شهر رمضان الكريم… حين يتغيّر إيقاع المدينة

شهر رمضان الكريم… حين يتغيّر إيقاع المدينة

في أول أيام رمضان، أمشي في الشارع نفسه الذي أمشيه طوال العام؛ فأشعر أنني في مدينة أخرى، ليست الزينة وحدها هي التي تغيّرت، ولا الفوانيس المعلقة على الشرفات، ولا الأضواء التي تلمع في محلات الحلويات، هناك شيء أهدأ، أو ربما أبطأ، السيارات أقل استعجالًا في الصباح، الوجوه أكثر صمتًا، والوقت نفسه يبدو وكأنه تمدّد قليلًا؛ فالنهار أطول من المعتاد، لأن الجسد يشعر بالساعات واحدةً واحدة؛ فالمدينة، التي اعتادت الجري، تضطر فجأة إلى أن تمشي.

قبل المغرب بساعة، يتبدّل المشهد مرة أخرى، حركة من التوتر تسري في الهواء، عيون تراقب الساعة، أيدٍ تحمل أكياس الخبز، روائح طعام تتصاعد من شرفات مفتوحة، في تلك اللحظة، أفكر في هذا الاتفاق الجماعي العجيب.. ملايين الناس يقررون، في الوقت نفسه تقريبًا، أن يمتنعوا عن شيء أساسي ثم يعودوا إليه في اللحظة نفسها… قليل من الظواهر الاجتماعية يحدث بهذا التزامن وبهذا الانتظام كل عام.

كطبيب نفساني، ألاحظ شيئًا يتكرر في العيادة كل سنة، بعض الناس يهدأون، وبعضهم يتوترون أكثر، وبعضهم يكتشف قدرة غير متوقعة على الاحتمال، وبعضهم يكتشف هشاشةً لم يكن يريد أن يراها. الامتناع، أيًّا كان سببه، يعرّي العلاقة بين الإنسان ورغباته؛ فحين يتأخر الإشباع، يظهر ما كان مستترًا خلفه.

إننا نعيش في زمن الإشباع الفوري، ضغطة زر تصل السيارة، رسالة قصيرة يأتي الرد، طلب إلكتروني يُطرق الباب بعد ساعات، تعوّد الجهاز العصبي على أن الرغبة يجب أن تُلبّى سريعًا، رمضان، بطريقة بسيطة جدًا، يكسِر هذه المعادلة، يقول للرغبة: انتظري. ليس إلى الأبد، ولكن لساعاتٍ كافية كي نشعر بوجودها، في هذا الانتظار مساحة نفسية نادرة، مساحة قد تكون مزعجة للبعض، ومريحة للبعض الآخر.

ألاحظ في بعض مرضاي أن الصوم يخلق لديهم حالة من الصفاء المؤقت، كأن تقليل الضجيج الجسدي يمنحهم فرصة لسماع صوت داخلي خافت، وألاحظ في آخرين العكس تمامًا.. توتر، عصبية، وانفعال سريع. الصوم هنا لا يصنع شيئًا جديدًا بقدر ما يكشف، إنه أشبه بإضاءة أقوى في غرفة نعيش فيها منذ سنوات؛ فجأة نرى تفاصيل لم نكن ننتبه إليها.

ثم يأتي المساء، وتمتلئ البيوت بالأصوات… طعام، شاشات، مسلسلات، ضحكات، أحيانًا نقاشات حادة، وبعد ساعات من الامتناع، يعود الامتلاء بكثافة، وكأننا لا نتحمل الفراغ طويلًا؛ فالفراغ ليس جوعًا فقط، بل صمتًا أيضًا. الصمت بالنسبة لكثيرين مساحة مقلقة، لذلك نملؤه بسرعة بشيء ما.. شاشة، مكالمة، طلب طعام إضافي، حديث متصل حتى الفجر، أقول هذا كتفسير إنساني بسيط؛ فالإنسان يخاف أن يواجه نفسه عاريًا من المُشَتِّتَات.

ومن زاوية أوسع، يثير دهشتي هذا الإيقاع الجماعي، مدينة كاملة تغيّر جدولها، شركات تعدّل مواعيدها، عائلات تعيد ترتيب يومها، مسلسلات تُنتَج خصيصًا لهذا الشهر، مطاعم تعلن عن وجبات بعينها، شهر رمضان ليس تجربة فردية فقط، بل إعادة ضبط اجتماعي واسع، وحتى من لا يصومون يجدون أنفسهم داخل هذا الإيقاع المختلف، كأن المجتمع كله يدخل حالة زمنية خاصة، يعرف مسبقًا أنها مؤقتة، ويتعامل معها بجدية.

رمضان ليس شهرًا للكمال، بل شهرًا للمحاولة، إنه ليس مساحة ادّعاء، بل مراجعة هادئة.. كيف نتعامل مع الرغبة حين نؤجلها؟ وكيف تتبدّل نفوسنا حين يتغير إيقاع الأيام؟ بعضنا يخرج من الشهر الكريم أكثر صفاءً، وبعضنا يكتشف تعبًا مختبئًا، وبعضنا يعيش التجربة ببساطة دون تحولات درامية؛ فالقيمة ليست في صورة مثالية نطاردها، بل في صدق التجربة نفسها.

ما يهمني في النهاية ليس الشكل الخارجي للشهر، ولا الجدل حوله، بل ذلك الأثر الخافت الذي قد يتركه في بعضنا.. لحظة إدراك أننا لسنا عبيدًا كاملين لرغباتنا، وأن بوسعنا، ولو لساعات، أن نبطئ، في عالم يزداد صخبًا كل يوم، قد تكون القدرة على الإبطاء هي المعجزة الصغيرة الوحيدة المتاحة لنا.

ربما لهذا، حين ينتهي الشهر، لا تنتهي تجربته تمامًا. يعود الإيقاع القديم سريعًا، تعود السرعة، يعود الإشباع الفوري، لكن من انتبه، ولو مرة، إلى ذلك الصوت الداخلي الذي سمعه في نهار طويل هادئ، قد يحتفظ بشيء منه. ليس باعتباره واجبًا، ولا شعارًا، بل باعتباره خبرة شخصية.. أن الإنسان حين يبطئ قليلًا، يرى نفسه بوضوح أكبر.

هذا كل ما في الأمر، لا أكثر، ولا أقل.

Leave a Reply

Your email address will not be published.