تُرى.. ما هي بوصلتك الأخلاقية؟

تُرى.. ما هي بوصلتك الأخلاقية؟

دخل إلى مكتبه يبحث عن شيءٍ ضاع منه. لم يكن هاتفه المحمول، ولا مفاتيح بيته، ولا بطاقته القومية، ولا بطاقته الائتمانية. كان يبحث عن بوصلته الأخلاقية. فتح الأدراج، وفتش بين الأوراق، ثم خرج إلى الشارع يواصل البحث. ذكّرني بمشهد جحا وهو يفتش عن مفاتيح بيته تحت أحد أعمدة الإنارة. سأله الناس: أين أضعتها؟ فقال: في البيت. قالوا: ولماذا تبحث هنا؟ فأجاب: لأن هنا يوجد النور. كثيرون اليوم يفعلون الشيء نفسه؛ يبحثون عن بوصلتهم الأخلاقية في المكان الخطأ، بينما يعرفون جيدًا أين فقدوها.

نتحدث كثيرًا عن النجاح والطموح، وتحقيق الذات، والذكاء، والمهارات، لكننا نادرًا ما نسأل سؤالًا صعبًا رغم أنه يبدو سهلًا: ما الذي يحدد اتجاه قراراتك عندما لا يراك أحد؟ ما المرجع الذي تعود إليه عندما تتعارض المصلحة مع المبدأ؟ وما الذي يمنعك من أن تفعل كل ما تستطيع فعله، لمجرد أنك قادر عليه؟

هذه هي البوصلة الأخلاقية.

ليست قانونًا يخيفك، ولا كاميرا تراقبك. إنها ذلك الصوت الهادئ الذي يسكن أعماق الإنسان، ويخبره أن هناك أشياء لا ينبغي أن يفعلها حتى لو كان واثقًا أنه لن يُكشَف، وأن هناك مواقف يجب أن يتحمل فيها الخسارة لأنه إذا ربحها فقد يخسر نفسه، ومن المفارقات أن الإنسان لا يفقد بوصلته الأخلاقية فجأة. لا أحد يستيقظ صباحًا ليقرر أن يصبح شخصًا بلا ضمير. الأمر يبدأ بخطوة صغيرة، ثم تتبعها خطوة أخرى. كذبة بدعوى أنها بيضاء، ثم تنازل بحجة الظروف، ثم تبرير لأن الجميع يفعلون الشيء نفسه، ثم يصبح ما كان يرفضه بالأمس أمرًا عاديًا اليوم، وهنا تكمن خطورة النفس البشرية؛ فهي لا تبرع في ارتكاب الخطأ بقدر ما تبرع في تبريره. نستطيع أن نجد لأنفسنا ألف حجة تجعل التجاوز يبدو ضرورة، وألف تفسير يجعل الأنانية تبدو حقًا مشروعًا.

ومع مرور الوقت، لا يتغير الفعل فقط، بل يتغير الإحساس به. وما كان يؤنب الضمير في البداية، يصبح مألوفًا بعد التكرار. وكأن الضمير نفسه يعتاد الصمت إذا لم نصغ إليه. يزداد الأمر تعقيدًا لأننا نعيش في زمن يخلط كثيرًا بين النجاح والقيمة؛ فأصبح السؤال الذي نطرحه عن الناس هو: كم يملكون؟ ماذا حققوا؟ كم عدد متابعيهم؟ وقلما نسأل: كيف وصلوا؟ وماذا دفعوا من قيمهم وأخلاقهم في الطريق؟ ليست المشكلة في النجاح؛ فالنجاح قيمة عظيمة، والمال والشهرة والنفوذ ليست شرورًا في ذاتها؛ بل قد تكون وسائل لفعل الخير، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الغاية إلى مبرر لاستخدام أي وسيلة، وحين يقتنع الإنسان بأن الوصول إلى النتيجة يمنحه الحق في تجاوز مبادئه.

في عيادتي رأيت أشخاصًا نجحوا في أعمالهم، لكنهم فشلوا في أن يداعب النوم أجفانهم. كانوا يحملون في داخلهم محكمة، مهما أقنعوا الآخرين ببراءتهم. ورأيت في المقابل أناسًا لم يحققوا ثراءً كبيرًا، لكنهم كانوا يملكون نعمة راحة الضمير التي يصعب شراؤها؛. لم يكونوا ملائكة، ولا معصومين من الخطأ، لكنهم كانوا يملكون الشجاعة للاعتراف به، والقدرة على تصحيحه، ولعل هذا هو الفارق بين من يخطئ ومن يفقد بوصلته. الأول يتعثر ثم يعود، أما الثاني فيغيّر اتجاه الطريق كله، ثم يقنع نفسه أنه لم يبتعد.

أحيانًا تكون البوصلة الأخلاقية كلمة قالها أب لابنه، أو موقفًا عاشته أم مع أطفالها، أو معلمًا رفض أن يغش تلاميذه، أو طبيبًا رفض أن يبيع ضميره، أو موظفًا أعاد حقًا لم يكن أحد سيكتشف ضياعه؛ فالقيم لا تُحفظ بالخطب، وإنما بالأفعال الصغيرة التي تتكرر حتى تصبح جزءًا من الشخصية، ولذلك، لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: هل ما زال المجتمع يحتفظ بأخلاقه؟ فلكل جيل فضائله وأخطاؤه. السؤال الأهم هو: هل ما زال كل واحد منا يراجع بوصلته من وقت إلى آخر؟ أم أننا تركنا اتجاهنا تحدده المصلحة، والضغوط، وإيقاع الحياة السريع؟ فالضياع الحقيقي لا يبدأ عندما لا تعرف إلى أين تذهب، وإنما عندما تتوقف عن سؤال نفسك: هل ما زلت أسير في الاتجاه الذي أؤمن به؟ ولهذا لن أختم بإجابة، لأن لكل إنسان ظروفه وتجربته وقيمه.

سأكتفي بالسؤال.. حين تُغلق الأبواب، ويغيب الناس، ولا يبقى معك إلا ضميرك. تُرَى، ما هي بوصلتك الأخلاقية؟

Leave a Reply

Your email address will not be published.