هل من الممكن أن نبني مجتمعًا سليمًا؟

هل من الممكن أن نبني مجتمعًا سليمًا؟

كأننا في رحلة بحث طويلة عن بيتنا الكبير.. مصر. كلما حاولنا بناء جدرانه، نكتشف أن الحجر الحقيقي ليس طوبًا أو إسمنتًا، بل هو الإنسان الذي يُولَد كل يوم بحاجة إلى من يغرس في روحه معنى الانتماء والصبر والأخلاق. هذه هي التربية، ذلك الخيط الخفي الذي ينسج ملامح الشخصية المصرية، لكن هذا الخيط اليوم أصبح متشابكًا بين عراقة الماضي وأسئلة الحاضر، وبات السؤال يتردد في كل زاوية: كيف لنا أن ننسج مجتمعًا سويًا، ونحن نبحث عن بوصلتنا في عاصفة من المتغيرات؟

ثمة خلطٌ شائع وخطير في مجتمعنا بين مفهومي التعليم والتربية. التعليم هو نقل المعرفة والمهارات، أما التربية فهي صياغة الضمير وتشكيل الوجدان وبناء الشخصية المتكاملة، قد تمنح شابًا أعلى الشهادات، لكن إن افتقد إلى الصدق، أو الشعور بالمسؤولية، أو احترام الآخر، فأنت لم تُنشئ إنسانًا سويًا، بل صنعت إنسانًا يحمل علمًا بلا أخلاق. في مصر، وفي مصر كثيرًا ما تتركز طاقة الأسرة والمدرسة على تحصيل الدرجات وكأنها الغاية القصوى؛ فنصنع متفوقين دراسيًا، بينما نهمش بناء الإنسان القادر على العطاء، والقادر على فهم معنى المواطنة، لأن المجتمع السوي لا تبنيه شهادات معلقة على الجدران، بل ضمائر حية تسكن الصدور.

يعيش الطفل المصري حالة من الارتباك القيمي؛ فهو يسمع في المدرسة عن احترام القانون، ثم يشاهد والده يخالف المرور أو يدفع رشوة لتسيير مصلحة. ويتربى على أن الصدق فضيلة، ثم يجد الكذب وسيلة أسهل للنجاة. هذه الازدواجية بين ما يُقال وما يُفعل تصنع شخصية منقسمة، تعرف الصواب نظريًا لكنها لا تملك الدافع لتطبيقه، ولا ترى نموذجًا حيًا يُحتذى به. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، حين يتحول الانفصام بين القول والفعل إلى ثقافة سائدة ومقبولة.

ثم تأتي المدرسة، التي تحولت إلى ما يشبه مصنعًا للشهادات؛ فالمناهج المكدسة التي تختبر الذاكرة، وانهيار الأنشطة المدرسية التي كانت تزرع روح العمل الجماعي والفن والرياضة، وتراجع مكانة المُدَرِّس حتى فقد جزءًا من هيبته وقدرته على التأثير كقدوة، كلها عوامل أفرغت العملية التعليمية من مضمونها التربوي. يخرج الطالب وهو لا يعرف معنى الانتماء الحقيقي، ولا قيمة التطوع، ولا حتى أبسط قواعد النظافة العامة أو آداب الحوار. وبالتوازي، يمارس الإعلام ووسائل التواصل دورًا أخطر، حيث يقدم نماذج سطحية للنجاح تقوم على ثقافة الثراء السريع، ويغرق النشء في محتوى فارغ أو عنيف، تاركًا إياهم فريسة للتقليد الأعمى دون قدرة على النقد.

وفي قلب هذه المنظومة المنهكة، تقف الأسرة المصرية التي تواجه ضغوطًا اقتصادية هائلة، بينما تولت الشاشات مهمة التنشئة الفعلية. وضعف الحوار الأسري، واختفاء جلسات الحكمة التي كانت تنتقل عبر الأجداد، خلق فراغًا نفسيًا وروحيًا هائلًا. وعندما ينشأ الطفل بلا بوصلة أخلاقية، فإنه يخرج إلى المجتمع وهو يحمل أنانية مفرطة، وإحساسًا ضعيفًا بالمسؤولية تجاه وطنه وجيرانه، واستعدادًا كامنًا لقبول الفوضى والتعدِّي على حقوق الآخرين طالما كان ذلك يحقق له منفعة آنية.

إن النتيجة الحتمية لإهمال التربية السوية تتجلى في تفاصيل حياتنا اليومية؛ في إلقاء القمامة في الشوارع، وفي الغش المستشري، وفي القيادة المتهورة، ومع هذا المشهد، يظل الأمل معقودًا على إدراك حقيقة أن الشخصية المصرية تمتلك في جوهرها خامات استثنائية، من ذكاء فطري وقدرة على التضامن في الشدائد. لكن هذه الخامات تحتاج إلى مشروع تربوي وطني شامل ينقذها من التشوه. مشروع لا يقوم على الترهيب، بل على غرس القيم بالحب والمنطق، وعلى صناعة قدوات حقيقية من المعلمين والمفكرين والفنانين. مشروع يبدأ من إصلاح مناهج التعليم لتحفز على التفكير النقدي والإبداع، ويمتد إلى إنتاج إعلامي هادف يخاطب وجدان الطفل، ويصل إلى تمكين الأسرة اقتصاديًا واجتماعيًا حتى يتفرغ الوالدان لدورهما التربوي الأهم. إن بناء مجتمع سوي في مصر قضية وجود وأمن قومي. فكل مظاهر الفساد هي نتاج تربة خصبة من الفراغ القيمي. ولنفهم أن النيل الحقيقي الذي يروي مستقبل هذا البلد ليس مجرىً مائيًا، بل هو نهر من الضمائر الحية والعقول المستنيرة.

إن الاستثمار في تربية الإنسان المصري ليس ترفًا، بل هو الاستثمار الوحيد الذي يضمن أن يبقى هذا الوطن قادرًا على بناء مجتمع سوي، يليق بتاريخه العظيم، ويمنح أبناءه مستقبلًا أكثر عدلًا وكرامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.