لماذا «العريس اللقطة» لم يعد يريد الزواج؟

لماذا «العريس اللقطة» لم يعد يريد الزواج؟

انتشر مؤخرًا على السوشيال ميديا بوست جريء للكاتب خالد والي يتساءل فيه: لماذا «العريس اللقطة» لم يعد يريد الزواج؟ ملخص فكرته أن الرجل المعاصر، رغم نجاحه وقدرته المادية، أصبح يرى الزواج مشروعًا غير مُجدٍ، لا من ناحية العائد النفسي ولا الاقتصادي، وأن «الحسبة لم تعد تأتي همّها». هذا الصوت، الذي يظنه البعض انفعاليًا أو ذكوريًا، هو في الحقيقة جزء من أزمة اجتماعية ونفسية أعمق بكثير مما يبدو على السطح؛ فنحن أمام جيل من الرجال والنساء يقفان في منتصف طريق مظلم، كلاهما مثقل بالتوقعات، مُنهك بالخيبات، ومُربَك بالصورة اللامعة التي صنعتها السوشيال ميديا لِما «يجب أن تكون عليه الحياة».

لم يعد الرجل يرى في الزواج دورًا واضحًا كما كان يرى آباؤه. كانت المعادلة بسيطة: يوفر هو الأمان والماديات، وهي توفر البيت والعلاقة والشراكة الهادئة. الآن انفجر الدور القديم من الداخل، وتحوّل إلى صراع غير معلن حول من يُقدّم ماذا ولمن. فاستقلال المرأة أمرٌ صحي وتاريخي، لكنه جاء دون أن يظهر نموذج جديد يعيد تعريف علاقة الشريكين ببعضهما. لأن الرجل المعاصر يشعر بأنه مُطالب بأن يكون قويًا وحنونًا، كريمًا ومقتصدًا، حاضرًا دومًا وغير متحكم، داعمًا لطموحات شريكته، دون أن يشعر أنه أصبح مجرد وظيفة في حياتها. فضياع الدور يعيد تشكيل رجولته من جديد، ويضعه أمام سؤال لم يكن يعرفه: «ما الذي أُمثّله الآن داخل العلاقة؟».

ثم يأتي اقتصاد المقارنات. ما كان يومًا علاقة بين شخصين، أصبح الآن علاقة بين شخصين وظلال آلاف الصور على إنستجرام. فتاة عادية تحصل يوميًا على رسائل من رجال غرباء، ومديح مبالغ فيه من صديقاتها، فيتضخم شعورها بقيمتها أحيانًا فوق الواقع. وفي المقابل يرى الرجل صور نساء يبدو عليهن الكمال المصقول بالفلاتر؛ فيشعر أن المعروض كثير لكن الحقيقي نادر. هذا كله يصنع سوقًا للعلاقات، لا علاقة واحدة. سوق فيه عرض وطلب، فيه مزايدات، فيه «أنا مش أقل من فلانة»، وفيه رجال يشعرون بأنهم مطالبون بدفع ثمن صورة اجتماعية لا يملكون رفاهية منافستها.

ثم خوف النهاية… الطلاق الآن لم يعد علامة فشل، لكنه أصبح احتمالًا حاضرًا في كل علاقة. ولم يعد الرجل وحده من يخاف خساراته المادية؛ فالمرأة أيضًا تخاف من أن تجد نفسها في علاقة تستنزفها نفسيًا. لكن الرجل، بحكم نشأته وبنيته الاجتماعية، يرى نفسه مسؤولًا عن بيتٍ كامل، وفي لحظة الانفصال يشعر أنه فقد كل شيء: أبوة، واستقرارًا، وتاريخًا، وأمانًا ماليًا. وهكذا يتراجع خطوة قبل الدخول: «ليه أجازف؟». والخوف هنا ليس جبنًا، بل تقييم للمخاطر؛ فلقد تحولت العلاقة من «سكن» إلى «مغامرة» غير مضمونة العواقب.

وسط كل هذا، ينسى الجميع أن النساء أيضًا مرهقات. بنات الأصول موجودات، لكن لا أحد يسمع أصواتهن وسط ضجيج الخطابات المتطرفة. والرجال الطيبون موجودون، لكن يتم تجاهلهم لصالح نماذج الصوت العالي. المشكلة ليست «أن البنات اتغيّرت» أو «أن الرجال جبنوا»، بل أننا أمام جيل يعيش تحت ضغط غير مسبوق: غلاء، غياب وقت، صخب متواصل، ثقافة مقارنة، وتوقعات مُستحيلة من الطرفين. كل شخص يدخل العلاقة الآن وهو يشعر أنه مطالب «أن يثبت» نفسه طوال الوقت، وأن أي ضعف سيُحسَب عليه، وأن أي تنازل سيُفسّر ضعفًا لا حبًا.

الأزمة في جوهرها أزمة فقدان الطمأنينة. لم يعد أحد يطمئن بسهولة، لا الرجل ولا المرأة. كل منهما يعيش في حالة دفاع داخلي، حتى قبل اللقاء الأول. الحقيقة أن الزواج لم يفقد قيمته، لكن «الطريق إليه» أصبح مليئًا بالضوضاء والتوقعات والتجارب المؤلمة. وحين تضيع الطمأنينة، يختبئ الجميع خلف خطاب القوة، بينما هم في الحقيقة يبحثون عن يدٍ دافئة لا تُحاسبهم ولا تقارنهم بأحد.

جيل اليوم لا يرفض الزواج، بل يرفض الطريقة التي تحوّل بها الزواج إلى اختبار، إلى منافسة، إلى مشروع اقتصادي، وإلى رحلة محفوفة بالقلق. الرجال لم يصيروا أشرارًا، والنساء لم يصيروا طمّاعات؛ نحن فقط نعيش لحظة انتقالية مشوَّشة، تحتاج إلى لغة جديدة، وإلى إعادة تعريف العلاقة بوصفها سكنًا، لا مباراة. والعودة ليست إلى الماضي، بل إلى الإنسان… إلى الهدوء، إلى الوضوح، إلى الاعتراف بالاحتياج بدل الهروب منه.

نحتاج أن نعيد بناء «الطمأنينة» قبل أن نفكر في «الزواج».

Leave a Reply

Your email address will not be published.