العب يا حبيبي.. الورق اتغيّر

العب يا حبيبي.. الورق اتغيّر

قعدوا الأربعة حوالين الترابيزة، والكوتشينة في النُصّ.. واحد وزّع، والتاني بَصّ في ورقه وقال: «إيه ده؟ هو مش الآس كان كبير؟»، ردّ صاحبه: «كان يا حبيبي.. كان». قال: «طَبْ الولد؟». «الولد بقى باشا»، «والبنت؟»، «معاها الجوكر»، الرابع سأل: «طب إحنا بنلعب إيه؟»، بصّوا لبعض، محدش عارف؛ فقال: «أُمَّال هنحسب النقط إزاي؟»، ردّ الموزع وهو يشرب الشاي: «نقط إيه يا أستاذ؟ إنت لسه عايش في التسعينيات؟ العب بس»، قال: «ألعَب على أنهي قواعد؟»، ضحك الموزِّع: «يا حبيبي لو القواعد معروفة، أُمَّال إحنا قاعدين ليه؟».

ربما تكون هذه المائدة الصغيرة صورة مناسبة لمصر 2026. ليس لأننا جميعًا نلعب الكوتشينة، وإنما لأننا نعيش في لعبة تتغير فيها قيمة الورقة بعد توزيعها، تتعلم أن الآس هو الأقوى؛ فتكتشف أن الجوكر دخل من خارج الترتيب، تحفظ القواعد، ثم يخبرك أحدهم أن القواعد القديمة انتهت، من دون أن يقول لك ما الجديدة، والأطرف أن الجميع يتصرفون كما لو كانوا فاهمين؛ فالاعتراف بأننا لا نعرف اللعبة أكثر إحراجًا من خسارتها. خذ التعليم، الورقة التي خبأتها الأسرة المصرية طويلًا في صدرها، كان الأب يقول لابنه: «ذاكر علشان تبقى حاجة»، والولد يذاكر، ويتخرَّج، ثم يكتشف أن السؤال لم يعد: ما شهادتك؟ بل: إنجليزيتك إيه؟ عندك واسطة؟ بتشتغل Remote؟ بتقبض بالدولار؟ فينظر إلى الشهادة المُعلَّقة على الحائط، وتنظر الشهادة إليه، ويتفق الاثنان على ألّا يفتحا الموضوع.

هذه هي المفارقة الاجتماعية العميقة.. المجتمع لم يُلْغ القيم القديمة؛ أبقاها للزينة، ثم بدأ يكافئ بقواعد أخرى، ما زلنا نوقر الأستاذ الجامعي، ثم نكتشف أن تلميذه الذي يعمل من اللابتوب يكسب أضعاف دخله، نحترم الطبيب، ثم نسأله: عيادتك فين؟ ونقول إن المال ليس كل شيء، ثم نقيس النجاح بالشقة والسيارة والمدرسة والمصيف، تركنا القيم القديمة في الصالون، وذهبنا نلعب بالقيم الجديدة في المطبخ.

أما سيكولوجيًا فأكثر مكرًا، فالإنسان لا يحب أن يعترف بأن الورقة التي أمضى نصف عمره يجمع قيمتها انخفض سعرها، الأب لا يستطيع أن يقول لابنه: «الخريطة التي ربيتك عليها انتهت، وأنا نفسي لا أعرف الخريطة الجديدة»؛ فيُفَعِّل الجهاز النفسي ما يجيده: قليل من الإنكار، وقليل من الإسقاط، وكثير من التبرير. الرجل الذي لم يعد قادرًا على الإنفاق كما كان لا يقول: «قدرتي الشرائية تراجعت»، بل يقول لزوجته: «إنتِ مُبذِّرة»، والزوجة التي تخشى أن تكون الأسرة قد بدأت تنزل درجة لا تقول: «أعاني قلقًا طبقيًا»، بل تسأل: «إحنا ليه ما بقيناش نخرج زي زمان؟»، والابن لا يقول: «أعاني المقارنة الاجتماعية التي صنعتها المنصَّات الرقمية»، وإنما يقول لأبيه: «كل صحابي عندهم إلا أنا»، وهكذا تدخل الأزمة الاقتصادية إلى البيت متنكِّرة في هيئة خناقة عائلية، ومن العيادة أعرف أن أحدًا لا يدخل قائلًا: «يا دكتور، عندي أزمة اجتماعية»، يأتي بالأرق، والعصبية، والصداع، والمعدة، والخلافات الزوجية، والإحساس بأنه تأخر بينما سبق الآخرون، وبعد قليل يظهر السؤال الحقيقي: «أنا عَمَلت كل اللي قالوا لي عليه.. أمَّال ليه مش عارف أعيش؟»، وحتى الطبقة الوسطى نفسها لم تعد تعرف أين تقف، أسرة تمتلك شقة تساوي ملايين ولا تجد سيولة كافية لنهاية الشهر، أستاذ جامعي يركب سيارة أقدم من سيارة شاب يعمل لحساب شركة أجنبية، أب يحمل شهادة كبيرة وابنه يسأله عن وظيفة لا يعرف حتى نطق اسمها، صار السؤال «بتشتغل إيه؟»، أقل أهمية أحيانًا من سؤال شديد الصراحة: «بتقبض بإيه؟». المشكلة إذن ليست أن الأوراق أصبحت كلها سيئة؛ فبعض الناس يحملون أوراقًا ممتازة، وبعضهم تعلَّم اللعبة الجديدة بسرعة، وبعضهم وجد مائدة أخرى خارج البلد، المشكلة أن العلاقة بين الجهد والنتيجة أصبحت أقل وضوحًا، وحين تضطرب هذه العلاقة ينتقل الاضطراب من الاقتصاد إلى النفس ومن النفس إلى البيت.

نحن أمام مجتمع ما زال يحتفظ بكتاب القواعد القديم في المكتبة، بينما يلعب كل يوم بقواعد أخرى، لذلك لا تتعجب إذا رأيت لاعبًا يمسك ورقة كان يظنها رابحة، ويقلبها بين أصابعه، وينظر إلى الآخرين حائرًا ويسأل: «هي اللعبة اتغيرت إمتى؟»، سيأتيه الرَدّ المصري البسيط من آخر الترابيزة: «من زمان يا حبيبي.. إنت بس كنت مركِّز في ورقك، العَب. الورق اتغيّر».

Leave a Reply

Your email address will not be published.