من أبلغ ما قرأت في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ). توقفت طويلًا أمام هذا التعبير المُدهش. لم يقُل في كلماتهم، وإنما في لحن القول؛ أي في الطريقة التي تُقال بها الكلمات، وفي التلميح الذي يتسلل من بين الحروف، وفي المعنى الذي لا يُصرَّح به، ولعل الإنسان يستطيع أن يكذب بالكلمات، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يجعل نبرته مطابقة لما يقول. منذ سنوات وأنا أتأمل هذه الظاهرة في حياتنا المصرية، خصوصًا في الخطاب العام، وعلى شاشات التليفزيون، وفي أحاديث بعض المسؤولين والمتحدثين باسم المؤسسات. أسمع كلمات جميلة عن المواطن، والإنجاز، والمسؤولية، والشفافية، ثم أجد نفسي أحيانًا أمام إحساس غامض بأن هناك شيئًا لا يستقيم، ليس بالضرورة أن تكون الكلمات كاذبة، ولكن النبرة تبدو أحيانًا أكبر من الحقيقة التي تحملها.
هناك مذيع يتحدث عن معاناة الناس كما لو كان يوبخهم لأنهم يعانون، ومذيعة تسأل ضيفها سؤالًا يبدو بريئًا، لكنها تحمل في نبرتها الإجابة التي تريد سماعها. وهناك من يرفع صوته كلما ضعفت حجته، ومن يبتسم ابتسامةً عريضة وهو يتحدث عن أزمة تستدعي قدرًا من الحزن أو التواضع. ليست المشكلة في ارتفاع الصوت أو الابتسام، وإنما في المسافة بين الانفعال والموقف، بين ما يُقال وما يشعر المتلقي أنه يُراد منه أن يصدقه.
في علم النفس، لا تُختزل عملية التواصل في الكلمات وحدها؛ فهناك النبرة، والإيقاع، والتوقف، والتشديد، والسياق. وقد تحمل هذه العناصر رسائل تختلف عن المعنى الظاهر للكلام. لكن من الخطأ العلمي أيضًا أن نزعم أننا نستطيع اكتشاف الكذب من نبرة الصوت وحدها. ما نستطيع رصده هو التناقض، أما النوايا فتحتاج إلى أدلة، وقد يلجأ الإنسان إلى المبالغة في اليقين دفاعًا عن قلق داخلي، أو إلى الاستعلاء حمايةً لصورة ذاتية هشة، أو إلى السخرية هربًا من مواجهة ألم الآخرين. وقد تكون هذه الأساليب واعية ومقصودة، وقد تكون عادات نفسية لا ينتبه إليها صاحبها. اجتماعيًا المسألة تتجاوز الأفراد إلى المناخ الذي ينتج الخطاب نفسه؛ فحين تصبح المكافأة مرتبطة بإظهار الولاء أكثر من إظهار الكفاءة، وحين يُنظر إلى السؤال باعتباره تشكيكًا، وإلى النقد باعتباره عداءً، تنشأ لغة عامة تتنافس في الطمأنة والتأكيد والمبالغة. لا يعود المطلوب أن تشرح الواقع، بل أن تمنح الجمهور شعورًا بأن كل شيء تحت السيطرة، وهنا يظهر ما يمكن تسميته «لحن السلطة»، لا بمعنى سلطة سياسية بعينها، بل كل سلطة تخشى الاعتراف بالخطأ؛ من مدير المدرسة إلى رئيس المؤسسة، ومن رب الأسرة إلى صاحب المنبر الإعلامي، ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أن المتلقي المصري اكتسب، عبر خبرات طويلة، حساسية خاصة تجاه الكلام الرسمي؛ فهو لا يسمع الجملة وحدها، وإنما يستدعي تاريخًا من الوعود والتبريرات والتجارب الشخصية، وحين يسمع عبارة «لا داعي للقلق»، قد يقلق أكثر، لأن الثقة بين القائل والسامع تعرضت للاهتزاز، والثقة في جوهرها، ليست مسألة بلاغة، وإنما مسألة اتساق بين القول والفعل. ليس كل مذيع مرتفع الصوت مزيفًا، ولا كل نبرة مطمئنة تخفي حقيقة مؤلمة؛ فهناك إعلاميون يحترمون عقول الناس، ومسؤولون يملكون شجاعة الاعتراف بالتقصير، والمشكلة ليست في أن نختلف مع المتحدث، بل في أن يصبح الاختلاف معه مستحيلًا.
إن أخطر ما يصيب الخطاب العام ليس الكذب وحده، وإنما اعتياد اللغة التي لا تسمح بالشك، ولا تحتمل السؤال، ولا تترك مساحة للاعتراف الإنساني البسيط: «لا أعرف»، أو «أخطأنا»، أو «لم ننجح بعد»، أحيانًا تكون هذه العبارات الثلاث أكثر إقناعًا من ألف خطاب حماسي. وأتساءل: هل فقدنا القدرة على سماع الحقيقة، أم فقد بعضنا القدرة على قولها دون زينة وضجيج؟ إن المجتمع السليم لا يحتاج إلى مذيع يصرخ كي يطمئنه، ولا إلى مسؤولٍ يبالغ في الثقة كي يصدقه. يحتاج إلى لغة تحترم عقله، وإلى مؤسسات تجعل الصدق ممكنًا، والاعتراف بالخطأ فضيلة لا فضيحة.
ولعل أجمل ما في «لحن القول» أنه يذكرنا بأن للكلام ضميرًا، وأن الكلمات مهما ارتدت من ثياب البلاغة لا تستطيع وحدها أن تصنع المصداقية؛ فالمواطن المصري لا يريد أن يسمع لحنًا جميلًا طوال الوقت. إنه يريد، ببساطة، أن يسمع كلامًا يشبه الحقيقة التي يعيشها.

Leave a Reply