر بعض الزيجات سنوات طويلة داخل بيئة سامة ومدمرة نفسيًا فقط خوفًا من المجتمع. والمفارقة أن المجتمع نفسه الذي يضغط على المرأة كي تتحمل، هو أول من يشاهد الانفجار الأخير بدهشة حين يقع الطلاق أو حين تتحول الخلافات إلى كراهية وعنف ومحاكم.
المأساة الحقيقية أن الأطفال الذين ينشأون داخل هذه البيوت المشحونة يرثون بدورهم نفس النموذج؛ فالولد الذي يرى أباه ضعيفًا أو عدوانيًا، والبنت ترى أمها مكسورة أو مقهورة، تنتقل إليهما العدوى النفسية وكأننا أمام ميراث خفي من الألم.
وربما آن الأوان أن نعترف بشجاعة أن بعض البيوت ينقصها الهواء. وأن بعض الزوجات يطلبن حقهن الطبيعي في حياة آدمية فيها باب يُغلق، وزواج يعيش بين اثنين لا بين قبيلة كاملة.

Leave a Reply