تاتا تاتا.. خَلّيهم يجروا

تاتا تاتا.. خَلّيهم يجروا

اكتشفتُ مؤخرًا أنني متأخر. ليس في موعد، ولا في تسليم مقال، ولا حتى في الوصول إلى العيادة. أنا متأخر في الحياة نفسها. الناس كلها تجري، وأنا – لسبب لا أعرفه – ما زلت أمشي، والأسوأ أنني أحيانًا أقف. أنظر إلى شجرة، أشرب قهوتي على مهل، أتحدث مع إنسان من غير أن أمسك هاتفي، وأرتكب أحيانًا الجريمة الكبرى: أجلس عشر دقائق لا أفعل شيئًا. وهذه، بالمقاييس الحديثة، علامات فشل واضحة.

جاءتني أغنية أمير عيد «تاتا» كأنها تطمئنني إلى أن هناك آخرين أصابهم المرض نفسه. يمشي «بشويش جدًا»، بينما الناس تجري. والحقيقة أنني نظرت حولي فوجدت أن الرجل لم يبالغ؛ فنحن بالفعل نجري، والمشكلة الوحيدة أننا لا نعرف إلى أين. نستيقظ فنجري إلى الهاتف لنعرف ماذا حدث في العالم أثناء الساعات التي تجرأنا فيها على النوم، ثم نجري إلى العمل، ومن العمل إلى موعد، ومن الموعد إلى مطعم أصبح «تريند». ننتظر نصف ساعة لكي نجلس، ثم نقضي الساعة التالية في تصوير الطعام، وقد يبرد الطعام، لكن الصورة تكون ممتازة. تطورت البشرية كثيرًا. كان الإنسان القديم يصطاد الغزال لكي يأكله، والإنسان الحديث يطلب الستيك لكي يصوره.

ثم ظهرت مرحلة أكثر تقدمًا: لم يعد مهمًا أن تكون سعيدًا، المهم أن تكون لديك صورة تثبت أنك سعيد. نرفع الكأس أمام البحر، ونمد القدمين أمام حمام السباحة، ونكتب Living my best life، ثم نضع الهاتف جانبًا ونعود إلى الخناقة التي كنا فيها قبل التصوير بثلاثين ثانية. أحيانًا أشعر أن حياتنا أصبحت تحتاج إلى قسم علاقات عامة. لكل إنسان الآن نسخة حقيقية ونسخة إعلامية. الحقيقية تقلق من المستقبل، وتختلف مع زوجها، وتكره عملها أحيانًا وتشعر بالوحدة. أما النسخة الإعلامية فتسافر، وتأكل السوشي، وتشرب القهوة في أكوابٍ أنيقة، وتعرف دائمًا أين تقف لكي يأتي الغروب خلفها بالضبط، والمشكلة أن النسخة الحقيقية بدأت تغار من النسخة الإعلامية لصاحبها.

ثم جاءت الماركات لتنقذنا من أزمة الهوية. إذا لم تكن تعرف من أنت، فلا تقلق؛ فيمكن للحذاء أن يجيب. والساعة أيضًا. والعربية بالتأكيد. ولهذا أعجبتني «اللادا» في الأغنية. اللادا هنا تكاد تصبح موقفًا من الحياة: عربية روسي، حمالة قسية، لا تعدك بأنك ستصبح شخصًا آخر بمجرد أن تجلس داخلها. ستوصلك فقط. وربما تتعب قليلًا في الطريق. لكنها، على الأقل، لا تطلب منك أن تتظاهر بأنك إيلون ماسك وأنت ذاهب لشراء فول وطعمية.

لقد أصبح المظهر وظيفة كاملة. نذهب إلى الجيم لكي نصنع الجسم، ثم نشتري الملابس التي تظهره، ثم نختار المكان المناسب لتصوير الاثنين، ونعدِّل الإضاءة، وننشر الصورة، ثم نجلس نراقب عدد الذين ضغطوا على القلب، وبعد كل هذا نسأل: لماذا نحن مرهقون؟ لأنك يا عزيزي لم تعُد تعيش فقط. أنت تعيش، وتصوِّر أنك تعيش، وتراقب الآخرين وهم يشاهدونك تعيش، ثم تقارن حياتك بحياتهم. أربع وظائف في وقت واحد، وفي وسط ذلك كله تظهر واحدة من أذكى أفكار الأغنية: قلوب كئيبة ووجوه مبتسمة. هنا تتوقف السخرية قليلًا.

نحن نعيش في زمن ازداد فيه عرض السعادة ربما أكثر مما ازدادت السعادة نفسها. نرى حياة الآخرين من الخارج، ثم نحاكم حياتنا من الداخل. وهي مباراة غير عادلة؛ فأنا أعرف قلقي وخوفي وفشلي وأيامي الثقيلة، بينما لا أعرف عن الآخر إلا الصورة التي اختارها بعد أن حذف إحدى عشرة صورة قبلها. ثم أقول: لماذا هو سعيد وأنا لا؟ وقد يكون هو، في اللحظة نفسها، ينظر إلى صورتي ويسأل السؤال نفسه.

وهكذا تجري الغابة كلها وراء بعضها. كل واحد يظن أن الآخر يعرف الطريق، والأطرف أننا اخترعنا أجهزة توفر لنا الوقت، ثم أصبحنا الجيل الذي لا يملك وقتًا. الغسالة تغسل، والهاتف يدفع الفواتير، والتطبيق يأتي بالطعام، والسيارة تعرف الطريق، والذكاء الاصطناعي يكتب ويلخص ويبحث، ومع ذلك إذا سألت أحدًا: «عامل إيه؟» سيجيبك غالبًا: «والله ما لاحق». لا أعرف بالضبط ما الذي لا نلحقه. ربما الحياة نفسها.

وهنا أحب «تاتا تاتا». ليست دعوة إلى الكسل أو العودة إلى الكهوف ومعنا اللادا الروسية. إنها فقط تضع أمام هذا الجنون سؤالًا بسيطًا: ماذا لو لم أجرِ؟ ماذا لو ذهبت إلى مكان جميل ولم أصوّره؟ جلست مع شخص أحبه ساعتين ولم أنظر إلى الشاشة؟ أكلت الطعام وهو ساخن؟ قد تبدو أفكارًا ثورية. لأن السير ببطء وسط قطيع يجري يحتاج إلى شجاعة.

الآخرون يتحولون إلى ساعة توقيت لحياتك.. تتزوج لأن أصحابك تزوجوا، وتشتري لأنهم اشتروا، وتسافر لأنهم سافروا، وتغيِّر العربية لأن الموديل أصبح قديمًا. ثم، بعد سنوات من الجري، تسأل نفسك السؤال المحرج: أنا كنت رايح فين؟

لهذا أحب أن أتصور صاحب الأغنية في اللادا القديمة، يمشي ببطء، بينما تمر بجواره السيارات الفارهة. قد يصل بعدهم بعشرين دقيقة. لكنه ربما يكون قد رأى الطريق، وربما تحدث مع التي تجلس بجواره. أما نحن فقد وصلنا قبل الجميع. نزلنا بسرعة، وأخرجنا الهواتف، وبدأنا نتصور. لأننا، في النهاية، لا يكفينا أن نصل. لا بد أن يعرف الناس أننا وصلنا.

وأظنني، بعد كل هذا، سأظل متأخرًا قليلًا.

تاتا تاتا. خلّيهم يجروا.

Leave a Reply

Your email address will not be published.