حين يسكن الرقيب داخلنا

حين يسكن الرقيب داخلنا

كتب حمدي رزق في «المصري اليوم» عن الحرية والمعلومات والمسؤولية، قبل أن ينتهي إلى فقرة تحدث فيها عن خوف يعتري الكُتّاب والإعلاميين من المراقبة والتقييم والإحراج، وعن رقابة ذاتية تترك، على حد تعبيره، آثارها كـ«الندوب السوداء» على وجه الإعلام الوطني..

في علم النفس الدينامي، هناك فارق جوهري بين الرقيب الموجود في الخارج والرقيب الذي ينتقل، مع الزمن، إلى الداخل؛ فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى مَن يقول له: لا تتكلم. تكفي خبرات متكررة يتعلم منها أن لبعض الكلمات كُلفة، وأن الخطأ ربما يُحاسَب عليه، وأن الحدود ليست واضحة.

عندئذٍ يبدأ العقل في ممارسة أقدم وظائفه الدفاعية.. توقُّع الخطر قبل وقوعه؛ فيراجع الكاتب جملته قبل نشرها، ثم يراجع المراجعة، ومع التكرار لا يعود في حاجة إلى رقيب؛ فقد أصبح يحمل رقيبه معه، إنه «الاستدماج»؛ فنحن نحمل داخلنا، منذ الطفولة، أصوات الأب والأم والمُدَرِّس والجماعة والسلطة الأخلاقية، وهذا ضروري للحياة؛ فمن دون رقابة داخلية تصبح الحرية فوضى.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوَّل الضمير المنظِّم للسلوك إلى خوف استباقي. عندها لا يعود السؤال: «هل ما أقوله صحيح ومسؤول؟»، بل يصبح: «ماذا يمكن أن يحدث لي إذا قلته؟».

وهذا هو الفارق بين الضمير المهني والرقابة الذاتية الخائفة، والإنسان لا يتعلم الخوف من تجربته وحدها، بل مما يحدث للآخرين. فحين يرى زميلًا تعرَّض لمشكلة، أو يلاحظ أن مساحةً كانت متاحةً بالأمس أصبحت غامضة اليوم، لا يعود في حاجة إلى تعليمات؛ فجهازه النفسي يتولى الباقي.

هكذا ينتقل الخوف من الفرد إلى الجماعة، ويتحوَّل من انفعال شخصي إلى ثقافة غير مكتوبة، ومن هنا تأتي مفارقة خطرة؛ فكلما غابت الحدود الواضحة، اتسَّعت الحدود التي يرسمها الخوف؛ فالإنسان يستطيع التعامل مع الحَدّ المعروف، لكنه يقلق أمام الحَدّ الغامض.

وإذا لم يعرف أين تنتهي المساحة المسموحة، فإنه، حمايةً لنفسه، يرسم مساحة أصغر، ثم يضيّقها مرة أخرى، حتى يصبح الممنوع الذي صنعه العقل أوسع من الممنوع.

وهنا تكتسب قضية المعلومات التي أثارها حمدي رزق أهمية نفسية؛ فالمعلومة تقلل مساحة التخمين، وتلك أرض خصبة للقلق، وحين تغيب المعلومة الموثقة، يصبح الصحفي أكثر حذرًا، والمصدر أكثر تحفظًا، والمتلقّي أكثر شكًا.

ثم ندخل دائرة مغلقة.. نقص المعلومات يولِّد القلق، والقلق يولِّد التحفُّظ، والتحفظ يضعف تدفق المعلومات، فيزداد القلق.

ومن الخطأ اختزال المسألة في «صحفي خائف» في مقابل «صحفي شجاع»؛ فالإنسان لا يعمل في فراغ؛ هناك المؤسسة والزملاء والمصادر والقانون والجمهور والذاكرة المتراكمة، وما نراه من سلوك هو محصلة تفاعل كل هذه القوى.

لذلك فإن مطالبة الصحفي بالشجاعة وحدها تبسيط، مثلما أن إعفاءه تمامًا من مسؤوليته تبسيطٌ آخر، والخوف المستمر لا ينتج الصمت فقط، بل يؤثر في نوعية التفكير؛ فالعقل المنشغل بتجنب الخطأ يستهلك طاقته في الدفاع بدلًا من الاكتشاف.

ومع الزمن تتشابه العناوين، وتصبح اللغة أكثر أمانًا وأقل حياة؛ لأن المساحات النفسية الآمنة قد ضاقت.

وأتحفَّظ هنا على استخدام تعبير «الرُهاب النفسي» بمعناه الطبي؛ فالرُهاب تشخيص له شروطه، ولا يجوز أن نشخِّص به جماعة مهنية كاملة، لكن ما وصفه حمدي رزق يستحق الدراسة بوصفه سيكولوجية للرقابة الذاتية.

والسؤال ليس: هل الإعلاميون مرضى بالخوف؟ بل: ما الظروف التي تجعل إنسانًا طبيعيًا يتصرَّف كما لو أن الخطر حاضر، حتى عندما لا يراه؟

وربما تستحق هذه القضية أن يضعها وزير الدولة للإعلام أمامه؛ فتطوير الإعلام ليس استوديوهات أحدث، وشاشات أجمل، ودورات تدريبية أكثر فقط، بل هو بناء مناخ مهني يعرف فيه الصحفي حدود مسؤوليته، ويحصل على المعلومة، ويستطيع أن يسأل ويختلف، وفي الوقت نفسه يتحمل مسؤولية ما يكتب وما يقول؛ فهناك فارق هائل بين صحفي يقول: «لن أكتب هذا لأنني خائف»، وآخر يقول: «لن أكتبه لأنني تحقَّقت منه فوجدته غير صحيح أو غير عادل».

الأول تحكمه غريزة النجاة، والثاني يحكمه ضمير المهنة، ولعل أخطر ما يفعله الخوف أن يتوقف الإنسان عن تسميته خوفًا؛ فيصبح الحذف حكمة، والصمت احترافًا، والتراجع تعقُّلًا، ثم تُنسى بالتدريج حدود المساحة التي كانت يومًا أوسع.

عندها لا يعود السؤال: أين الرقيب؟ بل يصبح السؤال الأصعب: كم بقي من الرقيب في الخارج، وكم منه أصبح يسكن داخلنا؟

Leave a Reply

Your email address will not be published.