المكنة بتطلع قماشة واحدة

المكنة بتطلع قماشة واحدة

في مقاله المنشور بجريدة المصري اليوم بتاريخ 22 مارس 2026، توقّف سليمان جودة أمام صورة التقطها المُبدِع الجرنوسي لامرأتين تؤديان صلاة العيد، بينما تمتد في الخلفية مقابر الإخوة الأقباط، كأنها تحرس المشهد في هدوء لا يحتاج إلى تعليق، صورة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتأمل، ليس فقط في معناها المباشر، بل في ما تكشفه من طبقة أعمق في الوعي المصري؛ تلك الطبقة التي تجعل الانتماء إلى هذه الأرض سابقًا على كل تعريف آخر، بحيث يصبح القبطي مصريًا قبل أن يكون قبطيًا، ويصبح المسلم مصريًا قبل أن يكون مسلمًا، لا بوصف ذلك شعارًا إنشائيًا، بل كحقيقة نفسية واجتماعية تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية دون إعلان.

ولطالما أقلقتني اللغة التي نستخدمها حين نتحدث عن العلاقة بين المسلمين والأقباط؛ فعبارات مثل «الوحدة الوطنية» أو «النسيج الواحد» تبدو في ظاهرها إيجابية، لكنها تحمل افتراضًا خفيًا بأننا أمام كيانين منفصلين نحاول أن نربط بينهما أو نحافظ على تماسكهما، بينما ما أراه في الواقع، سواء في العيادة أو في الشارع أو في البيوت، شيء مختلف تمامًا، لا يظهر هذا الانقسام بهذه الصورة التي تصوغها اللغة، بل يظهر إنسان واحد يعيش تجارب متشابهة… قلق، ضغط، رغبة في الاستقرار، خوف على الأبناء، وسعي إلى معنى، خبرات لا تُقسَّم دينيًا ولا تُختزل في هوية واحدة.

ومن خلال خبرتي الإكلينيكية، لم أسمع يومًا مريضًا يفسر ألمه انطلاقًا من كونه مسلمًا أو قبطيًا، الألم دائمًا إنساني في جوهره، متعلق بعلاقات أولية مع الأب أو الأم، أو بصراعات داخلية حول القيمة والقدرة والانتماء، ما يشير إلى أن ما يجمع الناس في مستوى أعمق من الشعور، أقوى بكثير مما قد تفرقه التصنيفات السطحية، وأن الهوية الدينية، رغم أهميتها، لا تشكل وحدها الإطار الذي يتحرك داخله الإنسان نفسيًا.

وحين أشار سليمان جودة في مقاله إلى فشل محاولات الاحتلال الإنجليزي في التفريق بين المصريين، وإلى أن الفارق بين المسلم والقبطي لا يتجاوز الذهاب إلى المسجد أو الكنيسة، كان يلمس هذه الحقيقة دون أن يسميها صراحة، أن الهوية هنا ليست مبنية على الاختلاف بقدر ما هي مبنية على الاشتراك في التجربة… العيش تحت نفس الظروف، التأثر بنفس الضغوط، والحلم بنفس الأشياء البسيطة، التي تتكرر من جيل إلى جيل، لذلك تبدو أي محاولة لعزل هذا الاشتراك أو تضخيم الاختلاف، وكأنها مفروضة من الخارج أكثر مما هي نابعة من الداخل.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تظهر أحيانًا ما نطلق عليه «مناوشات طائفية»؟ أتصور أن الإجابة لا تكمن في الدين ذاته بقدر ما تكمن في السياق الأوسع الذي يعيشه الإنسان؛ فعندما تتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ويتراكم الإحساس بالعجز أو الإحباط، يبحث الإنسان عن تفسير سريع ومباشر لما يشعر به، وقد يجد هذا التفسير في أقرب تصنيف جاهز أمامه… التصنيف الديني، ليس لأنه السبب الحقيقي، بل لأنه الأكثر توفرًا والأسهل استخدامًا، هنا يحدث الخلط بين السبب والعرض؛ فنظن أن المشكلة طائفية، بينما هي في جوهرها تعبير عن توتر أعمق لم يجد طريقه إلى التعبير المباشر.

بدلًا من الحديث عن «نسيج واحد»، أن نقول إننا القماشة نفسها التي تضم داخلها تنوعًا طبيعيًا يثريها، فيها الفقير والغني، والمسلم والقبطي، إنها وحدة واحدة لا تحتاج إلى إثبات، لأنها تُعاش ولا تُقال، إن الطمأنينة تتغذى على شعور الإنسان بأنه جزء من كل أكبر؛ كل لا يهدده ولا يعزله، بل يمنحه مساحة للوجود دون خوف، وحين يتزعزع هذا الشعور، لأي سبب، تتأثر الطمأنينة الفردية.

ومن هنا؛ فإن استعادة هذا المعنى، كإدراك عميق، قد تكون أحد مفاتيح التوازن النفسي والاجتماعي معًا، لأن الإنسان، حين يدرك أن ما يجمعه بالآخرين أعمق مما يفرقه عنهم، يصبح أكثر قدرة على الاحتمال، وأكثر استعدادًا للحياة، وأقل ميلًا إلى الانغلاق أو الخوف.

وربما لا تكون الصورة التي نشرها الجرنوسي سوى لحظة عابرة، لكنها كاشفة، تذكّرنا بشيء نعرفه في داخلنا، حتى لو غطّته أحيانًا ضوضاء الخطاب… أن ما قبل الدين والتعريفات، يظل حاضرًا في العمق، وأن الإنسان، في هذا المكان تحديدًا، يظل إنسانًا أولًا… ومصريًا قبل كل شيء.

Leave a Reply

Your email address will not be published.