داوود عبد السيد… سينما الأسئلة

داوود عبد السيد… سينما الأسئلة

لم يكن رحيل داوود عبد السيد مجرد خبر ثقافي عابر، بل لحظة كاشفة لفقدٍ أعمق؛ ففقدان فنان نادر قرر منذ بدايته ألا يُطمئننا، وألا يُجامل ذائقتنا، وألا يمنحنا خلاصات سهلة، كان مخرجًا للأسئلة الثقيلة، تلك التي لا تُغلق، ولا تُنسى، ولا تُكافئ المشاهد بالراحة، بل تتركه في حالة قلق منتج، يشبه القلق الوجودي أكثر مما يشبه المتعة الاستهلاكية.

عرفته عن قرب، كاسم كبير في تاريخ السينما، وكإنسان شديد التحفّظ، قليل الكلام، عميق الإصغاء. شاهدت كل أفلامه، ومسّني منها بعمق فيلم رسائل إلى البحر. وأقمت له ندوة في أتيليه القاهرة للأدباء والفنانين، حضرها كمشاهِد لا كمشارِك، في مشهد يلخص علاقته بالضوء.. حاضر دون استعراض، وموجود دون ادّعاء، ومن هذه المسافة القريبة، أكتب عن رحيله كلحظة تستدعي قراءة ما تركه فينا من أسئلة.

من يشاهد أفلامه كاملة، يكتشف خيطًا نفسيًا واحدًا يتكرر بتنوعات ذكية.. الإنسان المأزوم داخل بنية أكبر منه، فردٌ يحاول أن يفهم موقعه داخل مجتمع، وسلطة، وداخل منظومة قيم، أو داخل ذاته المنقسمة، لا أبطال خارقون، ولا أشرار كاريكاتوريون، بل بشر هشّون، مترددون، يسألون أكثر مما يفعلون، ويعانون من فراغ المعنى، أكثر مما يعانون من الفقر أو القمع المباشر.

سيكوديناميًا، يمكن قراءة سينما داوود عبد السيد بوصفها تشريحًا طويل النفس لـ «الأنا القلقة»؛ فشخصياته تعيش صراعًا واضحًا بين ما هو مطلوب منها اجتماعيًا، وما تشعر به داخليًا، هذا الصراع لا يُقدَّم في صورة خطب أو شعارات، بل في تفاصيل صغيرة.. نظرة صامتة، تلعثم، انسحاب، رغبة غير مكتملة، أو هروب غير معلن.
في أفلامه، كان الاكتئاب ليس مجرد تشخيص، بل مناخًا عامًا، والقلق ليس عرضًا، بل طريقة وجود.

خذ مثلًا فيلم «رسائل إلى البحر»، لا نرى حكاية رجل يهرب إلى البحر بحثًا عن السلام، بل نرى نموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته نفسيًا بالانفصال الوجودي؛ فالبطل لا يهرب من الناس بقدر ما يهرب من صورة ذاته، التي لم يعد قادرًا على احتمالها، والبحر في الفيلم ليس رمزًا رومانسيًا، بل مساحة إسقاط.. مكان يضع فيه الإنسان أسئلته التي لم تجد إجابة داخل المدينة، داخل العمل والعلاقات، واللغة.

سوسيولوجيًا، لم يكن داوود مهتمًا بتسجيل «الواقع»، بقدر اهتمامه بتفكيكه، أما مجتمعه السينمائي فليس مجتمع أحداث، بل مجتمع بنى.. بنية السلطة، بنية الذكورة، بنية المعرفة، وبنية الوهم. في أفلامه، لا تظهر السلطة دائمًا كقمع مباشر، لكنها حاضرة كظل.. في الخوف، في الرقابة الذاتية، في الامتثال، وفي الإحساس الدائم بأن هناك «شكلًا صحيحًا للحياة»، يجب أن نلتزم به، حتى لو كان على حساب حقيقتنا النفسية.

واحدة من أهم سمات عالمه السينمائي، هي نقد البطولة الذكورية؛ فأبطاله الذكور غالبًا مرتبكون، عاجزون عن الحسم، أو مأزومون في علاقتهم بالسلطة والمرأة والجسد، إنها ليست صدفة فنية، بل قراءة دقيقة لتحولات الرجولة في المجتمع المصري.. رجولة فقدت يقينها القديم، لكنها لم تبنِ بديلًا ناضجًا، لذلك نرى رجالًا يتكلمون كثيرًا ولا يفعلون، أو يفعلون بلا قناعة، أو ينهارون حين يُطلب منهم تعريف أنفسهم خارج أدوارهم الاجتماعية.

تحليل الثنائيات التي قدّمها أبطال أفلامه، بين العقل والجسد، بين الرغبة والواجب، بين الحرية والخوف، يكشف لنا فنانًا شديد الوعي بالتداخل بين النفسي والاجتماعي، لا شيء عنده فردي خالص، ولا شيء اجتماعي بلا أثر نفسي؛ فالإنسان عنده نتاج بيئته، ولكنه ليس معفيًا من مسؤوليته عن وعيه، وهذه منطقة شديدة الحساسية، لم يجرؤ كثيرون على الاقتراب منها دون الوقوع في التبسيط.

إن رحيل داوود يترك فراغًا لا يُملأ بسهولة، ليس لأننا فقدنا مخرجًا كبيرًا فحسب، بل لأننا فقدنا نمطًا من التفكير السينمائي. نمطًا لا يستسلم للسوق، ولا يهادن الذائقة السائدة، ولا يخشى البطء، ولا يخجل من الصمت. في زمن الضجيج، كان صوته منخفضًا لكنه نافذ.

ربما كانت أعظم قيمة تركها لنا أن الفن الحقيقي لا يُريحنا، بل يربكنا بالقدر اللازم لنفكر. وأن السينما يمكن أن تكون أداة لفهم النفس والمجتمع معًا، لا مجرد حكاية تُروى ثم تُنسى. وهذا إرثٌ لا يرحل بموت صاحبه، بل يظل حيًا ما دمنا نملك الشجاعة لنواجه الأسئلة التي زرعها فينا.

Leave a Reply

Your email address will not be published.