هل نحن شعب يمشي في دوائر الهجرة؟

هل نحن شعب يمشي في دوائر الهجرة؟

جاءني إلى العيادة رجل ستيني يشكو من اكتئاب جسيم، لم يفقد زوجةً أو مالًا أو صحة، لقد انتقل من شقته التي عاش فيها معظم عمره إلى كومباوند فاخر بجوار أولاده وأحفاده. كل شيء بدا أفضل.. فيللا أوسع، وخدمات أرقى، وأمن أكثر، وحدائق أجمل. ومع ذلك جلس أمامي يقول بصوتٍ مكسور: «أشعر كأنني اقتُلعت من أرضي». أدركت وقتها أن الإنسان لا يسكن الجدران فقط، بل يسكن الذكريات والعلاقات والأصوات المألوفة أيضًا، وأن بعض البيوت تتحول مع الزمن إلى جزء من النفس، بحيث يصبح الرحيل عنها، مهما بدا منطقيًا ومغريًا، أشبه بعملية اقتلاع لجذورٍ خفية. ومن هنا تسلل إلى ذهني سؤال أكبر: هل أصبحنا شعبًا يبحث دائمًا عن عنوانٍ جديد؟

خلال العقود الأخيرة عاش المصريون واحدة من أكبر موجات الانتقال الداخلي في تاريخهم الحديث. ملايين تركوا القرى إلى المدن، ثم غادروا المدن الصغيرة إلى القاهرة، ثم انتقلوا من أحياء القاهرة القديمة إلى أحياء أحدث، ثم إلى المدن الجديدة والكومباوندات. وكأن المجتمع كله دخل في حالة هجرة مستمرة لا تتوقف. بالطبع كانت هناك أسباب حقيقية ومفهومة.. الزحام، والتلوث، وتدهور الخدمات، والبحث عن حياة أكثر راحة وأمانًا. لكن يبقى سؤال يفرض نفسه: لماذا لا نشعر بعد سنوات طويلة أننا وصلنا إلى المكان النهائي؟

لا يحتاج الإنسان إلى بيتٍ فقط، بل يحتاج إلى الاستمرارية. يحتاج إلى أن يشعر أن هناك شيئًا ثابتًا في عالم يتغير باستمرار؛ فالطفل يبني إحساسه بالأمان من خلال تكرار الوجوه والأصوات والعادات اليومية. وعندما يكبر يظل هذا الاحتياج قائمًا. لذلك يتعلق كثير من الناس بالأماكن التي عاشوا فيها سنوات طويلة، ليس لأن المكان أجمل من غيره، بل لأن جزءًا من تاريخهم الشخصي أصبح مزروعًا فيه.

لكن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد الانتقال العمراني؛ فالمفارقة أن كثيرًا من المدن الجديدة نجحت في توفير النظام والنظافة والأمن، لكنها لم تنجح دائمًا في خلق الإحساس بالحياة تمامًا. ولم تكن التطبيقات الإلكترونية وحدها سبب ذلك، بل تبدّلت عادات الناس أنفسهم؛ فأصبح التواصل عبر الشاشات أكثر مما يتم عبر اللقاءات المباشرة. أصبح كل شيء أكثر كفاءة، لكنه ليس بالضرورة أكثر دفئًا.

ولا أقول إن الماضي كان فردوسًا مفقودًا. لكن كانت هناك أيضًا شبكة اجتماعية غير مرئية تمنح الإنسان إحساسًا بأنه جزء من مجتمع حقيقي، كأن أذهب إلى جارتنا وأنا طفل لأسألها «أمي بتقوللك سلفينا بصلة». كان يعرف من حوله ويعرفونه. أما اليوم فقد يعيش الإنسان سنوات طويلة في المكان نفسه، دون أن يعرف إلا عددًا محدودًا من جيرانه.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الهجرة في بعض مناطق مصر لم تعد مجرد قرار فردي، بل تحولت إلى ثقافة كاملة تنتقل عبر الأجيال. في بعض قرى الشرقية والفيوم والدقهلية والمنوفية وغيرها، يكفي أن تسأل عن تاريخ أسرة ما حتى تكتشف أن الجد سافر إلى إيطاليا أو فرنسا، ثم لحق به الأبناء، ثم الأحفاد. لم تعد الهجرة حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت جزءًا من السيرة الذاتية للأسرة نفسها.

قرأت مؤخرًا مقالًا مهمًا للدكتورة هنا أبو الغار، تتأمل فيه رحلتها من العجوزة إلى الدقي ثم إلى إحدى المدن الجديدة. وفي رأيي لم يكن المقال عن السكن بقدر ما كان عن سؤال أعمق: ماذا نبحث عنه حقًا عندما نغير أماكننا؟ هل نبحث عن بيتٍ جديد أم عن شعورٍ قديم افتقدناه؟

ربما لا تكمن المشكلة في المدن الجديدة ولا في القديمة. لكن أخطر ما أصابنا هو تآكل الثقة في أن أي مكان يمكن أن يبقى جميلًا ومستقرًا لعقود طويلة، وعندما يفقد الناس هذه الثقة يصبح الرحيل هو الحل الأسهل. نترك مكانًا إلى آخر، ثم نترك الآخر إلى غيره، بينما يظل السؤال معلقًا: هل المشكلة في المكان فعلًا، أم في المجتمع الذي نحمله معنا أينما ذهبنا؟

لعل البيوت، مثل البشر، تحتاج إلى من يبقى فيها ويعتني بها ويؤمن بمستقبلها. ولعل المدن أيضًا لا تُبنى بالحجر وحده، بل بالذكريات والعلاقات والاستمرارية. ففي النهاية، قد يكون أكثر ما يحتاجه الإنسان ليس مكانًا جديدًا، بل شعورًا بأنه وصل أخيرًا إلى مكان يستطيع أن يتوقف فيه عن الرحيل.

Leave a Reply

Your email address will not be published.