ليس خافيًا على العاملين في الجامعات، أو الصحافة، أو الثقافة، أو السياسة، أو حتى عالم البيزنس، أن جزءًا كبيرًا من الحياة المؤسسية في مصر، يُدار خارج اللوائح المعلنة؛ فهناك دائمًا ما يشبه الدوائر المغلقة، أو الشِلَل، أو ما يمكن وصفه بـ«الكارتيلات الناعمة»، التي تلتف حول نفسها، وتعيد إنتاج نفوذها، وتتعامل مع المختلفين عنها باعتبارهم خطرًا يجب تحجيمه.
الظاهرة لا تخص مؤسسةٍ بعينها، ولا تيارًا واحدًا، بل تمتد من الجامعات الحكومية إلى المؤسسات الخاصة، ومن الصحافة والثقافة إلى السياسة والاقتصاد، بل وتنسحب، في صورة أكثر بدائية، على الفئات المهمشة نفسها، لأن الإقصاء لا يحتاج إلى سلطة كبرى، بل يكفيه خوفٌ صغير كي ينمو.
في الجامعات، خاصةً في الكليات الكبرى، تظهر هذه الظاهرة بوضوح… مجموعاتٌ متشابهة في الخلفية والتوجه والعلاقات، تسيطر على مواقع القرار الأكاديمي والإداري؛ فالترقية، والفرص البحثية، والتكليفات، لا تُحسم دائمًا وفق معيار الكفاءة، بل وفق معيار غير مكتوب… القرب من الدائرة، والانسجام مع خطابها، وعدم إزعاج توازنها الداخلي، ومن لا ينتمي، يُهَمَّش مهما كان اجتهاده أو تميّزه.
نفسيًا، لا تقوم هذه الشِلَل على الثقة بالنفس، بل على العكس تمامًا: على الخوف من المختلِف، من المستقِلّ، من صاحب الرأي الذي لا يمكن احتواؤه. هنا الجماعة تؤدي وظيفة دفاعية؛ تحمي أعضاءها من القلق، وتعفيهم من مواجهة أسئلة صعبة عن الكفاءة، والحدود، والمسؤولية؛ فداخل الجماعة، يشعر الفرد بالأمان الهش، لا يتحمل وجود الآخر.
هذا المنطق الدفاعي ينعكس سوسيولوجيًا في مؤسساتٍ تفتقر إلى الشفافية، حيث تختلط المعرفة بالسلطة، وتتحول العلاقات الشخصية إلى عملة أساسية، ومع الوقت، تعود المؤسسة ساحة إدارة توازنات، وصراعات صامتة، وإقصاء ناعم لا يترك أثرًا قانونيًا، لكنه يترك أثرًا نفسيًا عميقًا.
اللافت أن هذا السلوك لا يقتصر على النُخَب، حتى في الفئات التي تعاني اقتصاديًا واجتماعيًا، نرى شِلَلًا مصغّرة، تتكتل حول أشخاص أو أفكار أو شعارات، وتقصِي من لا يكرر نفس الخطاب، وكأن القهر لا يُنتج تضامنًا تلقائيًا، بل يُعاد تدويره في صورة سلطة صغيرة تمارس إقصاءً مشابهًا لما عانته.
في الوسط الصحفي، تتخذ الظاهرة شكلًا أكثر نعومة، لكنها لا تقل تأثيرًا؛ فمن يُنشر له باستمرار؟ من يُستضاف؟ من يُحتفى به؟ ومن يُترك خارج المشهد؟ كثير من هذه الأسئلة لا تحسمها الجودة وحدها، بل شبكة العلاقات، والوجود داخل الدائرة، والالتزام بسقف غير معلن. إن المختلف هنا لا يُهاجَم غالبًا، بل يُتجاهَل، والتجاهل أحد أقسى أشكال الإقصاء.
أما في مجال الأدب والثقافة والنشر؛ فتبلغ الظاهرة درجة أعلى من التعقيد؛ فدور النشر الكبرى، التي تملك النفوذ الإعلامي والتوزيعي، تميل في كثير من الأحيان، إلى التعامل مع ما يُنشر خارجها كأنه غير موجود؛ فالنصوص القادمة من دورٍ صغيرة أو مستقلة، تُقصَى من المشهد النقدي والإعلامي، لأنها خارج «العلامة الثقافية» المعتمدة.
إن النقد الأدبي ليس بعيدًا عن هذا السياق؛ فكثير من النقاد يتحركون داخل دوائر مغلقة، يقرأون لبعضهم البعض، ويحتفون بالأسماء ذاتها، ويتجاهلون كل من لا يجلس على طاولاتهم، أو لا يحضر منتدياتهم، أو لا يطرق أبوابهم، والنتيجة مشهد ثقافي محدود، تتكرر فيه الأصوات، بينما تُدفن محاولات جادة في الصمت.
الخطورة هنا لا تقع على الأفراد وحدهم، بل على الثقافة والمؤسسة نفسها؛ فالإبداع لا ينمو في بيئةٍ متجانسة قسرًا، ولا تتقدَّم المعرفة في غرف الصدى؛ فحين يُكافأ التشابه ويُعاقَب الاختلاف، تتحول المؤسسات إلى هياكل ساكنة، تنتج الشكل دون الجوهر، وتعيد تدوير نفسها بلا تطور حقيقي.
الأخطر أن هذا الواقع يرسّخ نموذجًا مشوّهًا للنجاح لدى الأجيال الجديدة؛ فالنجاح يأتي من الانضمام إلى الشِلّة المناسبة، ومع الوقت، يصبح الصدق عبئًا، والاستقلال مخاطرة، والاختلاف تهمة غير معلنة.
إن تفكيك هذه الظاهرة لا يبدأ بتبادل الاتهامات، بل بالاعتراف بوجودها، وبمراجعة منطقها النفسي والاجتماعي. نحتاج إلى مؤسسات تُدار بقواعد واضحة، وتُكافئ الكفاءة، وتحتمل الاختلاف، ونحتاج إلى شجاعةٍ فردية تقول: المؤسسة التي لا تتحمل التنوع، لا يمكنها أن تنتج معرفة حقيقية.
ربما لا تختفي الشِلَل سريعًا، لكن تسميتها وفهم آلياتها، هو الخطوة الأولى لكسر سطوتها؛ فالمؤسسة التي تُدار بمنطق الكارتيل؛ فمهما رفعت شعارات التنوير، ستظل عاجزة عن إنتاج حياة عامة صحية.

Leave a Reply