في واحد من المكاتب الحكومية، المكان يمشي فيه أبطأ من الطابور، كان «سُمْعَة» واقف على جنب، و«عَبْدُه» قاعد جنبه، والناس صفوف قدام الشباك: وجوهٌ مستعجلة، متضايقة. فجأة مال «سُمْعَة» وقال بصوت واطي: «إنت عارف الست عفاف اللي في الدور الرابع؟» عبده قال: «آه… ومين ما يعرفهاش!» قال «سُمْعَة» وهو مُتَّسّع العينين: «دي خلعت جوزها!» تفاجأ «عَبْدُه»: «لا يا راجل؟! يا نهار… ده الخلع ده صعب جدًا، أقوى من خلع الأسنان!»
سكت «عَبْدُه» للحظة وبعدين قال بنبرةٍ ثقيلة: «أصعب حاجة إن الراجل يتخلع… بيحس كده إنه حاجة مالوش لازمة». نظر «سُمْعَة» للأرض، وقال: «ما أنا كمان اتطلقت طلاق ضرر… زيه زي الخلع، بس أنا اللي بشيل النفقات». هنا سُمِع صوت الست إيمان: «يعني فاكرين الستات بقت جبارة؟ لااا الرجالة هي اللي ما بقتش رجالة في الزمن ده. حلال فيكم كل حاجة». عندئذٍ عمّ السكون المكان.
يأتي الخلع بعد تعب. من تراكم صغير… كلمة تُجرح ثم تُنسى، موقف يُهين ثم يُبرَّر، يوم صعب يمرّ على أمل أن يكون الغد أفضل. وتتكرر النسخة نفسها. هنا تبدأ المرأة في إعادة ترتيب علاقتها بما يحدث.. تنكِر، ثم تفسّر، ثم تؤجل، ثم تراهن على تحسّن لن يأتي. ثم يأتي الخوف.. من كلام الناس، من الوحدة، من اتخاذ قرار لا رجعة فيه. ثم الذنب: هل أنا مقصّرة؟ هل أتحمل أكثر؟ ثم، بهدوء، يحدث شيء يشبه الانطفاء. عند هذه النقطة يتغير السؤال من: كيف أحافظ على الزواج؟ بل: كيف أخرج بأقل خسائر ممكنة؟ في هذا التحول تحديدًا، يصبح التنازل مفهومًا. وليس ببطولة، وليس هزيمة صافية. لكنه حلّ متأخر بعد أن ضاقت البدائل.
لكن هذا المسار النفسي لا يتحرك في فراغ؛ فالخلع عندنا لا يحدث بين شخصين فقط، لكنه يحدث تحت عيون أسرة ممتدة، جيران، كلام جاهز عن «الست اللي تستحمل» و«البيت اللي ما يتخربش»، والمرأة لا تواجه زوجًا وحده، بل تواجه سردية كاملة عن نفسها: ماذا يعني أن تخرُج؟ كيف ستُرى؟ ماذا سيُقال؟ لهذا تبقى كثيرات أطول مما يحتملن، لأن الخروج نفسه يبدو كأنه قفزٌ في فراغ اجتماعي غير مضمون.
ثم يأتي القانون… ببطئه. دعوى الطلاق للضرر، طريقه طويل.. إثبات صعب، جلساته تتكرر، كلفة مادية ونفسية، وحكايات تُروى وتُعاد روايتها أمام غرباء. هنا لا يكون القانون إطارًا محايدًا فقط، بل جزءًا من التجربة الضاغطة نفسها. هنا يصبح الخلع، رغم قسوته، اختيارًا مفهومًا. طريق أقل استنزافًا زمنيًا. والمفارقة قاسية؛ فالمجتمع الذي يلوم المرأة لأنها «تنازلت عن حقوقها»، هو نفسه الذي جعل الوصول إلى هذه الحقوق طريقًا شاقًا إلى هذا الحَدّ.
ليس كل زواج متكافئًا. حين يستطيع طرف أن يطيل أمد الصراع، أو يستخدم الأبناء كوسيلة ضغط، أو يهدد بالحرمان؛ فيصبح التوازن مختلًا من البداية. في هذه الحالات، ليس الخلع نزوة، بل محاولة لإعادة قدر من السيطرة. أو للخروج من علاقة فقدت الحد الأدنى من العدالة. وقراءة الخلع هنا بوصفه «قلة صبر» تبدو قراءة مريحة، لكنها تتجاهل البنية التي أنتجته.
السؤال الأهم: من هنّ هؤلاء النساء؟ في أي ظروف يتحركن؟ ولماذا يفضّلن هذا المسار؟ الإشارة إلى أن نسبة معتبرة منهن متعلمات وعاملات وفي سن معينة، تغيّر الوعي، أم أن حدود الاحتمال لم تعد كما كانت، وأن بعض النساء أصبحن أقل استعدادًا لتحمل أنماط معينة من الإهانة أو العنف، وأكثر قدرة، نسبيًا، على اتخاذ قرار مكلف بالخروج.
هنا تظهر مفارقة تستحق التوقف؛ فالخلع يبدو، في ظاهره، تراجعًا عن الحقوق. لكنه أحيانًا خطوة إلى الأمام على مستوى أعمق. لأنه إعلان صريح: «هذا لم يعد مقبولًا. هناك حدّ تم تجاوزه. والثمن، مهما كان، أقل من الاستمرار». هذه ليست دعوة للخلع، بل محاولة لفهم ما يقوله حين يحدث.
في النهاية، لماذا صار الخلع، بكل ما فيه من خسارة، هو الطريق الأقصر؟ ماذا في البنية الاجتماعية والقانونية يجعل الخروج العادل بطيئًا إلى هذا الحد، ومكلفًا إلى هذا الحد؟ هنا نبدأ في رؤية ما وراء الأرقام. لأن الخلع، في جوهره، ليس إجراءً قانونيًا فقط، بل سيرة إنهاك طويل… ولحظة قرار متأخرة، لكنها حاسمة.

Leave a Reply