أطفال الطلاق

أطفال الطلاق

لا أحد يخرج من الطلاق كما دخل إليه… لكن هناك من لا يملك حتى حق الخروج؛ فالطفل لا يوقّع على ورقة، ولا يختار قرارًا، ومع ذلك يجد نفسه فجأة في قلب الحدث، والبيت الذي كان يعرفه لم يعد موجودًا، بل لأن المعنى الذي كان يربط وشائج الأسرة قد سقط في صمت.

لم يعد الطلاق في مصر مجرد حكاية بين اثنين، إنه أصبح عرضًا لخلل أعمق في شكل المجتمع نفسه؛ فنحن نشهد تراجعًا في قدرة العلاقات على الاحتمال، وفي معنى البيت كمساحة آمنة. في هذا السياق، لا يظهر الطفل كضحية لحادث عائلي، بل كمرآة لمرحلةٍ كاملة تتغير فيها قواعد الارتباط والاحتواء، مرحلة تُستنزف فيها العلاقات بسرعة، وتُستهلك فيها المشاعر دون أن تجد ما يكفي من الحماية أو الصيانة.

ما نراه اليوم تحوّلًا في طبيعة وسرعة وعمق ما كان؛ فالإيقاع أسرع، والضغوط أشد، والقدرة على الاحتمال أقل. ولم يعد الخلاف للمناقشة لكنه يؤجَّل لينفجر، وصار بيئة للتآكل البطيء. في هذا المناخ، يبدأ الطلاق نفسيًا قبل أن يحدث قانونيًا، ويصل الطفل إلى لحظة الانفصال وقد عاش مقدماته بالفعل، حتى لو لم تُعلن بعد.

الطفل لا يقرأ الطلاق كما يقرأه الكبار، لا يفهمه باعتباره نهاية علاقة أو فشل تجربة، بل يستقبله كاختلال في العالم نفسه. كأن الأرض التي كان يقف عليها بدأت تهتز، فيدخل في حالة من الحيرة الصامتة، لا يملك لها لغةً واضحة، وقد يمرّ بفترة إنكار أو ارتباك أو حتى اتهام ضمني للنفس، حيث يتسلل إليه شعور خفي بأنه ربما كان سببًا في ما حدث، أو أنه لم يكن كافيًا ليجعل أباه وأمه يبقيان معًا، وهذه المشاعر، وإن لم تُعبَّر صراحة، تترسّب في العمق وتعيد تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، وقد تظهر لاحقًا في صورة قلق مزمن، أو صعوبة في الثقة، أو ميل إلى تجنب العلاقات خوفًا من تكرار الفقد.

ثم تأتي لحظة ما بعد الطلاق، وهي ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها بشكل آخر أكثر تعقيدًا. طفل يتنقل بين بيتين، يختلفان في المكان، وفي القواعد والمشاعر والنبرة. يتعلم بسرعة أن يتكيّف، لكنه تكيّف يحمل في داخله انقسامًا، كأن عليه أن يكون شخصين في آن واحد، ابنًا هنا وابنًا هناك، ومع هذا الانقسام يتشكل قلق خفي، لا يُرى بسهولة، لكنه يترك أثره في العمق.

ويزداد المشهد تعقيدًا حين يدخل أحد الطرفين في علاقة جديدة؛ فيشعر الطفل بتهديد إضافي لمكانه، أو بوجود غريب داخل مساحته الخاصة، وهو أمر قد يربكه حتى لو لم يستطع التعبير عنه. وفي أحيان كثيرة، يتحول إلى أداة في الصراع، وقد يُغرقه أحد الوالدين بالهدايا كتعويض عن الغياب، بينما يميل الآخر إلى التشدد أو الانسحاب، وفي الحالتين يفقد الطفل الإحساس بالتوازن.

المشكلة هنا ليست في الطلاق ذاته؛ فبعض العلاقات يكون استمرارها أكثر إيذاءً من انتهائها، لكن الخطر الحقيقي يكمن في الطريقة التي يُدار بها هذا الانفصال؛ فحين يتحول الطفل إلى ساحة، أو وسيط، أو إلى تعويض؛ فنحن نتعامل مع تدخل مباشر في تكوينه النفسي، كأننا نعيد تشكيل إحساسه بالأمان وهو ما زال في طور التكوين، والمجتمع، بدوره، لا يبدو مستعدًا بما يكفي للتعامل مع هذه النتائج، والمؤسسات التعليمية نادرًا ما تلتفت إلى هؤلاء الأطفال، والخطاب العام يتأرجح بين التهويل والتبسيط، دون أن يقدّم أدوات حقيقية للفهم أو الدعم، وكأن الطفل يُترك ليواجه تجربة معقدة بأدوات محدودة، بينما ينشغل الكبار بإعادة ترتيب حياتهم.

ربما لم يعُد السؤال هو ما إذا كان الطلاق أفضل من الاستمرار في علاقة مدمرة؛ فهذا سؤال له سياقاته وتعقيداته، لكن السؤال الأهم هو كيف يمكن أن نُدير هذا القرار بطريقة لا تجعل الطفل هو الضحية الصامتة. كيف نحافظ على خيط من الاستقرار في حياته رغم كل شيء، كيف نلمس فيه ذلك الجزء الذي لم ينهَر بعد، ونخاطبه، حتى يصدّق أن العالم ما زال فيه متّسعٌ لعينٍ تراه وقلبٍ يفهمه؟

يحتاج الطفل إلى معنى متماسك، لكن حين يفقد البيت معناه، يبدأ هو، بصمت، في محاولة إعادة بنائه داخله، أحيانًا طوال عمر كامل، دون أن يعي ذلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published.