لم أكن أنوي الكتابة عن هذا الموضوع، ربما لأنني كنت أعتقد، وما زلت إلى حدٍّ ما، أن ما سأكتبه لن يغيّر كثيرًا، وأن عشرات غيري سبقوني إلى طرح الأسئلة نفسها حول مشروع قانون الأسرة الجديد؛ فالقضية، في تقديري، جاءت أقرب إلى ردّ فعل على أحداثٍ مؤلمة، لا إلى رؤية استباقية حقيقية؛ جاءت Reactive لا Proactive. وكعادتنا أحيانًا، نتحرك بعد الصدمة لا قبلها.
بعد حادثة «بسنت» المأساوية على الهواء مباشرة، واكتشاف أن النفقة لم تكن تصلها من زوجها المقيم بالخارج، تجدَّد الجدل كله مرة أخرى. نهتز، نغضب، نناقش، ثم «ولا شي»!
ما دفعني للتفكير رسالة من صديق في الثلاثينات لم يتزوج بعد، قال فيها: «اكتب عن قانون الأسرة اللي بيطبخوه… الموضوع قلب ملوخية جامد»، توقفت أمام التعبير لأنه لخّص ارتباك وقلق كثير من الشباب تجاه فكرة الزواج والأسرة اليوم.
طرح قانون الأسرة في مصر يكشف جراحًا قديمة؛ صراع بين رجال يشعرون بالفقد ونساء مُثقلات، وأطفال يتحولون إلى أرقام، كأن الأسرة لم تعد بيتًا بل ساحة تفاوض بين جريحين.
المشكلة أن النقاش يتحول إلى حرب شعارات بين «حقوق الرجل» و«حقوق المرأة»، بينما يضيع السؤال الأهم: أين الطفل؟ طفل يشعر أنه سبب الخراب، أو يسمع أمه تبكي وأباه يصرخ كزائر غريب. نحن أمام جيل قد يكبر وهو يرى الحب مشروطًا والعلاقات ساحة قتال.
يتعامل بعض الناس مع قانون الأسرة كمواد قانونية جامدة، لكنه في الحقيقة يمس الجهاز النفسي والعاطفي للمجتمع كله؛ فالأُسرة ليست مؤسسة إدارية فقط، بل المصنع الأول للمشاعر الإنسانية. داخل البيت يتعلم الطفل الأمان والثقة والانتماء، أو يتعلم العكس: الخوف والهجر والقلق والشك والعداء. لذلك يجب أن يُسأَل عن كل مادة في هذا القانون سؤال نفسي قبل القانوني: هل ستخفف الألم أم تُنتج مزيدًا من الانتقام المقنّن؟
أحيانًا أشعر أن أخطر ما يهدد الأسرة المصرية ليس الطلاق نفسه، بل «الحرب النفسية» التي تأتي بعده. هناك طلاق يتم باحترام، وآخر يتحول إلى معركة يُستخدم فيها الأبناء كرهائن عاطفيين؛ أب يمنع النفقة، وأم تمنع الرؤية، بينما الطفل يتشرَّب السم ببطء. لا يعيش فقط انفصال والدين، بل انقسامًا داخليًا بين الحب والخوف والذنب، وقد تلازمه هذه الانقسامات في صورة اكتئاب أو قلق أو خوف من الحب أو فشل في العلاقات.
تكشف بعض النقاشات حول قانون الأسرة حجم الاحتقان الاجتماعي؛ رجال يشعرون أن القانون سلبهم أبوتهم، ونساء يخشين فقدان الحماية. وبينهما تضيع الحقيقة: لا الرجل شيطان ولا المرأة ملاك. هناك آباء وأمهات صالحون وآخرون مؤذون، والقانون الذكي ليس منحازًا لجنس، بل يسعى لتقليل مساحة الضرر الإنساني.
تصبح «الرؤية» و«الاستضافة» أكثر من إجراءات؛ فهي حق الطفل في ألا يعيش يُتمًا نفسيًا ووالداه أحياء. يحتاج إلى علاقة حقيقية مع الأب، لا زيارة رسمية باردة، وإلى أم مطمئنة غير خائفة على طفلها أو استقرارها. التوازن هنا شديد الحساسية، وأي قانون يتعامل بعقلية الثأر سيصنع كوارث ممتدة.
ما يقلقني أن المجتمع قد تغيّر، بينما لا يزال التفكير القانوني يتحرك بعقلية قديمة؛ فالأسرة لم تعد كما كانت؛ والضغوط الاقتصادية هائلة، والقلق مرتفع، والناس أقل قدرة على الاحتمال. هناك هشاشة نفسية عامة، لذلك فإن ارتفاع الطلاق ليس «فسادًا أخلاقيًا» فقط، بل انعكاس لمجتمع مرهق ومضغوط نفسيًا واقتصاديًا.
لن ينجح أي قانون أسرة إذا تعامل مع النتائج فقط. نحن بحاجة لما هو أبعد من المحاكم: دعم نفسي وأسري وثقافة تُعلّم الناس الاختلاف دون تدمير. في الغرب أصبحت الوساطة والعلاج جزءًا أساسيًا قبل الانفجار، بينما عندنا يصل الأزواج للمحكمة بعد أن يكون كل شيء قد احترق.
أخشى أن يتحول قانون الأسرة إلى محاولة لتنظيم الخراب بدلًا من تقليل أسبابه؛ فالقوانين وحدها لا تصنع الطمأنينة؛ العدالة مهمة، لكن الإنسان يحتاج أيضًا إلى الرحمة والاحتواء وفهم الطبيعة النفسية للعلاقات، لأن الأسرة كائن هش ومعقد، ولا يُحلّ بالنصوص فقط.
وفي النهاية، يبقى السؤال: أي نوع من الأطفال نريد؟ أطفالًا يشعرون بالأمان والقدرة على الحب، أم أطفالًا تربّوا وسط صراعات المحاكم؟
لأن الطفل العالق اليوم بين الأب والأم قد يكبر وهو يحمل داخله بيتًا مهدومًا.

Leave a Reply