من كربلاء إلى البيت الأبيض.. كيف تتحرك النفس في السياسة؟

من كربلاء إلى البيت الأبيض.. كيف تتحرك النفس في السياسة؟

ليست السياسة في حقيقتها مجرد برامج انتخابية أو بيانات دبلوماسية، بل هي أيضًا مسرح تتحرك فوقه شخصيات، بكل ما تحمله هذه الشخصيات من تاريخ نفسي، ومن جراح قديمة، ومن خيال عن القوة والهيبة والضعف، ولهذا فإن فهم ما يحدث في العالم، خصوصًا في لحظات التوتر الكبرى، يحتاج أحيانًا إلى أن ننظر قليلًا إلى ما وراء اللغة السياسية الظاهرة، إلى الطبقات النفسية التي تتحرك في الظل.

من هذه الزاوية يمكن النظر إلى ظاهرة دونالد ترامب؛ فالرجل لم يأتِ إلى السياسة من الممرات التقليدية التي يمر منها السياسيون عادة، لم يتدرج في المؤسسات، ولم ينشأ داخل مدارس الدبلوماسية التي تعلّم الصبر واللغة الرمزية الدقيقة، لقد جاء من عالم آخر تمامًا.. عالم الصفقات، حيث تُقاس القوة بقدرة الشخص على الضغط، وعلى رفع سقف التوتر إلى أقصى حد قبل أن يجلس الجميع حول الطاولة.

إن التصعيد ليس خطأ، بل أداة، والتهديد ليس انفعالًا، بل جزء من فن التفاوض، لكن المشكلة أن السياسة الدولية ليست صفقة عقارية، وليست اجتماعًا لمجلس إدارة، إنها شبكة معقدة من الذاكرة التاريخية والكرامة الوطنية والهويات العميقة التي لا تتحرك دائمًا وفق منطق الربح والخسارة المباشر.

خذ مثلًا الصراع مع إيران؛ فمن يقرأ المشهد فقط بعين الحسابات العسكرية، قد يظن أن الأمر مجرد ميزان قوة بين دولة عظمى ودولة إقليمية، لكن من يقترب قليلًا من التاريخ الإيراني، ومن النفسية السياسية في هذا البلد، سيكتشف طبقة أخرى أعمق بكثير؛ فإيران، في جزء كبير من خطابها السياسي، لا تتحرك فقط كدولة، بل كحكاية تاريخية طويلة عن الصمود والهوية والكرامة المجروحة.

داخل هذه الحكاية تعيش سرديات دينية وثقافية شديدة القوة، تبدأ من كربلاء ولا تنتهي عند السياسة الحديثة، فكرة الشهادة، وفكرة الصبر الطويل، وفكرة المواجهة حتى في لحظات الاختلال الكبير في ميزان القوة، هذا جزء من البناء النفسي الجمعي، الذي يعطي المجتمع قدرة على تحمل الضغوط، بطريقة قد تبدو أحيانًا غير مفهومة لمن ينظر من الخارج.

عندما يلتقي أسلوب سياسي يعتمد على الضغط الأقصى، مع بنية نفسية جماعية ترى في الصمود فضيلة كبرى، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو على شاشات الأخبار؛ فالضغط الذي قد يؤدي في بعض الحالات إلى التراجع، وقد يؤدي في حالات أخرى إلى العكس تمامًا.. مزيد من التصلب، لأن التراجع نفسه يُقرأ داخل الثقافة السياسية بوصفه مساسًا بالكرامة.

من هنا يصبح السؤال عن «الثقافة السياسية» للقادة سؤالًا مهمًا؛ فالثقافة السياسية لا تعني فقط معرفة القوانين أو قراءة التقارير الاستخباراتية، بل تعني القدرة على فهم النفس البشرية حين تتحول إلى قوة تاريخية، تعني إدراك أن الأمم، مثل الأفراد، تتحرك أحيانًا بدوافع غير عقلانية ظاهريًا، لكنها عميقة الجذور في الذاكرة الجماعية.

ومع ذلك، فإن اختزال السياسة الدولية في شخصية قائد واحد سيكون تبسيطًا مخلًا؛ فالنظام السياسي في الولايات المتحدة، على الرغم من كل ما يقال عنه، لا يقوم على إرادة فرد واحد، هناك شبكة كاملة من المؤسسات التي تشارك في صناعة القرار.. وزارة الخارجية، البنتاجون، أجهزة المخابرات، مجلس الأمن القومي، والكونجرس، هذه المؤسسات تعمل، في كثير من الأحيان، كنوع من الجهاز العصبي الجماعي الذي يوازن اندفاعات القادة، ويعيد إدخال الحسابات الاستراتيجية الطويلة إلى المشهد.

لكن الأزمات الكبرى لا تكشف فقط عن شخصية القادة، بل تكشف أيضًا عن الحالة النفسية للمجتمعات؛ فظهور شخصية مثل ترامب لا يمكن فصله عن التحولات العميقة داخل المجتمع الأمريكي نفسه؛ فهناك شعور متزايد لدى قطاعات واسعة بأن العالم الذي عرفوه يتغير بسرعة.. العولمة، التحولات الاقتصادية، صعود قوى جديدة، وتراجع الإحساس باليقين الذي كان يميز العقود السابقة.

في النهاية، قد يكون الدرس الذي يقدمه لنا علم النفس السياسي بسيطًا ولكنه عميق.. إن العالم لا يُدار فقط بالعقل البارد، بل أيضًا بالخوف والكرامة والذاكرة، ومن لا يرى هذه الطبقات الخفية قد يظن أنه يتحرك داخل لعبة سياسية عادية، بينما هو في الحقيقة يوقظ قوى نفسية وتاريخية، قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد بكثير من حدود اللحظة الراهنة.

«وما الحروبُ سوى صدىً لقلوبِنا.. إن هدأت… هدأ الزمانُ وما جرى».

Leave a Reply

Your email address will not be published.