منذ سنوات، دخل إلى عيادتي شاب 22 سنة. جلس أمامي يحكي بثقة عن أصواتٍ يسمعها، وأفكار غريبة تقتحم رأسه، وأعراض بدَت، لأول وهلة، وكأنها تنتمي إلى السكيدزوفرينيا «الفصام» كان يبدو مقنعًا. لكن بعد جلساتٍ متتابعة، اتضح أن القصة كلها لم تكن مرضًا، وإنما دورًا يؤديه بإتقان. لم يكن يبحث عن علاج، كان يريد أن يثبت لأسرته أنه مريض، حتى يحصل على التعاطف، ويتخلص من المسؤولية، ويبتز مشاعر من حوله. أدركت يومها أن بعض الناس لا ينتحلون وظيفة فقط، لكنهم ينتحلون هويةً كاملة، وأنا أقرأ خبر الرجل الذي عاش سنوات يؤدي دورًا لا يخصُّه، حتى أُكتِشَف الأمر مصادفة. كيف يستطيع إنسان أن يعيش سنوات داخل شخصية ليست شخصيته؟ والأكثر إثارة للحيرة، كيف ينجح في إقناع هذا العدد الكبير من الناس؟
نعرف أن الإنسان قد يرتدي قناعًا لأسبابٍ كثيرة. قد يكون القناع محاولة للهروب من شعور عميق بالنقص، أو تعويضًا عن إحساس قديم بالفشل، أو بحثًا عن احترام لم يجده في حياته الحقيقية. ومع مرور الوقت، يبدأ القناع في الالتصاق بالوجه، حتى يصبح من الصعب على صاحبه أن يميز بين الحقيقة والدور الذي يؤديه. إنه لا يكذب على الآخرين فقط، بل يبدأ، تدريجيًا، في تصديق الكذبة التي صنعها بنفسه، وهنا تكمن المفارقة الأعمق.. حين يتحول الأداء إلى حياة، يصبح الفاصل بين «أنا» حقيقية و«أنا» مزيفة شبه معدوم، وتتلاشى القدرة على المراجعة الذاتية؛ فالمنتحل لا ينجح وحده؛ فالمجتمع، من حيث لا يدري، يشارك في نجاحه. نحن نعطي ثقة كبيرة للرموز؛ للزي، والمكتب، وطريقة الكلام، والهيبة التي تحيط بالمكان. أحيانًا يكفي أن يبدو الإنسان واثقًا حتى نتوقف عن طرح الأسئلة؛ فنحن نخاف من أن نبدو مشككين، فنفضِّل التصديق على المواجهة، خاصةً حين يكون المُنتحِل بارعًا في استخدام لغة اليقين. لاستغلاله حاجتنا الجماعية إلى الاستقرار المعرفي.
تُرى كم شخص يقدم نفسه على مواقع التواصل بصورة لا تمت بصلة إلى حياته؟ إن الإنسان يعشق الأقنعة، لأنها تمنحه ما عجزت الحقيقة عن منحه. وتختصر الطريق إلى القبول، وتوفر عناء البناء البطيء للسمعة، وتقدم حزمةً جاهزة من الاحترام والهيبة دون ثمن التعب الفعلي، وفي عصرٍ تتدفق فيه الصور أسرع من معانيها، تصبح الأقنعة سلعة رائجة، يرتديها الملايين دون أن يشعروا بثقلها، حتى تذوب الحدود بين المُعلَن والمُضمر، وأخطر ما في هذه القصص ليس براعة المحتال، وإنما استعداد المجتمع لتصديق المشهد؛ فعندما نتوقف عن السؤال، ونكتفي بالمظهر، ونخلط بين المنصب وصاحبه، يصبح الوهم قادرًا على أن يعيش سنوات طويلة؛ لأن المجتمعات لا تُخدع أيضًا عندما تتراجع ثقافة التَحَقُّق، ويحل الانبهار محل التفكير النقدي. ويكون فشلًا جماعيًا في ممارسة الشك الصحي؛ الذي يحمي العقل من الوقوع في فخ الجاهز؛ فكلما ترسَّخت ثقافة القداسة غير المُدَقِّقَة، وكلما هُوِّلَ شأن المظهر الخارجي، صار الاحتيال أقل كلفة، وصار كشفه أشبه بمعجزة أكثر منه إجراءً روتينيًا.
خرجت من قراءة الخبر وأنا أتذكر ذلك الشاب الذي جلس أمامي منذ سنوات. كان الفارق بينه وبين بطل الخبر كبيرًا في التفاصيل، صغيرًا في الجوهر. كلاهما اكتشف أن هناك طريقًا أقصر إلى المكانة أو التعاطف أو النفوذ، هو أن يرتدي قناعًا يقنع الآخرين بأنه شخص آخر. كلاهما راهن على أن الصورة أقوى من الحقيقة، وأن الجمهور، في النهاية، يصدق ما يريد أن يصدقه. لكن الفارق الحقيقي أن الأول كان ضحية حاجته النفسية، بينما الثاني حوّل حاجته إلى أداة منظمة، وأدار وهمه ببراعة إدارية جعلت منه مشروعًا متكاملًا، لا مجرد هروب عابر، وربما يبقى السؤال الأهم: هل أخطر المحتالين هو الذي يخدع الناس، أم الذي ينجح، بعد سنوات من تكرار الدور، في أن يخدع نفسه أولًا؟ لأن خداع الذات هو أطول الأقنعة عمرًا، وأكثرها مناعة ضد المرآة؛ فحين يصدق المنتحل روايته، يصبح كشفه أشبه بنزع جلدٍ ثانٍ، مؤلمٌ للجميع، حتى لأولئك الذين آمنوا به. وفي النهاية، تظل الحقيقة هي الخاسر الأكبر، ليس لأنها غائبة، بل لأننا اخترنا ألا نبحث عنها؛ فالمجتمعات لا تُخدع بالذكاء وحده، وإنما تُخدع أيضًا بالتراجع عن ثقافة التحقق، ويحل الانبهار محل التفكير النقدي.

Leave a Reply