حين يصبح المكان هوية

حين يصبح المكان هوية

الساحل الشمالي مرآة لتحولات المجتمع المصري

جاءني إلى العيادة رجل في منتصف الثلاثينيات، ناجح في عمله، متزوج، وله وظيفة يحسدها عليه كثيرون. لم يكن يشكو من اكتئاب شديد، ولا من اضطراب نفسي واضح، لكنه قال جملة بقيت تتردد في ذهني طويلًا: «يا دكتور… أشعر أحيانًا أنني لم أعد أعيش في البلد نفسها التي يعيش فيها آخرون». لم يكن يقصد السياسة، ولا يقارن راتبه برواتب الآخرين، بل كان يتحدث عن شعور أصعب من ذلك كله؛ شعور بأن المجتمع الذي عرفه منذ طفولته بدأ ينقسم بهدوء إلى عوالم متوازية، لكل منها لغتها، ومدارسها، ومقاهيها، وأماكنها، وحتى أحلامها الخاصة. خرج الرجل من العيادة، لكن سؤاله لم يخرج من رأسي. ثم جاءت أزمة الساحل الشمالي، وما أثارته من نقاش واسع، لا لتخلق هذا السؤال، وإنما لتمنحه صوتًا. ويُحسب لجريدة «المصري اليوم» أنها، في تغطيتها للموضوع في عدد 27 يوليو 2026، لم تتوقف عند تفاصيل الخلاف، بل التقطت السؤال الأهم: هل أصبح ما نراه في الساحل مجرد مرآة لتحولات أعمق أصابت المجتمع المصري؟

في تقديري، هذا هو السؤال الحقيقي. فالقضية ليست قرية بعينها، ولا رسوم شاطئ، ولا بوابة إلكترونية، ولا حتى الساحل الشمالي نفسه. كل هذه مظاهر، أما القضية فهي ما جرى للعلاقة بين المصريين خلال العقود الأخيرة. لقد عرف المجتمع المصري دائمًا تفاوتًا اقتصاديًا، لكن هذا التفاوت لم يكن يعني بالضرورة انفصالًا اجتماعيًا. كان الناس يختلفون في الدخل، لكنهم يشتركون في المدينة. كانت هناك أحياء راقية وأحياء شعبية، لكن الكورنيش كان للجميع، والحديقة كانت للجميع، والجامعة الحكومية كانت تجمع أبناء القرية وأبناء المدينة، وكان الموظف يجلس في المقهى إلى جوار الطبيب، والحرفي إلى جوار المهندس. لم تكن الثروة موزعة بالتساوي، لكن الخبرة الإنسانية كانت أكثر تشاركًا، وكانت هذه المساحات المشتركة هي التي تحفظ للمجتمع توازنه.

أما اليوم، فإن ما تغير ليس حجم الفجوة الاقتصادية فقط، وإنما طبيعة الحياة نفسها. أصبح لكل شريحة مدارسها، ومستشفياتها، وأماكن ترفيهها، ومراكزها التجارية، ودوائرها الاجتماعية، وحتى مصادر معلوماتها. لم يعد الاختلاف في مستوى المعيشة وحده، بل في التجربة اليومية للحياة. أصبح من الممكن أن يعيش مواطنان في المدينة نفسها، لكن كل واحد منهما يرى مصر مختلفة تمامًا عن التي يراها الآخر، وهنا يبدأ علم النفس في تقديم تفسير مختلف. فالإنسان لا يبني صورته عن المجتمع من خلال الإحصاءات، وإنما من خلال ما يراه كل يوم. نحن لا نتعلم المُواجَدَة (معايشة وجدان الآخر) من الأرقام، بل من الاحتكاك. نتعلم أن الآخر يشبهنا حين نراه، ونتحدث معه، ونختلف معه، ثم نكتشف أنه يحمل الهموم نفسها وإن اختلفت ظروفه. أما عندما تقل هذه اللقاءات، فإن الخيال يبدأ في ملء الفراغ. وحين يغيب التعارف، تحضر الصورة النمطية، ويصبح من السهل أن يختزل كل طرف الآخر في مجموعة من الأحكام الجاهزة.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يزداد فيه الأغنياء غنىً أو الفقراء فقرًا، وإنما أن يتوقف أبناؤه عن رؤية بعضهم بعضًا. فالإنسان لا يخاف ممن يختلف عنه، بقدر ما يخاف ممن لم يعد يعرفه. وكلما ضاقت المساحات المشتركة، اتسعت مساحة الذي معه تتضخم المخاوف، ويبدأ كل طرف في بناء صورة عن الآخر، لا من خلال التجربة، وإنما من خلال ما يسمعه أو يراه على الشاشات، ولعل هذا يفسر جانبًا من ظاهرة المجتمعات السكنية المغلقة. فمن الخطأ أن ننظر إليها باعتبارها مجرد مشروع عقاري أو خيار عمراني. إنها أيضًا ظاهرة نفسية. فالإنسان المعاصر يعيش في عالم يزداد اضطرابًا، ويشعر بقدر متزايد من عدم اليقين، ولذلك يبحث عن الأمان بأي صورة ممكنة. لا يشتري منزلًا فقط، بل يشتري إحساسًا بالطمأنينة. لا يبحث عن سور من الخرسانة، بل عن شعور بأن حياته أكثر قابلية للسيطرة. وهذا حق مشروع لا يمكن إنكاره أو السخرية منه، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول السور من وسيلة لحماية البيت إلى وسيلة لتعريف الإنسان. عندما يصبح عنوان السكن بطاقة هوية اجتماعية، وعندما يصبح المكان الذي تعيش فيه جزءًا من قيمتك في نظر الآخرين، فإننا نكون قد انتقلنا من فكرة العمران إلى فكرة المكانة. عندها لا يعود السؤال: أين أسكن؟ بل يصبح: ماذا يقول عنواني عني؟

وهنا تدخل السوق على الخط بطريقة شديدة الذكاء. فشركات التطوير العقاري لم تعد تبيع شققًا فقط، وإنما تبيع أسلوب حياة. تبيع صورة ذهنية. تبيع وعدًا بالهدوء، والخصوصية، والأمان، والجيرة المختارة، ونمطًا معينًا من الحياة. هذه ليست خدعة، لكنها أيضًا ليست مجرد تجارة في الخرسانة. إنها تجارة في المعاني. فالإنسان لا يشتري الجدران وحدها، بل يشتري الإحساس الذي تمنحه له هذه الجدران، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت هذه الظاهرة تعقيدًا. لم تعد الأماكن تُعاش فقط، بل أصبحت تُعرض. وأصبح المكان جزءًا من اللغة التي يقدم بها الإنسان نفسه إلى العالم. صورة على الشاطئ، أو في مطعم، أو أمام منزل، لم تعد مجرد ذكرى، بل أصبحت رسالة اجتماعية تقول: هذه هي الحياة التي أعيشها، وهذا هو العالم الذي أنتمي إليه. وهكذا تحولت بعض الأماكن إلى رموز للمكانة، لا لأنها أجمل بالضرورة، وإنما لأنها أصبحت تحمل معنى اجتماعيًا يتجاوز قيمتها المادية، ولم تعد المقارنة بين الناس تتم داخل الحي الواحد أو بيئة العمل فقط، بل أصبحت تتم على مدار الساعة، عبر شاشات الهواتف. وهنا تظهر واحدة من أخطر الظواهر النفسية، وهي أن الإنسان قد يشعر بالحرمان، ليس لأنه محروم فعلًا، بل لأنه يقارن حياته بصورة منتقاة بعناية من حياة الآخرين. فوسائل التواصل لا تعرض الحياة كما هي، وإنما تعرض أفضل لحظاتها، وأكثرها بريقًا. ومع تكرار المشهد، يبدأ كثيرون في الاعتقاد أن هذه هي الحياة الطبيعية، وأن ما يعيشونه هم هو الاستثناء.

ومن هنا نفهم لماذا لم يعد الشعور بالضغط مرتبطًا فقط برقِّةِ الحال، بل طال أيضًا قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى. فهذه الطبقة كانت تاريخيًا عماد الاستقرار في المجتمع المصري، لأنها كانت تؤمن بأن العمل والاجتهاد يمكن أن يحققا صعودًا اجتماعيًا تدريجيًا. أما حين يصبح الإحساس العام أن المسافات تكبر أسرع من القدرة على اللحاق بها، فإن المشكلة لا تعود اقتصادية فقط، بل تصبح نفسية أيضًا. يشعر الإنسان أنه يجري باستمرار، لكنه لا يقترب من خط النهاية، لأن خط النهاية نفسه يتحرك كل يوم.

لكن يبقى السؤال: لماذا أصبحت هذه التحولات أكثر إيلامًا الآن مما كانت عليه قبل ثلاثين أو أربعين عامًا؟ في تقديري، لأن أكثر من يشعر بها ليست الطبقة الأكثر ثراءً ولا الطبقة الأكثر فقرًا، وإنما الطبقة الوسطى المصرية؛ تلك الطبقة التي كانت، لعقود طويلة، العمود الفقري للمجتمع والدولة معًا. فمنها خرج الأطباء والمهندسون والمعلمون وأساتذة الجامعات والموظفون والكفاءات التي بنت مؤسسات الدولة الحديثة. وكانت تمتلك ما هو أهم من الثروة نفسها؛ كانت تمتلك الإيمان بأن التعليم والعمل والانضباط يمكن أن يغيروا مصير الإنسان، وأن أبناءها قد يعيشون حياة أفضل من حياة آبائهم.

غير أن التحولات الاقتصادية المتسارعة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والتضخم، والانتقال من اقتصاد يقوم على الإنتاج إلى اقتصاد تلعب فيه الرموز والاستهلاك دورًا أكبر، جعلت جزءًا كبيرًا من هذه الطبقة يشعر بأنه يبذل جهدًا مضاعفًا للحفاظ على المستوى نفسه، لا للارتقاء إلى مستوى أعلى. ولم يعد القلق متعلقًا بالطعام أو السكن، بل بالخوف من التراجع، ومن فقدان المكانة الاجتماعية التي ظل يحافظ عليها سنوات طويلة.

وهنا يحدث تحول نفسي بالغ الأهمية. فحين يشعر الإنسان بأنه يصعد السلم بينما ترتفع درجاته في الوقت نفسه، يبدأ التعب النفسي في تجاوز التعب الاقتصادي. يصبح الخوف من السقوط أقوى من متعة النجاح، ويصبح الحفاظ على الصورة الاجتماعية عبئًا لا يقل ثقلاً عن تدبير نفقات الحياة نفسها. وربما لهذا السبب نرى كثيرًا من الأسر تتحمل أعباء مالية هائلة من أجل مدرسة، أو نادٍ، أو مصيف، أو عنوان سكن، ليس بدافع الترف، وإنما خوفًا من الإحساس بأنها بدأت تفقد موقعها في السلم الاجتماعي.

وهذا ما يجعل النقاش حول الساحل الشمالي، أو غيره من الظواهر المشابهة، يتجاوز حدود الأماكن. فالناس لا يناقشون مجرد شاطئ، وإنما يناقشون، من حيث لا يشعرون، معنى النجاح، وحدود العدالة، وفرص الصعود الاجتماعي، والخوف من التراجع. ولذلك كانت ردود الفعل حادة؛ لأن كل طرف كان يرى في القضية شيئًا مختلفًا. بعضهم رأى حقًا في الخصوصية، وبعضهم رأى استثمارًا مشروعًا، بينما رأى آخرون فيها رمزًا لاتساع المسافة بينهم وبين حياة كانوا يعتقدون يومًا أنها ليست بعيدة المنال.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس اتساع الفوارق الاقتصادية في حد ذاته، وإنما ضمور الإحساس بالمصير المشترك. فالدول لا تتماسك لأن جميع مواطنيها يملكون القدر نفسه من الثروة، فهذا لم يحدث في أي مجتمع عبر التاريخ، لكنها تتماسك لأن أبناءها يشعرون أنهم يعيشون الحياة نفسها، ويواجهون المستقبل نفسه، ويملكون حقًا متساويًا في الانتماء إلى المكان. أما إذا بدأت طبقات المجتمع تعيش في عوالم منفصلة، فإن الفجوة لا تعود فجوة دخل، بل تتحول إلى فجوة في الإدراك واللغة والاهتمامات والأحلام.

ولعل هذا ما يجعلنا نتوقف طويلًا أمام التحولات العمرانية التي شهدتها مصر خلال العقود الأخيرة. فالمدن ليست مجرد مبانٍ وطرق، وإنما هي أدوات لتشكيل العلاقات الإنسانية. المدينة المفتوحة تدفع الناس، شاءوا أم أبوا، إلى اللقاء. أما المدينة التي تتكاثر فيها الأسوار والبوابات والحواجز، فإنها تعيد تشكيل المجتمع بطريقة هادئة لا يلاحظها أحد إلا بعد سنوات. لا يعود الجار هو من يسكن إلى جوارك، بل من ينتمي إلى الطبقة نفسها، أو إلى نمط الحياة نفسه، أو إلى القدرة الشرائية نفسها. وهكذا يتحول التشابه الاقتصادي تدريجيًا إلى شرط للعلاقة الإنسانية، بينما يتراجع التنوع الذي كان أحد أهم مصادر ثراء المجتمع.

ومن المفارقات أن الإنسان، كلما شعر بأنه أصبح أكثر أمانًا داخل عالمه الصغير، قد يصبح أقل قدرة على فهم العالم الأكبر. فالطفل الذي ينشأ دون أن يرى إلا من يشبهونه، سيكبر وهو يظن أن المجتمع كله يشبه بيئته. والشاب الذي لا يحتك إلا بدائرة اجتماعية واحدة، قد يجد صعوبة في فهم مشكلات الآخرين أو حتى في تصديق وجودها. وفي المقابل، قد ينظر من يعيش خارج هذه الدوائر إلى تلك المجتمعات المغلقة باعتبارها عالمًا لا يعرف شيئًا عن حياته، ولا يهتم بها. وهكذا يخسر الطرفان معًا، لأن كليهما يفقد فرصة التعرف إلى الآخر بوصفه إنسانًا، لا بوصفه ممثلًا لطبقة اجتماعية.

وهنا يصبح الحديث عن العدالة الاجتماعية أكثر تعقيدًا من مجرد إعادة توزيع الدخل. فالعدالة ليست رقمًا في ميزانية الدولة، وإنما أيضًا شعور نفسي. هي إحساس المواطن بأن المجتمع مفتوح أمامه، وأن الأمل لا تحدده نقطة الميلاد، ولا اسم الحي الذي يعيش فيه، ولا المدرسة التي درس فيها. عندما يشعر الإنسان أن الطريق ما زال مفتوحًا، فإنه يتحمل الصعوبات بصبر أكبر. أما إذا ترسخ داخله أن المجتمع أصبح يتحرك في مسارات متوازية لا تلتقي، فإن الإحباط يتحول تدريجيًا إلى حالة عامة، حتى لو تحسنت بعض المؤشرات الاقتصادية.

وربما لهذا السبب أصبحت الهجرة حلمًا عند كثير من الشباب، حتى لدى من لا يعيشون في فقر مدقع. إنهم لا يبحثون فقط عن دخل أعلى، بل عن شعور بأن الفرصة ما زالت ممكنة، وأن المجتمع لا يزال يسمح بالحراك، وأن المستقبل لا تحدده الحدود غير المرئية التي تفصل بين الناس. فالهجرة، في كثير من الأحيان، ليست رفضًا للوطن، وإنما بحثًا عن أفق يعتقد الإنسان أنه أصبح أوسع في مكان آخر.

ولا يعني هذا كله أن الاستثمار في المدن الجديدة أو المنتجعات السياحية خطأ، أو أن المجتمعات السكنية الراقية يجب أن تُدان لمجرد وجودها. على العكس، فالتنمية العمرانية ضرورة، والاستثمار ركيزة من ركائز الاقتصاد، والخصوصية والأمان احتياجات إنسانية مشروعة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا ونحن نبني مدننا هو: كيف نحافظ، في الوقت نفسه، على المساحات التي تجعل المجتمع مجتمعًا؟ كيف نضمن أن يبقى هناك شاطئ عام يلتقي فيه الجميع، وحديقة عامة، ومكتبة عامة، وشارع يشعر فيه كل مواطن أنه لا يحتاج إلى بطاقة خاصة كي يكون جزءًا من المكان؟

لقد نجحت مدن كثيرة في العالم في الجمع بين الاستثمار والمجال العام، بين الخصوصية والانفتاح، وبين الرفاهية والإحساس بالمواطنة. ولم يكن نجاحها لأنها ألغت الفوارق بين الناس، بل لأنها لم تسمح لهذه الفوارق بأن تتحول إلى حواجز نفسية واجتماعية. فالمدينة الناجحة ليست تلك التي تُخفي الاختلافات، وإنما تلك التي تسمح للمختلفين بأن يعيشوا معًا دون خوف أو استعلاء أو شعور بالإقصاء.

ومن هنا أعود إلى الرجل الذي بدأ به هذا المقال. لقد كان يظن أنه يتحدث عن الساحل، لكنه في الحقيقة كان يتحدث عن الانتماء. كان يخشى أن يفقد إحساسه بأنه جزء من المجتمع الذي يعيش فيه. وأظن أن هذا هو السؤال الذي يستحق أن يشغلنا جميعًا. فالأوطان لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وكباري ومدن جديدة، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على الخيوط غير المرئية التي تربط أبناءها بعضهم ببعض. هذه الخيوط لا تصنعها الخرسانة، وإنما تصنعها الثقة، والاحتكاك، والتعارف، والإحساس بأن المجال العام ما زال يتسع للجميع.

وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن نستخلصه من الجدل الذي دار حول الساحل الشمالي. ليست القضية أن هناك قرية فرضت رسومًا، أو شاطئًا أصبح أكثر تنظيمًا، أو منتجعًا ارتفعت فيه الأسعار. فهذه كلها أحداث قد تتغير مع الزمن. أما القضية الحقيقية فهي أن نسأل أنفسنا: أي مجتمع نريد أن نتركه لأبنائنا؟ هل نريد مجتمعًا يزداد فيه الثراء، لكنه يفقد القدرة على الحوار بين طبقاته؟ أم نريد مجتمعًا ينجح اقتصاديًا، ويظل في الوقت نفسه محتفظًا بمساحاته المشتركة، وبقدرته على أن يرى كل فرد فيه الآخر مواطنًا قبل أن يراه صاحب ثروة أو صاحب مهنة أو ساكنًا في عنوان معين؟

إن المجتمعات لا تنهار حين يزداد الأغنياء غنىً أو يزداد الفقراء فقرًا فحسب، وإنما تبدأ في التصدع عندما يتوقف أبناؤها عن معرفة بعضهم بعضًا. فالمعرفة هي أصل الثقة التي هي أصل التماسك.. الثروة الحقيقية لأي وطن. أما الأسوار، مهما ارتفعت، فلا تستطيع أن تحمي مجتمعًا فقد القدرة على أن يرى نفسه مجتمعًا واحدًا.

وربما لهذا السبب يصبح مؤلمًا حين يتحول البحر، في الوعي الجمعي، من رمز للحرية والانفتاح إلى رمز للفرز الاجتماعي.

Leave a Reply

Your email address will not be published.